تابعنا على فيسبوك وتويتر

marwan yasin 4إبتدأ من الصفحة الاولى يكشف الزيدي عن مغامرة فنية أتقن حبكتها،خيارها اللعب المزدوج بالزمن،مثلما كان خيار الشخصية المحورية في الرواية ناصر رشيد فوزي الذي إختار أن يغامر بحياته بكامل وعيه وإرادته في لعبة ـــ اشبه بلعبة حية ودرج ـــ يتأرجح بسببها مابين عالمي الحياة والموت .
في الماضي البعيد ــ وقبل أن يهرب من العراق ــ كان ناصر جنديا منتسبا إلى مركزتسليم جثث قتلى الحرب العراقية الايرانية في ثمانينات القرن الماضي،يتنقل دون إرادته قلِقا،مُعذَّبا،مابين عالم الاموات وعالم الاحياء.
التقاطع الحاد لملامح هذين العالمين يشكلان ملامح نَاصر في محنة وجوده داخل وطنه،وحتى ايضا عندما تتاح له الفرصة ليكون خارجه وبعيدا جدا عنه،فلامناص من قدرية وجوده في إشكاليةهذه العلاقة بعبثيتها التي تبقى لصيقة به حتى تكتمل دورتها عندما ينام نومته الاخيرة في مركز تسليم الجثث.
ناصر بعد 23 عاما من الغياب عن وطن لم يكن يترك له فرصة أختيار مصيره،فما كان منه إلا خيار الهرب بعيدا عنه،إلاَ أنه اختار هذه المرة أن يعود إليه بإرادته ليواجهه غير مبال بما قد يخبئه له،متنقلا مابين الحياة والموت،بين الهدوء والفوضى،بين الحاضر والماضي،ليستعيد لحظة مسروقة ضاعت مع تلك السنين من عمره التي سرقها منه لكنها بقيت في ذاكرته تنبض بالمشاعر الجميلة لأمرأة مرَّت في حياته كما الحلم مع أنها لم تكن حلماً .
فضاءات البناء السردي
شكل ومبنى الفضاء السردي ــ بما يحمله من ابعاد ودلالات ــ الذي قدم الزيدي من خلاله خطابه الروائي،ونقصد هنا بالفضاء:المنظور أو الرؤية التي قدم بها عالمه الروائي.كما تشير الى ذلك الناقدة كريستيفا:”هذا الفضاء مُحوَّلٌ إلى كُلٍّ،إنَّه واحد،وواحد فقط،مُراقب بواسطة وجهة النظر الوحيدة للكاتب التي تهيمن على مجموع الخطاب بحيث يكون المؤلِّف بكامله مُتَجمِّعا في نقطة واحدة،وكل الخطوط تتجمع في العمق حيث يقبع الكاتب،وهذه الخطوط هي الأبطال الفاعلون الذين تنسج الملفوظات بواسطتهم المشهد الروائي “.
الفضاء المكاني للرواية كان حضوره قوياً في صياغة مصائر الشخصيات رغم أن الزيدي قد وضعه في خلفية الصورة التي تتحرك فيها الشخصيات الرئيسة،وبدا عنصر التضاد واضحا في الفرز الحاد مابين الأمكنة التي تتنقل فيها الشخصية المحورية(برلين،بغداد،البصرة،مركز تسليم الجثث في البصرة،قسم هندسة الكراسي الاثرية،معمل صنع التوابيت الابنوسية،شارع المتنبيء،فندق كويستان ..)..
khudier flaieh 3والفضاء المكاني هنا،لم يأخذ معناه الجغرافي المحدود بقدر ما حمل معنى الدلالة، بتأويلاتها وانشطارتها..والرواية بما حفلت به من فضاء مكاني واسع ومتنوع يجمع مابين مفردات متقاطعة من حيث الشكل والابعاد والمدلول،جاء تعبيرا عن وجهة نظر المؤلف في رؤيته للزمن السردي التي عبر عنها في الحركة المتناوبة التي كانت عليها وهو يتنقل بها مابين الارتداد والاستباق انطلاقا من النهاية متجها الى البداية وبالعكس .
