تابعنا على فيسبوك وتويتر

????????كتابة السيرة الذاتية “Curriculum vitae ” موضوع خطير لا يتجرأ الكثير من الكتاب على التقرب منه، أو حتى الخوض فيه، لذلك يتركونه لمن سيقوم بهذه المهمة الصعبة من بعدهم، وهم في الغالب أما من أفراد الأسرة، أو بعض المريدين والمحبين، لما له من تأثيرات جانبية لاتتعلق بحياة الكاتب لوحده بل بحياة أشخاص آخرين يجد الكاتب نفسه مرغماً للحديث عنهم أو التطرق إلى جوانب من حياتهم مرتبطة بدرجة ما بحياة كاتب السيرة نفسه، بالإضافة إلى إننا مازلنا غير قادرين على استيعاب وتحمل ماتعرضنا له من إخفاقات وهزائم وخسارات مهما كان حجمها كبيراً او صغيراً، وهذا ما نلمسه في إشارة الروائية العراقية لطفية الدليمي في هذا الموضوع في مقالة لها في صحيفة العرب اللندنية “على الجانب العربي لا نجد روائية واحدة أو روائيا واحدا يعترف بأن في رواياته ظلالا من السيرة الذاتية فالكل عندنا يتخفى وراء مثالية مفرطة يتجنب معها أن ينسب لنفسه خطايا بطل من أبطاله، ويعود ذلك إلى أسباب أساسية في تكوين الشخصية العربية والمسلمة وهي النزعة ( الجوانية) السرانية والغنوصية التي تحتفي بها الاخلاقيات الاجتماعية الشرقية، بينما تنفتح الشخصية الغربية على فكرة (الاعتراف) انطلاقا من مرجعياتها الديني، فالغربي يعترف ويبوح ويعلن ليشفى ويرتاح ضميره أما الشرقي العربي فينغلق ويكتم لتتعقد حياته.
لماذا نكتب؟ يقول الناقد الفرنسي رولان بارت: تبدأ الكتابة، في اللحظة التي نتوقف فيها عن الكلام، وهذا ما أرادته وما فعلته بالضبط مبدعتنا الرائعة دينا سليم فلقد بدأت الكتابة في اللحظة التي أرادت فيها أن تتوقف عن الصراخ، ذلك الصراخ الذي أدمى روحها طوال أكثر من ثلاثة عقود من الزمن “آمل أن ينتهي صراخي .. سأنهي الحكاية.ص284”.
رواية “جدار الصمت” الصادرة عن دار الجندي للنشر والتوزيع 2015 ، ومنذ سطورها الأولى تشعرنا بالعلاقة الحميمية بين التنويه الذي بدأت به الكاتبة الرواية “من ان الرواية كتبت بعد وفاة ولدها في 2014 ” وبين فحوى السرد الذي أخذ بالانفتاح ليلامس الغاية التي من أجلها كتب هذا النص السردي والتوثيقي، الذي حرصت الكاتبة وبكل صدق أن يكون رفيق رحلة طويلة مع المرض والحياة القاسية، استمرت معها لما يقارب الثلاثة والثلاثين عاماً،إنها رواية تبدو للوهلة الأولى وكأنها سيرة ذاتية لبطل غادر الحياة منذ عام، لكن هذه السيرة سرعان ما تتحول إلى سيرة حياة أخرى للكاتبة “أحسست بروحك تحوم في البيت، روحك حلت دون أن تطرق الباب ولم تقف على عتبة الدار، وكما في كل مرة نظرت الى خلفي لأحظى برؤيتك، التفت، وبحثت عنك، لم تكن موجودا، لكن سقطة ما دعتني لأدرك انك تسمع ندائي وأنك حاضر معي، أتيت قبل يوم ميلادي بيوم واحد….