تابعنا على فيسبوك وتويتر
عبد الستار ناصر ويوسف العاني - بعدسة فيصل الياسري

عبد الستار ناصر ويوسف العاني – بعدسة فيصل الياسري

إشارة :
رحل المبدع الكبير “عبد الستار ناصر” في الغربة ودُفن هناك .. ومرّت ذكراه شبه يتيمة بلا ذكرى .. وبلا احتفاء ومراجعة تليق بقامته الإبداعية الشامخة .. أسرة موقع الناقد العراقي تقدّم هذا الملف إحياء لذكرى عبد الستار ناصر واحتفاء بمنجزه الإبداعي الفذّ. وسيكون الملف مفتوحا على عادة الموقع . تحية للمبدع الكبير عبد الستار ناصر.

الحوار :
حوار: سردار زنكنة

القاص والروائي عبدالستار ناصر واحد من أهم الأسماء التي ظهرت في عالم القصة والرواية العراقية والعربية على حد سواء، غادر العراق عام 1999 ليستقر في عمان، له أكثر من أربعين كتاباَ في القصة والرواية والنقد الأدبي، ترجمت أعماله الى أكثر من لغة ومنها الأنكليزية والألمانية والكردية والروسية .
ويفيد ناصر: أنا لا أصدق كيف انتهى بنا المطاف، أبكي بلادي كل يوم وأرثي الديار التي يموت أولادها دونما سبب، ولو كنت أدري أن هذا هو المصير كنت هاجرت مع ( ثريا الإسحاقي) و(سركون بولص) وصعدت الباخرة التي أخذاها من بيروت الى أميركا وهما يكرران: تعال معنا أيها المجنون.

*تعترف في احدى مقالاتك بما نصه “بعد أربعين سنة من زمن الكتابة وأربعين كتابا حملت أسمي، رأيت في ساعة صحو أن المسافة بيني وبين القصة والرواية لم تزل بعيدة”، هل مثل هذا الاعتراف يدخل في باب التواضع، ام انك تعني ما تقول بجد؟
– أنت قرأت مقالتي (أنا كاتب فاشل) والتي جاء فيها السطور التي وقع اختيارك عليها، وهذه المقالة تهكمية، ساخرة، لاذعة، أحكي فيها بالمقلوب عما يحدث في حياتنا الأدبية، ولماذا نرهق أنفسنا إذا لم يكن من أحد يقرأ ما نكتب!، المهم، الاعتراف لم يدخل في باب التواضع وأيضاً لا أعني فيه ما أقول (فعلاً) إنما هو سخرية وتهكم مما نحن فيه من نسيان بين بقية أدباء العالم. نحن لا نعرف كيف نسوّق أنفسنا الى الدنيا، لأن ذلك ليس من اختصاصنا.

* فن السرد العراقي منذ انطلاقته الاولى مع مطلع القرن الماضي مر بمراحل، ومنذ مرحلة السرد التقليدي التي تمتد الى مطلع الخمسنييات الذي شهد ولادة القصة بمعناها الفني والحداثي ان صح التعبير على يد الراحلين غائب طعمة فرمان وعبد الملك نوري وفؤاد التكرلي وحتى المرحلة اللاحقة، برأيك هل اختط الجيل الستيني الذي تنتمي اليه اسلوباً آخر اضفى شيئاً من المغيارة والتجديد فى الفن القصصي والروائي في العراق؟
– حتى مع هؤلاء الثلاثة( غائب ونوري والتكرلي) يختلف السرد بين هذا وذاك، فكيف الحال مع جيل الستينيات، بعض كتابات عبد الملك نوري تجاوزت بحداثتها بعض كتابات جيل ما بعد الستينيات، وبعض روايات التكرلي كذلك تجاوزت بعض روايات الجيل اللاحق، هناك أعمال لا تقرأ، ثقيلة، فقيرة في حبكتها، محرومة من نعمة الأفكار، أسلوبها ضعيف، عيوبها اكثر من جمالياتها، بينما ترى( المسرات والأوجاع) للتكرلي و( النخلة والجيران) لفرمان وغيرهما أفضل مما قرأنا بعد أربعين سنة. قبل أيام قرأت رواية بلهاء، بلا مضمون واضح، وقبل هذا وذاك فهي مسروقة وفكرتها معوجة.

