تابعنا على فيسبوك وتويتر

saad aldugmanتختصر أمينة ذيبان مسافات التيه في الحياة بمجموعة قصائد ، تعبر عنها وفق أحاسيس مرهفة ، تصور للقارئ عبرها مشاعر مشحونة بلهفة تختزنها ، تعبيرا عن حالة اجتماعية باتت متماثلة بصورة المرأة الشرقية التي تختزن عاطفتها بحكم التأثر بما يحيط بها من نواميس وعادات مكتسبة أضحت قوتها أكبر عن القانون ، واقرب ما تكون عرفاً لا يمكن تجاوزه.
تستمد أمينة ذيبان كل مفرداتها من جوارها ، مجتمع يكاد يكون ثابت الرؤى فيما يخص المرأة ، وإن تشدقنا بالتطور والتقدم ، كمفردات باتت أقرب لأسماعنا من غيرها، لكنها في الحقيقة لا تمثل أكثر من صورة نختبئ ورائها كرجال حين يتعلق الأمر بالمرأة وسلوكها وأما يحيط بحياتها من تفاصيل.
أمينة ذيبان عبر أبياتها صورت المعنى الضمني لهذا الكبت،ولتلك الصورة القريبة الى النفاق الاجتماعي ( إن قربنا الوصف) في تكوينات لغوية غاية في الروعة ، شفافة ، رقيقة جداً حين استخدمت الورد للمقارنة أو المقاربة لرقته ، ما يعني إن اختزانها للهفة لا يكاد أن يخرج من بين ثنايا بوتقة الحرص على عدم إظهاره وشيوعه نحو العلن ، عبر رقة ورقة الورد التي تضمحل وتتلاشى بمجرد ملامستها ، واختفاء ملامحها ورائحتها الزكية العبقة عند تقلبها مابين الأصابع.
ثم تعود لتؤكد ذلك المعنى في البيت الأخر الذي تركز فيه على ( قلب المرأة)، وهي في مكنونها اعتادت على استخدام الإيحاء أو الرمزية لإيصال المضمون في أبياتها عبر هذه الصيغة التي اختارت قلب المرأة للتعبير عنه ن وكلنا يعرف ما مدى الرقة والحنان الذي يغلف قلبها ، أم كانت أم زوجة أم حبية وهي الصور التي تعيشها المرأة في دورة تكوينها كامرأة أو حتى في بداية هذا التكوين حين تعيش طفولتها أم حين تكون أختاً في مراحل التكوين.
عبر الإيحاء جاءت صيغ ذيبان الشعرية مكتملة ، وهي تتنقل ما بين أبياتها لترسم صورها الشعرية وهي متوارية وراء رموز تستخدمها لتوظفها بجدية الوصف وحرفية الكلمة ، حتى تصل لذروة الموضوع والتي تعلن فيها عن اكتمال القصيدة التي أرادت لها أن تكون رقيقة شفافة جميلة ، لكنها مبطنة أو ملغمة بانتقادات حادة ضمنتها كلماتها لتشكل صرخة قاسية في وجه مجتمع يكاد بل يوصف بأنه ذكوري بامتياز، وذلك واضح عبر قصيدتها (نمو متزن) حيث جاء فيها:
amina thibanاختزن اللهفة
في ورق الورد
الأبدي المنهمر
على قلب امرأة
تتلو أوراق الجنة
في صمت الشعراء الأبدي
الأقسى
من عمر يتجاوز
ألف امرأة
مسكون بالورد
وبالحب
وبالشفق المدرك
في رأسي
أتطاول
أدخل في شرفة ليل مسكون باللحظة.
البدائل في شعر أمينة كثيرة والاستبدال لا حدود له ، لكنها نجحت في ممارسة ذلك الأسلوب الممتع بشكل رائع ، خلا من التقليد أو التماثل بينها وشعراء آخرين في استخدام المفردة، لكنها لم تتفرد في ذلك بل سبقها كثيرون من شعراءنا بهذا الأسلوب وبرعوا فيه أيضاً،هي ذهبت الى وصم الشعر الذي يشكل صخباً منقطع النظير ، ووصفاً لا حدود لخيالاته ، وصمته بل أحالته أمينة ذيبان إلى ( صمت ابدي) ، وهو ما يفسر ما ذهبنا إليه من استخدام التشبيه في شعرها، لوصف حالة مناقضة لما هو حاصل وهنا لا نقول أو نتهم أحداً بنقل التجربة، ولكن نقول أن تجارب النجاح متاحة للجمهور ينهلوا من معينها ، لكن كل وفق تفرده وأسلوبه في ذلك، وهنا نسجل لأمينة نجاحها في خلق أسلوبها في استخدام الرموز وبدائل الكلمات بصورة متقنة ، لا تنم إلا عن تجربتها الثرية وإبداعها في تصوير الأشياء وفق ما ترسم ، لا ما يرسمه الآخرون.
وظفت أمينة المتناقضات بصور شتى ، لتكون عموداً لصورة قصيدتها ( زهرة الدم)، ولتدخل من خلالها الى ذهنية القارىء عبر الإيحاء، فتحيل ذهول الكلمة ووقعها الى ذاكرة استخدمت فيها بعض المضامين التاريخية أو الأحداث جسدت فيها المعنى الضمني ، فجاء راسخاً يفي بما أرادت الشاعرة تكريسه من مفهوم يعالج اللحظة المتفاعلة مع سابقتها ، وتبني عبرها حبكة النص ، ليكتمل المعنى.
حشرجة القلب
نذكر فيها
ومنها
هدوء التتار
نذكر فيه
سر ما يعرفون
بلا جهة
وفي جانب أخر رسمت في أبياتها صورة التحدي ، أو الخيال السردي مستخدمة اللامعقول لتذهب من خلاله الى رسم الأفق العام للقصيدة ، ومعالجة حالات تكتنف الإنسان في اللاشعور حين تمرض النفوس ، بمحاولة منها لتوظيف بعض التصور المقتبس من الدين وانعكاسه على نفوس البشر كما في ( يبصر أو لا يبصر في البصيرة)،وهذه مفردات توصف بأنها محاكاة للمنهج القرآني ، بمحاولة منها لترسيخ حقيقة أن النقاء لا يأتي إلا عبر صفاء النفوس ونقاوة القلوب ، ( إنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) “قرآن كريم”، كما جاء في أبياتها:
تتمادى
على الغيم
أو في مجاهل
هذا الربيع
المطل
على كل هم
وجرم
وكل الذي يعشق الناس
بأمل المقل
المريضة
ضوء
وإنسان عين
يبصر أو لا يبصر في البصيرة
نجحت أمينة ذيبان ن في أسلوبها الشعري ، وكرست لنفسها أن تحتل مكانة لامعة بين شعراء جيلها، بل استطاعت أن تحتل مكانها بجدارة في أوساط المثقفين ، كما نجحت بالتفرد في رسم صورها الشعرية المعبرة ، حتى باتت من قلائل اللاتي يتربعن على عرش الشعر النسائي في الامارات والخليج العربي، ورغم كل المحاذير التي تفرض على تحرك المرأة في مجتمعاتنا الشرقية ، إلا إنها وفقت لنجاح تجربتها الشعرية ، وهو ما يدل على حرفيتها وتمكنها في هذا الميدان الصعب والذي يسيطر عليه الرجال دون منازع.

بقي أن نعرف إن أمينة ذيبان شاعرة وناقدة إماراتية متخصصة في الرواية، وهي من مثقفي جبل الثمانينات، حاصلة على شهادة الدكتوراه في الآداب، وكانت تنشر نتاجها الشعري في البداية تحت اسم مستعار (سارة حارب)، ثم انقطعت عن النشر فترة طويلة كانت بمثابة نوع من التأمل والتقييم للذات والواقع، علاوة على انشغالها في الدراسة والبحث، وعملت ذيبان فترة في صحيفتي الاتحاد والبيان الإماراتيتان، وشاركت في العديد من الملتقيات الأدبية والثقافية المحلية والعالمية، وهي عضو مؤسس لجمعيات محلية وعربية وعالمية عدة، ولها أعمال منشورة منها الحداثة والتغيير عند عبد الرحمن منيف


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"