ص15″. من هنا تنطلق الرواية لتعانق روحين كانا شاهدين على الكثير من الأحداث المؤلمة والمفرحة، في حياة أسرة الروائية، ومن يطالع الصفحات الأولى من الرواية سيستشعر ذلك رغم انها تبدو وكأنها رواية كتبت عن الموت، ” اتفقتا فيما بينهما أن تمضيا الليل دون شجار، “دجانة”، dina salimنحيفة سمراء اللون، قبيحة الوجه، قوية البدن، تغسل الاجساد الميتة وتكفنها، “بيضاء”، مكتنزة، متوسطة الجمال، مهنتها ندّابة في الجنازات، لاتعلمان كيف وجدتا نفسيهما في بيت واحد وفي حجرتين منفردتين مدخله مشترك تتشاركان غرفة الحمام وشجرة الأكادنيا. ص17”. لكن القاريء سيكتشف بعد فصول من القراءة، انها رواية عن الحياة، من خلال الموت السريري البطيء الذي يتعرض له “باسم”، تنتقل الرواية من مستوى الحديث عن معاناة دجانة وبيضاء بعد حالة الاحباط واليأس التي يمران بها بسبب انقطاع حالات وقوع الموت في الضيعة، الى الحديث عن اقتراب وقوع حالة وفاة لشاب نتبين فيما بعد ومن خلال انتقالات ناعمة من سرد دجانة في المستشفى بضمير الغائب، الى حديث الساردة خارجياً عن باسم بضمير الغائب أيضاً وهو يصارع الموت في ساعاته الأخيرة، ثم حديثها معه بضمير المتكلم، في الصفحات 25،26،27. لتقدم من خلال هذه السردات والحوارات، الأجواء الجنائزية لرحيل ولدها “باسم”.
ورغم إن الروائية دينا سليم أرادت من الرواية ان تكون مبحثا خاصا في حياتها كأمرة وحياة ولدها الشاب “باسم” من خلال ما ذكرته” بني، طالما راودتني فكرة تدوين رواية أتحدث فيها عن حياتنا معاً، كأم وابن وحيد يعاني منذ كان في السادسة من عمره وحتى عندما أصبحت شاباً وانت تعاني من حالة نادرة.ص147″ … فهذا المشروع بالنسبة للروائية يبدو أكبر من التحدي ” لأني ان لم أفعل وأكتب الان بالذات ستكبر الغصة أبدا معي.ص148″.
إلا انها نجحت في أن تجعل من هذا النص السردي رسالة بالغة لكل من عاصرها وكان قريبا منها ومن أسرتها ومؤثرا في مرحلة ما في الأحداث التي ألمت بها، “سأكتب لعل الكتابة تنتشلني من قهر الذاكرة فأنسى، الكتابة بالنسبة لي تطهير للنفس وأداة مساعدة فيها أزيل انفعالاتي الحسية، وتنقي ذهنيتي المصابة بالحزن، سأنتحر بالكتابة وسوف أشفي غليلي فاستحضاري لشخوص من الماضي ما هو إلا انتحار الآن أركب موجة الرواية مجدداً، وسانحي جانبا رواية سابقة لم تكتمل بعد لكي أبدأ من جديد بهذه.ص162″.