تعدد الاصوات والأزمنة
مارس الزيدي لعبته في إطار حبكة محلزنة مُركبة،هَيكَل بها روايته،وذلك عندما أختار أنْ يكون معمارها قائما وفق خطة تتداخل فيها ثلاثة أصوات ساردة،بثلاثة ازمنة،تتوالى وتتداخل في عملية سرد المتن الحكائي:
1- السارد الأول(المؤلف).2- السارد الثاني(المؤلف ضمني/شخصية ناصر) 3- السارد الثالث(علي عبد الهادي بندر/ صديق ناصر) .
ابتدأً من الصفحة الاولى أرسل لنا الزيدي علامة تشير إلى ما ستذهب إليه بنية الرواية في تعاملها مع مفردة الزمن،وهذا ماجاء على لسان شخصية ناصر:”في هذه اللحظة بالذات تجاوز عمري الخمسين سنة عراقية..وعندما أقول عراقية فقد عنيتها تماما..تختلف عن كل سنة أخرى على وجه الارض..سأقص عليكم حكايتي بعكس كل قصص الناس من النهاية حتى البداية وفق تسلسل آلية الزمن المجحفة،التي تقضم تفاحة العمر الشهية،ثم تترك المتعفن من التفاحة لتلهو به الذاكرة …زمن دار بي بعكس عقارب الساعة اللعين من اليمين الى اليسار..لهذا السبب سيكون تسلسل الحكاية من النهاية الى البداية “.
هذه الاشارة كانت بمثابة مفتاح للكيفية التي ستكون عليها بنية ومسار الزمن السردي،الذي سيتركنا مجردين من التوقع والاسترخاء،وليضعنا في مسارٍ متناوب مرَّة يأخذ شكلا ارتداديا وأخرى شكلا استباقيا،مسار لاعلاقة له بالزمن الفيزيائي الذي تدور به الطبيعة طالما كان الزمن في العراق ليس كما هو الزمن في مكان آخر .
المتن الحكائي
يسرد الزيدي المتن الحكائي للرواية/الاساس معتمدا على شخصيتي علي عبد الهادي ،وناصر رشيد فوزي/المؤلف الضمني والسارد للنص داخل النص الذي كان قد ألفه وانتهى منه منذ أن كان جنديا في الحرب.ويبدأ المتن الحكائي الاول من اللحظة التي يكون فيها ناصرفي الطائرة المنطلقة من برلين والمتجه الى بغداد وإقامته في فندق كويستيان وسط العاصمة قبل أختفائه..الى هذه الرحلة/المُغَامرَة نحو البقعة الاولى تدفعه ذكرى طيف قديم لصورة الحبيبة رباب ــ المرأة الحلم ــ التي فاته أن يصرَّح لها بحبه والتي انبثقت صورتها من ثقب ذاكرته ثم كبرت مثل بالون مع مرور الايام كلما تذكر تفاصيل حياته في العراق .
ناصر لاجىء كوردي عراقي في برلين يعمل مصمما للتوابيت الأبنوسية بعد أن فشل في عمله الاول كمصمم كرافيك للكراسي الاثرية في قسم هندسة التصاميم لأنه لم يستطع أن يُضفي عليها روح الفكاهة التي يفتقدها..وبعد أن بلغ من العمر خمسين عاما قضى منها 23 وهو يعيش حياة آمنة في المانيايقرر أن يتوجه الى العراق غير عابىء بمخاطر العنف والموت التي يعيشها هذا البلد تاركا قطته الاليفة “سيسو” وحيدة تعاني الكآبة بسبب غيابه المؤقت،متنازلا عن طقوس جنته وحياته الهادئه عصر كل يوم في شقته البرلينية وهو يستمتع بعزف الموسيقار الكوردي دلشاد على الة الكمان او معزوفات وترية لخماسي الفنون الجميلة او حقول الفراولة لفرقة البيتلز،لأجل ان يقضي مغامرة سرّية يقف ورائها اكثر من سبب،منها ماأعلنه امام اصدقائه في المانيا في سعيه للبحث عن مخطوطة روايته التي كان قد تركها امانة لدى صديقه الجندي في مركز تسليم الشهداء في البصرة ايام الحرب العراقية الايرانية علي عبد الهادي ساعة هرب من العراق قبل 23 عاما،أما السبب الحقيقي فلم يكن سوى طيف أمرأة اسمها رباب ألهته أمور تافهة وصغيرة عن إعلان حبه لها بعد لقاء تاريخي حدث في الباص المتجه من بغداد الى البصرة بينما هو ذاهب للألتحاق بوحدته العسكرية،وشاءت الصدفة أن تجلس الى جانبه مكللة بجمال لم يعكِّره سوى تدفق دموعها ليعرف خلال حديثه معها انها قد فقدت زوجها في الحرب وجاءت الى البصرة للبحث عنه..ظل هذا الحب ــ الذي بقي من طرف واحد ــ يلح على ذاكرته ويدفعه بقوة للعودة الى العراق بحثا عنها غير عابىء بكل الاحتمالات التي يمكن أن تخبئها مدينة مثل بغداد تئن ايامها منذ العام 2003تحت تحت قسوة صراعات سياسية وطائفية تعبر عنها مواجهات مسلحة بين مليشيات طائفية وانفجارات تهزها بين لحظة واخرى.
kh khudier flaieh alzaidi 7يفقد ناصر حياته ثمن حب لم تنطفىء جذوته رغم الزمن والمسافات،في لحظة عبثية من زمن ضائع،عندمايصبح في منطقة تتوسط حالة اشتباك شرسة تدور بين جماعات مسلحة،بينما كان متجها الى بيت رباب،حتى أحاطت به مجموعة من المسلحين وبعد أن ضربه احد افراد المجموعة على رأسه بكعب المسدس تم سحله مُرغماخلف سياج المدرسة وليختفي ناصر من بعدها إلى أن يلتقي به صديقه علي ـــ الذي بقي يبحث عنه اكثرمن سبعة ايام ـــ من جديد جثة هامدة مرة أخرى بعد مرور خمسة وعشرين عاما على افتراقهما،لينام في حجرة البراد المركزي نومة اخيرة مع آخرين،كان بعضهم في بدلات عمل أو ملابس نوم أو ملابس رياضية .
السرد واثارة الاسئلة
يبدو الزيدي منسجما كثيرا في ارهاصات الكتابة السردية التي انتجتها اشكال مابعد الحداثة في تطبيقاتها الفنية ــ باطارها الشكلاني ــ وهي تطبق فوضى الوجود على ماتطرحه من كتابات:”أنا علي عبد الهادي بندر ينادونني في مركز الجثث(ابو الجرائد )حيث كنت مدمنا على قراءة الصحف اليوميية ….أما صديقي هذا الطائر الآن في الأجواء والعائد الينا،الذي سبقني بالكلام فهو كاكه ناصر بلحمه وشحمه وطريقة تصوراته وكلامه،مثل ماذكر بالضبط صديق مُعتَّق برائحة الماضي بذاكرته الملحّة ” . . في هذا المقطع ــ النموذج ــ وكذلك في الصورة المستنسخة عن الاعلان الذي نشرته الممثلية الالمانية وهي تعلن فيه عن فقدان مواطنها الذي يحمل الجنسية الالمانية ناصر رشيد والذي طبعه المؤلف في احدى صفحات الرواية ،تبرز اشتغالات الزيدي واضحة في منهج مابعد القص الذي يعكس واحدا من اشتغالات مابعد الحداثة في تفكيك القواعد والاساليب الصارمة التي سبق أن جاءت بها الحداثة في بناء السرد،وذلك بنزوع مابعد القص الى توجيه وعي وذائقة القارىء الى الوعي والادراك بالوسائط التي يتهيكل بها البناء الفني،سواء في القصة او الرواية،مما يجعل السرد ينزع كثيرا في تكثيف نرجسيته،ويمكن الاستدلال الى ذلك بالاشارات الواضحة التي تأتي بصيغة التعليق على السرد،وكما عرفتها باتريشيا واو في كتاباتها:”كتابة رواية تلفت الانتباه بانتظام ووعي إلى كونها صناعة بشرية وذلك لانها تثير أسئلة عن العلاقة بين الرواية والحقيقة” .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"