* أمكنة احتفت بازمانها واحداثها ..عشتها ومخلوقاتك القصصية والروائية، بدءًا من الطاطران وحواري وأزقة واسواق ومقاهٍ في بغداد، والى مدن وعواصم ماوراء البحار، وحتى مكوثك الاخير في عمون المهيبة..ما المدينة الاشهى في رحلتك القصصية والروائية والسيرية؟ وما الشخصية التي لم تمط اللثام عن دواخلها, واسرارها؟
– ثمة مدن لا يمكن أن تختفي من ذاكرتي، أحببتها وذهبت إليها اكثر من مرة، بودابست وباريس وجيكوسلوفاكيا أيام كانت جسداً واحداً، وهناك نساء ظهرن كالحلم لا أصدق أنهن دخلن الى حياتي ذات يوم، المدن والنساء والمخلوقات الروائية جئن الى منزل القصة في كتابي(الهجرة نحو الأمس) بثلاثة أجزاء، لم أقل فيها كل شيء، إنها السيرة الذاتية التي ينقصها الكثير، ماذا جرى في القاهرة وإستانبول وبيروت والبحر الشاسع الذي رماني الى نابولي وروما وبرشلونة؟
أية مدينة هي الأشهى؟ لا أدري، ربما كونستانسا، ربما الاسكندرية، ربما بيلاتون، ربما آخر حلم جاءني في بوخارست أو صوفيا أو فلورنسا، إقرأ رواية(على فراش الموز) فهي الجزء الرابع والأثير من هجرتي نحو الأمس.

* عبرت حدود الوطن بشكل مبكر من حياتك الادبية، وتنقلت بين عواصم عربية، وأوروبية، لكنك في كل رحلاتك تعود الى بغداد مثل حمام زاجل لم يضل وكره، في حين كانت هناك هجرة شبه منظمة للكثير من الادباء والفنانين العراقيين بعد منتصف الستينيات، ومنهم من قضى، ومنهم مازال مقيماً في هذه المدينة الاوروبية او تلك العاصمة، لماذا لم تفعلها؟
– عندما كنت أسافر، كانت بغداد مزحومة بالملذات،حالها حال بوخارست ودمشق وبلغراد والدار البيضاء، كان السفر اكتشافاً ومعرفة وليس هروباً كما هو الآن، أنا لا أصدق كيف انتهى بنا المطاف، أبكي بلادي كل يوم وأرثي الديار التي يموت أولادها دونما سبب، ولو كنت أدري أن هذا هو المصير كنت هاجرت مع ( ثريا الإسحاقي) و(سركون بولص) وصعدت الباخرة التي أخذاها من بيروت الى أميركا وهما يكرران: تعال معنا أيها المجنون. وكنت مجنوناً فعلاً لأنني لم أتنبأ بما ستؤول إليه الأمور.

* المد الثوري في العراق بدأ منذ الخمسينيات، وعبر الى العقد الستيني، ولقد انخرط عدد من الكتاب في تيارات سياسية ماركسية، وقومية، وغيرها من الاتجاهات ..ألم تنتم الى تيارما؟ ام ان موهبتك السردية قادتك الى ضفتها بقوة وامتياز؟
– نشأت داخل صومعة اليسار دون أي انتماء الى جهة ما، آمنت في وقت مبكر أن الأحزاب( أكذوبة) وأن البقاء فيها للأقوى. كنت أميل دائماً الى الأصدقاء الشيوعيين وأصدق ما يأتي منهم، وكنت على العكس من ذلك أشمئز من بقية الاتجاهات، وأقرف من شعاراتهم، وبرغم ذلك لم أنتم الى الماركسية التي قرأت الكثير عنها.
أنا أنتمي الى موهبتي وأرى في كتاباتي حلاً مثالياً للبقاء داخل نسيجي بعد أن أثبتت الكتل السياسية (إرهابها) خلف شعاراتها البراقة.

* لم يتصد مطلع سبيعنيات القرن الماضي حزب حليف آنذاك للبعث، كما لم يتصد شاعراو كاتب عراقي لما كانت تقوم به ما تسمى بـ”شرطة الاداب”من ملاحقة وقمع للحريات في شوارع بغداد، مثلما تصدت قصتك ذائعة الصيت”سيدنا الخلفية”، ألم تخش من عاقبة نشرها ؟ هل لك ان تسلط الضوء تفصيلياً عن ظروف وولادة ونشر ذلك النص القصصي التهكمي، وما دور الراحل محمود العبطة في الدفاع عنك؟
– ليس من عدو لي مثل لساني، كنت أكرر مع نفسي هذا القول ل( تولستوي) وأنا في الغرفة الانفرادية التي رموني فيها، هل كنت شجاعاً عندما كتبت( سيدنا الخليفة)؟ كان سباقاً بين إرادتي وإرادتهم، وبمرور الزمن تأكد لي أنهم تمكنوا مني، غلبني عشقي للحياة وقررت أن أكف عن السباق فقد كان الثمن فادحاً ورهيباً، لكنني بعد خروجي رأيت الناس يكررون قولي( يا عشاق القرن العشرين اتحدوا) التي ورد ذكرها في تلك القصة، أما عن دور محمود العبطة رحمه الله في الدفاع عني، فهناك العشرات ممن رفع صوته في وجه السلطة القاسية وكلهم خارج العراق، ومنهم الشاعر أدونيس والمبدع إلياس خوري الذي منع من دخول العراق بعد أن قال كلمة حق عني.

* يقف نقدنا الادبي الى حد ما بين الانصاف والاجحاد، يفترض بالاول ان يتخذ من الموضوعية طريقاً في التحليل والتقييم دون محاباة اومجاملة، لكنه لم يبد كذلك على طول الخط، فيما الثاني يبدو سلبياً في التقييم وتغلب علية صفة المزاجية وغياب المنهج والمجاملات الشخصية على حساب الابداع والاصالة..اين يجد عبد الستار ناصر نتاجه من التقييم بين هذين الضربين من النقد؟
– أنا مشروع يمتد الى نهاية عمري… هذا ما قلته عن نفسي ذات يوم، أما عن النقد فأنت قلت الشطر المهم من الجواب، وقد كتبوا عني الكثير، تحليلاً أو محاباة، وفي الحالتين أقول( ماذا أنتظر أكثر من هذا)؟ كنت على خلاف مع النقاد طوال ما يزيد على ثلاثين سنة وبرغم ذلك كتبوا عني وما زالوا يكتبون، أما ينبغي أن أشكرهم؟

* مالذي يقوله عبد الستار ناصر للجيل الجديد من السرديين العراقيين؟
– لا أحب دور الأستاذ أو الواعظ، لكنني رأيت في القراءة أجمل الكنوز وأكثرها متعة.

* قصتك او روايتك التي لم تكتب بعد؟ وهل ثمة شخصية ترى انك لم تف حقها؟
– هناك أكثر من رواية لم أكتبها بعد، وأكثر من شخصية لم تأخذ حصتها من اهتمامي، عندما أقرأ(الحب في زمن الكوليرا) لماركيز أو أقرأ(تيريزا باتيستا تعبت من الحرب) لجورجي أمادو أو أقرأ(جسر على نهر درينا) لإيفو آندريتش، أفكر بالروايات التي كانت بانتظاري ولم تزل، وأفكر بالشخصيات التي تنتظر ما سأقول عنها.

*امنيتك الثقافية التي لم تتحقق الى الان؟
– كنت بدأت بكتابة رواية يوم 7حزيران 2009 ( وهو نفسه ما يسمى عيد ميلادي) لكنني في التاسع عشر من الشهر التاسع من السنة نفسها أصابتني جلطة بالدماغ، لم أعد بعدها أقرأ ولا أكتب وكانت هذه الرواية(أمنية لم أتمكن من تحقيقها) تختلط فيها الموسيقى بالزمان والشعر بالمكان، وسميتها قبل البدء بها( أربعة فصول) وهي مهداة الى (فيفالدي) أول من قرأ الفصول الأربعة وعزفها.

* بماذا تشعر حين يعرض عليك شريط ذاكرتك البصرية: الطاطران وبيوتهاالاليفة، نساؤها وصباياها الطازجات، دورالسينما البغدادية،جدوع ورحلاته الطهرانية، نشر القصة الاولى واطراء غسان كنفاني، مقاهي البرلمان الزائل وحسن عجمي المهجوروالموحش، والاحبة من الاصدقاء ممن ماتوا واعتزلوا وانزووا، وهاجروا، وممن تحاصرهم الاحداث وتترصدهم مفخخات الموت وناسفاته؟
– أرثي نفسي على ما خسرنا من شاعرية الأشياء، من جماليات الأماكن، من الذاكرة والذكريات، لم يعد من شيء كما كان، بغداد كانت امرأة حسناء ذات عام، أين هي اليوم؟ ماذا فعلت بنفسها؟ أين أولادها؟ ماذا فعلوا بها؟ أين الأصدقاء؟ أين النساء الجميلات في شارع النهر؟ أين محمود جنداري ومحسن اطيمش وجليل القيسي وموسى كريدي وسامي محمد ورعد عبد القادر ونصر محمد راغب؟ الموت يغزو بغداد، لا أريد أن أصدق ما نحن فيه، بصراحة: أنا ( ميت) مؤجل، ما عاد يهمني ما يكتب عني وليس من المهم أن أكتب بعد الآن، فقد تشظت الدنيا من حولي، حتى أجمل أصدقائي (أو هذا ما ظننت) صاروا أول أعدائي، موحش كل شيء، موحش كل شيء، موحش كل شيء.
* عن ناشتي برس


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"