فكان أن تقاسم الرواية حدثين مهمين، هما الجزء الأول وهو كتابة سيرة ذاتية تجمعها مع ولدها”باسم” وأفراد اسرتها، زوجها وبناتها، فيما خصص الجزء الثاني من الكتاب، ليكون بمثابة صرخة كبيرة بوجه المجتمع، لتنطلق منه الروائية دينا سليم في تجربة سردية عميقة، لتعرية تأريخ مجتمعي وأُسري ذكوري، جعل من سلطة الرجل المُستبدة العمياء فوق كل السلطات ومنها سلطة العقل والعاطفة والإنسانية، من خلال ما أفرزه ذلك التأريخ من تابوهات مرعبة، جعلت الرجل خارج حدود المسائلة”الرجل حر في تصرفاته، أليس رجلاً … لديك عمل وأبنائك معك، وابنك مريض وجيوبك مليئة، أتركيه يفعل مايريده طالما جميع طلباتكم متوفرة فلم الاعتراض!.ص117،118″. ليثير هذا الطرح في نفس الكاتبة أكثر من سؤال، ربما لن تجد له الاجابة بين جنبات مجتمع اعتاش ولقرون طويلة على أحادية الحياة،”وما زلت أتسائل، كيف يمكن لذكر جاهل غبي أن يقود عائلة مكونة من أرواح وعقول، ونتسائل جميعاً، لماذا الجهل منتشر في الأمم حتى في زمن النت والآيبد، أتمنى أن نعيد حساباتنا جيداً وان نُعيد تأهيل الذكر أولاً قبل فوات الأوان، هذا ان لم يكن قد فات الاوان، ومنح الفرصة للأم لأنها هي التي تمضي مع ابنائها جلّ الوقت، لنمنحها الثقة ولتخرج الى العلم لكي تؤهل جيلاً آخر أكثر ثقافة.ص79″. في فصل آخر تقودنا الكاتبة للتعرف على العلاقة مع الآخر، ذلك الآخر الذي أخذ حيزاً كبيراً من النص ومن حياة دينا الإنسانة والروائية، سواءاً كان زوجاً أو ابناً أو قريباً أو جاراً أو صديقاً، ما الذي يعنيه وجود هذا الآخر في حياتنا ومدى قدرته على التأثير في توجيه دفة حياتنا والتحكم في مصائرنا؟ في هذا الموضوع تتناول الكاتبة الجانب القسري من هذه العلاقة، الجانب المغلف بالقسوة، قسوة الصراع مع الآخر، حينما يجد لنفسه المبرر لاستباحة حياتنا وخصوصيتنا “وهل تُنسى القسوة؟ العيب لايكمن فينا بل في الآخر، (والجحيم هم الآخرون) وقال بول سارترأيضاً: الآخر بالنسبة لي هو من سرق مني كينونتي، وهو أيضاً من يدل على وجود كينونة أخرى هيّ كينونتي.ص96”.
أيضا في رواية “جدار الصمت” أرادت الكاتبة ان تسجل من خلالها أهم الأحداث التي عاشتها خلال سنوات حياة الماضية، حيث تقوم الروائية بتسجيل أهم الأحداث التي عاشتها في استراليا قبل حصولها على الاقامة ومن ثم الجنسية الاسترالية وبعدها مثل كتابتها رواية الحافيات2007 ، والتحاقها بالمعهد للدراسة، ثم المباشرة بكتابة مسودة رواية “دائما معاً” التي لم تطبع بعد، وإصدار مؤلف “ربيع المسافات” 2011 ، ثم سعادتها التي لاتوصف وهي واسرتها الصغيرة بحصولهم على الجنسية الاسترالية ” سعادة لاتوصف هي عندما تشعر انك تنتمي الى مكان ووطن جميل تدرك أنه لن يخذلك أبدا، بل يمنحك الامان والحب، وحكومة محكومة بالقانون تقف جانبك اوقات الضيق والشدائد، لا وجود لزعامات ومحسوبيات.ص155″، ثم مباشرتها بتدوين رواية “قلوب لمدن قلقة” 2011 ، وكانت الكتابة بالنسبة لدينا تبدو وكما قالت هيّ، هروب متعمد من سطوة الافكار التي تحاول السيطرة عليها، إلى منازلة تلك الأفكار والإفصاح عن ماهيتها ودرجة تاثيرها في حياتها ومقدار ما تمثله من خطر على حياتها وحياة اسرتها.kh dina salim 2
وبالتأكيد لن تنسى الكاتبة وهي تخوض في غمار هذا العمل السردي الكبير، أن تتوقف عند أهم محطاته المؤلمة والمفرحة بالإضافة إلى توثيقه سردياً، معاناة الأم تختصرها في مشكلتين رئيسيتين، هما مرض الابن وفقدان الأب “حقيقتان اثنتان، أو لنقل، حكايتين اثنتين تتضوع منهما رائحة النكبات، حكاية أولى مؤكدة وهي انك مريض جدا ويجب الاعتناء بك، بالمثابرة والمواظبة حتى يقتنصك الشفاء بعيدا عن الموت، وطريق الشفاء طويل جدا وغير مؤكد، والحكاية الثانية، الضياع، وهي ان والدك قد تغيّر كثي%D


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات