تابعنا على فيسبوك وتويتر

kasem madiيقول ” بول فاليري ” لا يوجد معنى حقيقي للنص ، ولا سلطة للمؤلف ، مهما كان الذي يريد قوله ، فقد كتب ما كتب ، وبعد أن يُنشر النص ، يصبح أداة يستطيع كل واحد أن يفيد منه على طريقته ، وعلى وفق وسائله ” ولهذا لو تمعنت ، وقلبّت صفحات هذه الوقائع بقراءة تأملية تفحصية ، لتجد أيها القارئ ولو قليلاً ، أن الكاتب والمخرج المسرحي ، و القاص العراقي ” عبد السادة جبار ” مؤسس فرقة الحضارة المسرحية في مدينته الثورة ، وهي من الفرق المهمة ، التي قدمت إعمالا ً رصينة مشوقه وممتعة في فترة السبعينيات ، تلك الفترة المزدهرة نوعاً ما ،وحاول الكثير من مبدعينا الذين يقودون دفة الساحة الآن أن يتنافسوا من أجل تقديم ما يخدم الساحة الثقافية العراقية ، علماُ أن تلك الفترة ، فيها الكثير من التجريب والبحث في مناهج المسرح الحديث والكلاسيكي ، على المستوى الإخراجي والكتابي ، وله باع طويل ، لأنه يشتغل بصمت ، وعمق دون تطبيل وتهريج ،و له أهدافه الدلالية الغير محددة ،من شأنها تعميق روح المتعة في البحث والمتابعة ، والتي أراد من خلالها ، قول ما يصبو إليه عبر آاليات إشتغال عديدة في هذه الوقائع، منذ قصته الأولى ” الضفة الأخرى ” وهو يريد أن يسيرنا ويدخلنا أشبه باللعب التكتيكي الذي أختاره ، بعيداً عن المفهوم السائد الذي أختاره بعض كُتاب القصة الذين يقلبون الحقائق ، بل ظل مشاكساً ومنزويا ً في خانة إبداعه التي خطط لها ، نتيجة الوصايا المتعارف عليها من أجهزة النظام السابق ، والتي يطلق مفاهيمه البدائية abdulsada jabbarالتي أكل الدهر عليها وشرب، وكأننا نتمسك بها ونتنفس من خلالها ، ولم نستطع التخلص منها ،ولأنه دخل في خانة التجديد من هذه المفاهيم ، وهو يكتشف هذا التأثير والتأثر ، نتيجة هيمنة العشيرة وسلطة الحزب ، محاولاً التخلص بإنزياحاته المتعددة وفق نهج مرسوم ، وهو التخلص من السلطتين الحزبية والعشيرة ، وعاداتها على أبناءها ، وقابلية الاستجابة لأعرافهم وقواعدهم ، وهو الذي ظل مصراً على تأثيث بيته بطريقة مختلفة ، وكأن هناك عقد ميثاقي بين أفراد أسرته التي لا تتوانى بالخروج من قمقم العادات والتقاليد ، التي لا يستسيغها العقل المعرفي والتنويري الباحث عن مساحة واسعة ،والدخول في فضاء التشكيل ، والتنازل عن حظوط كبيرة من مناخه الفطري ، وهو المتوغل ” جبار ” في الثقافي والفني والجمالي ، وخاصة في قصته ” الضفة الأخرى ” التي كانت بداية وقائعه في مجموعته ” ولادة في جدار ” الصادرة عن دار مكتبة عدنان – بغداد – شارع المتنبي ، وتقع المجموعة 106 صفحة من القطع المتوسط ، والتي تعد التجربة الأولى في مجال القصة ، يقول ” شجرتنا ستعلو ، ارفع راسك يا ابي ، ستنحني رؤوسهم ، لن تنفعهم اسلحتهم ولا نفوذهم ، لن يكتشفوا إنني قد ألقيت بجراداتهم في القمامة ،ثم يكمل ” لم أندم ، هذا دفاع عن النوع ، هل من المعقول أن نقبل ذلك المال ، الذي أتفقوا على جمعه دفاعأ عن جرادتهم ؟ لو قبلنا بذلك ، ستصبح الأموال حقلاً خصباً لجينات فاسدة ، ص18
والمعروف لدى كُتاب السرد فإن النص يكتسب صيرورته ، ويتشكل من خلال فعل القراءة البنائية النصية مع تصور القارئ ، فجاءت جميع وقائعه التي إشتغل عليها في هذه المجموعة القاص والمخرج المسرحي ” جبار ” إستجابة لسلطته أو أستطيع القول أنموذجه وطريقة تفكيره الذي رسمها عبر قراءته الفلسفية المعمقة والمسرحية والمشاهدة السينمائية التي لا يكل منها ولايمل kh abdulsada jabbarمنذ نعمومة إظفاره ، وما ينوي طرحه إلينا كمتلقين وهو يمتلك أهدافه الدلالية المحددة التي عمل عليها في هذه الوقائع ، وكأنه يسمك بإحد أعماله المسرحية حين يتولى أخراجها ، وهو يشرف بنفسه على تفاصيل العمل المسرحي ، إليس هو من جيل له تجارب عديدة في العروض البصرية ، وخاصة منذ تأسيس فرقة بيت المسرح العمالي ، التي تضم أسماء ً مهمة ، وتقديم إعمال مسرحية ترتقي بذائقة المشاهد في زمن السبعينيات ،ولهذا ظل يبحث عن الجمال في كل حياته المتعبة والتي يصاحبها الفقر والعوز ، حتى أنه باع ثلاجةَ عائلته من أجل أن يطبع كتابه المعنون ” كوابيس الأبيض ” كما روى لي من قبل بعض الأصدقاء ، وحينما هاجرنا نحن من الظروف القاسية والفقر والعوز الذي كان يلاحقنا في بلد النفط ، ظل متشبثاً في وطنه ، و عندما كان يقود فرقة الحضارة في مدينته المعروفه ” الثورة ” ، وهو يريد أن يقول لنا أن هناك علاقة جدلية بين المنطقة التي عمل عليها وأقصد منطقة ” الكتابة ” وهو في سن شبابه إلى يومه هذا ، بين أفعال نصوصه ومفرداتها اللغوية التي تتكون فيها مباهج القراءة أقصاها ، يقول عنه الناقد المصري ” سيد جمعه ” في مقالته المنشورة في جريدة البينة العراقية ” في ملصقه الأول ” الضفة الأخرى ” وكيف عبرها العراقي الأب ليتحرر من أسر وعبودية إقطاعي ، ليلاقي ومن بعده العراقي ، الإبن ليلاقي مرارة و مآسي يعادل ما مر منه آ أبيه ، والإنتقال من ضفته الاخرى ، كفيل بإستقامة الشجرة وفرعها ، فهل حقق العبور إلى الأرض الجديدة والحياة المنشودة ، ومعظم وقائعه ” موت مشرف ، تلك الأحلام ، ولادة في جدار ” فيروس ” الضفة الأخرى ” وغيرها ، سعياً منهم لإنقاذ صوت الآخر المعذب ، وهو يحرر لسانه وإطلاقه ليتجول برحابة في مناطق لعبة الحكي ومتاهته ،
” كم أمضيت من العمر وأنت تقرأ ؟ هل لمست شيئا مما قرأت ، أو تعلمت ، أم هو فيروس تسلل إليك من الأصدقاء ؟ ارتفع ببصره إلى مكتبته متأملا تلك المجلدات التي حرص كثيرا على جمعها والتفاخر بها ، إعترف أنها كانت سببا ً لحالة مرضية أسمها القراءة ، لم تسولَ له نفسه في أن يستبدل واحدا منها بأرغفة الخبز التي شحت في ظل ضغط الحصار ص58
وأن ” جبار ” لديه مناطق سردية ساخنة لأنه يمتلك خصوبة في مجمل قضاياه التي أراد ايصالها عبر هذه الوقائع ، وهو يعبر بالشكل عن فلسفته التي ينطلق منها وطموحه الشخصي ، عبر مشهده اللساني وبحركة أفعاله وامتداد مقاصده وأهدافه ، واخيرا اقول على المعنيين في الشأن الثقافي والادبي الإهتمام بهذه الطاقات والترويج لها عبر الكثير من المنافذ ، وعلى إتحاد الأدباء العراقيين الإسهام في نشر المطبوع داخل الوطن وخارجه

قاسم ماضي – ديترويت


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"