تابعنا على فيسبوك وتويتر

osam-alkudsi1في وقت مبكر من حياتي اسمعه يردد في اذني:
ـ الزيت في المصباح قد نفد ..
ـ وهل اضاء بما يكفي…؟
ويغيب ليعود يصرخ في اعماقي:
ـ أقول لك الزيت في المصباح قد نفد..
منذ حين وهو يغريني بالموت مرة يأخذ بيدي الى مرتفع شاهق ويوسوس لي بالقفز الى الهاوية،ومرة يزين لي موتي غرقا في النهر ومرة يحبب لي الاختلاء بنفسي وتجرع كأس من السم واكاد اطاوعه الى حد ما ولكنني اتمرد عليه في اللحظة الاخيرة..وها انا الآن احس بالانطفاء..فهل سيموت معي.؟
مرة قلت لإمرأتي: ـ متى تصفو حياتنا ..؟
قالت بعد تردد: ـ حتى يغادرك..
ـ عمن تتكلمين .
ـ عن ذلك الشيء الذي يسكنك ويفسد علينا حياتنا.
ـ انك بلا شك تتوهمين..
ـ بل انا على يقين من وجوده في زاوية من روحك او عقلك،يشاركك الشعور والتفكير ويملي عليك ما انت تفعله..
ـ أهو الجنون .؟
ـ بل شيء مختلف تماما..اكثر تعقيدا .
وهي على حق فيما تقول ،فما ان اكتشفت وجوده داخلي،وانا لاامتلك القرار فيما يخص شؤون حياتي . انني اسمعه دائما يهمس في اذني باشياء لا اود التصريح بها . أأقول لها انه صار يتغلغل في ادق شؤوننا .؟ حتى اللحظة التي نوصد بها باب غرفة نومنا علينا أراه معنا يصور لي ما اقوم به مدعاة للاشمئزاز ويوحي لي بالعجز والاحباط فارتد عن غايتي وانا اتصبب عرقا..
ذات مساء رأيته يخرج من ثنيات حزني العميق ،ويمثل امامي وانا اجلس وحيدا في العتمة افكر،كائنا هلاميا ضبابي الهيئة .مددت له يدي فانتصب شبح كلب كاد يلتهم اصابعي. وقفت مبتعدا عنه فتبعني وحينما التفت وانا اشعر بخطواته خلفي اختفى ولم اعد اراه ثم تبدى لي فيما بعد انه كان معي ،قبل ان اتشكل مضغة في رحم امي ومازال يصاحبني حتى هذه اللحظة..
اجل فمنذ ان فطنت على الدنيا وهو يلازمني وان كنت لم انتبه الى وجوده الا حين اصبحت افهم ما يدور من حولي ..يتبعني انى مضيت ويحتل مكاني اينما حللت واذا ما غاب افتقدته ..
حين كنت طفلا اذكر انه كان يحرضني على تحطيم مابيدي كي تحزن امي ويغضب ابي . وعندما درجت الى المدرسة اول مرة كان يسير ورائي مستغرقا بالضحك متهما اياي بالخوف والجبن . الا انه، فيما بعد صار يحمل حقيبتي عني بطيب خاطر .وما ان ادركت مرحلة البلوغ حتى اسرع يشعل في قرارتي نار الرغبة ويذر فوقها مشاعر الخجل والتردد والانهزام وحينما كللت سنوات دراستي بالنجاح ونلت شهادة الجامعة هنأني. لكنه عاد بعد فترة يهمس بان ما انجزته لايستحق الثناء لأنه شيء تافه وعقيم ،مما جعلني اشعر بالحزن والاسف للسنوات التي امضيتها على مقاعد الدرس، الا انه رجع يعتذر ويشيد بما حققته.
وحينما دخلت عالم الوظيفة اخذ يحتل مقعدي ويتبجح بما وصلت اليه..واستعين به احيانا في تلمس خطواتي ولكنه يستدرجني الى متاهة ،ثم يمضي يعتذر بهمهمات تزعجني . وقد يعمد ساعة مرحي الى تكدير سروري بافكار سود قاتمة، حتى اخاله لايود لي الابتهاج.واذا ما احببت ان احدث الآخرين عنه ارى الريبة ترتسم على وجوههم كما لو كنت اتحدث عن فراغ. ولا الوم احدا بهذا الشأن لأنني ابدو حقا لااعرف عماذا اتحدث فلطالما اجتهدت ان اصفه فلم اجد له شكلا معينا او صفة يتصف بها وكم حاولت ان اتكهن بماهيته فاجده صوتا اشبه بالهسيس لكائن اشعر به ولااراه وحينما امعنت النظر ذات يوم في مرآة ذاكرتي وجدته يقبع في اعماقها وقد شاد له في غورها عالما غامضا كعالم المردة او الشياطين انه حولي وبالقرب مني وملتصق بي ..احيانا يوحي لي بافكار غريبة ويدوّر لساني بكلمات لا اقصد نطقها واحيانا هو حيوانيتي التي اخفيها عن الآخرين، وقد المحه حجرا كريما يلهث بريقه في ثنيات رمال روحي ولا ادري اذا ما كان هو احد هذه الاشياء التي ذكرتها ام جميعها في آن واحد..؟ واعود اصرح في ساعة اختلائي بنفسي انه لاهذا ولاذاك، وأراه في كائنات صغيرة ..ولاأره .
مرة طالعني في المنام شبحا أو طيفا أو كائنا من اثير ،كان يقف فوق رأسي :
قلت له ـ لم تزل تلاحقني ..
أطلق ضحكة مجنونة : ـ انا حارسك الامين..
لعنته وشتمته باقذع الألفاظ وصرخت به بقسوة وحنق :
ـ بل انت شيطاني الذي يقودني الى الغواية..
ـ إذن سأودعك الى غير رجعة..
ـ حسنا تفعل .
وانصرف زمنا ،ثم عاد يلاحقني مشحونا برغبة الثأر،وهو يئز في أذني :
ـ الزيت في المصباح قد نفد، آن لك ان تموت.. آن لك.
حتى كان بيننا هذا الحقد المدمر. كلانا واحد ، متوحد بالآخر وكلانا يسعى الى موت الآخر. معضلة غريبة ..فكيف السبيل الى حلها..؟
في البدء كنت رغم ما بيننا من ظنون اعترف انني امنحه ثقتي، ولا أجد غير ان اصدق ما يقوله حتى رغبته بموتي وسعيه اللاهث وراء تحقيقها . ووجدت الآن ان علي عدم مطاوعته ويجب ان استمر في الحياة كي احقق ما احلم به . وهذ ما جعلني اقرر في ساعة حمقاء قتله للتخلص منه الى الابد . وبما انه يسكن داخلي فلم اجد وسيلة غير ان اطلق عليه النار. ففعلت ورحت انتظر حتى يموت وانا اردد عبثا :
ـ اخيرا قتلته ..
وفي هذه اللحظة التي اسقط فيها ميتا واقترب من الهاوية الابدية ،أراه يطلع من مكان ما، كائنا مسخا ، لولا انه يشبهني ،يشق صفوف الذين يحيطون بي مذهولين وينتشر كعباءة ويضمني، ويحلق بي نحو مدى هائل السماوات ، فأحس بروحي تتوهج حرة في عالم نوراني لايمت بصلة لعالمنا البغيض.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"