تابعنا على فيسبوك وتويتر

ekhlasهـواجـــس الــذات وســـؤال البـكـاء قراءة في نص (القصيدة) للشــاعـرة بشــــرى البســــتاني
ملخص البحث :
يتناول بحثنا الموسوم ((هواجس الذات وسؤال البكاء )) نص القصيدة للشاعرة بشرى البستاني على وفق محاور هي :_ الاسئلة والبكاء/_ البكاء وسؤال الجسد والطبيعة/_ البكاء وسؤال التصوف /_ البكاء وسؤال الحب .
ينطلق متن القصيدة تعبيرا عن مكابدة وجودية شاقة، حينما ينهض الحزن والبكاء من صميم بهجة التواصل، سواء على مستوى الإبداع أم على مستوى الفاعلية الجسدية والإنسانية ،وهذا هو الرابط الذي يوحد العنوان بالمتن في هذا النص. ويوظف النص رؤية شاملة مفادها أن القصيدة تمر بمرحلة مخاض الولادة ، فهي كالكائن الحي تمر بأدوار وتتعرض للألم العصيب في مرحلة تكوينها، تشرح المعاناة وتكرسها بمخاض الأسئلة البكائية المتنامية في ثنايا القصيدة التي تسكنها ثنائيات مقترنة ببعضها نستطيع أن نلمحها من مقاطعها، إذ تتوزع المقاطع على : المقطع الأول التعبير عن الإنساني بالطبيعي، والثاني الإنساني بالحضاري ،والثالث الإنساني بالنوراني ،والرابع الإنساني بالروحي ،الخامس البدء بإقفال القصيدة ،السادس التحام الشوق بالألم تعبيرا عن استمرار الانفصال على الرغم من حضور الاتصال ،السابع إقفال صوفي _عدم وصول .

(Hawajes Al –That and Sua’al Al-Buka’a)
Ekhlas Mahmoud Abdulla
Abstarct
This research’s title (Hawajes Al –That and Sua’al Al-Buka’a) which tackles the poem of the poetess Bushrah Al-Bustani. It involves four levels:1.The questions and crying.2.The crying and the body’s and nature’s question.3.The crying and the mystic’s question.4.The crying and the love’s question.
The poem describes that there is a hard suffering when the crying and sadness are arising from the festival of communication whether upon creation or the human activity and this is the link which unified the title in this research and gives a comprehensive view which tell us that poem is developing during the time. It likes a human and describes the hardship via a crying questions in the folds of poem which involves dualities connected together and we can see it from its levels.
1.Expressing the humanity by natural.2.Expressing the humanity by civilized.3.Expressing the humanity by luminous.4.Expressing the humanity by spirituality.5. Starting to close the poem.6. Cohesion the longing with pain.7. The mystic enclose.

( القصيدة )
boshra albostani 4(( ماذا يبكيكِ بعيد عناق الأشجارْ ..
وهبوب نسيم الواحاتِ ..
على عرق يتصبب من كتفيك ..!
……..
ماذا يبكيك بعيد سقوط الثمر الورديِّ ،
يطرز شرفة رقص أندلسيْ ..
في الفجرِ،
ويغمضُ عند بزوغ الأنهارْ ..
عينيك ..!
………
ماذا يبكيكِ ..؟
وقد هب البركانْ ..
يجتثُّ عروق الأرض الظمأى
فتدور الأقمارْ..
حول إشاراتٍ تطلقها كفاك ..
عبر ضباب التكوين ..!
…….
ماذا يبكيكِ ..؟
وخصركِ بين يديَّ ،
ونار الحبِّ تضئ الليل السكرانَ
بوجنتك الزهراءِ ،
وقلبي :
كرةٌ في كف الإعصارْ ..
………..
ماذا يبكيك ..؟
وقد سكن الزلزالْ ..
واسترخت فيه غلائلك الذهبيةُ ،
فاح سريرُ النارِ ،
وأقفل دغلُ الروحْ ..
شباكه خلف يمام مجروحْ ..
……….
ماذا يبكيك ..؟
وهذا الشوقُ الضاري
في منفاهْ
يحفر فوق الأشجار أساهْ ..
ويعري قلب الريحْ ..
………
ماذا يبكيك ،
وقد هبَّ الشبو الليلي ..
وأوصدت الأبواب ..! )) (1)
توطئة :
إن تسمية (القصيدة) قد تشعرنا بالبعد النسبي عن النص عند القراءة للوهلة الأولى، ومن هنا نقول إنه لا يمكن أن يفهم العنوان منفصلا عن نصه، ليكون النص انطلاقا لفهم العنوان الذي يؤطره ، ولا شك أننا قد نبعد في مخيلتنا أحيانا ونجافي الحقيقة في التعبير عن دلالات المعاني لكن قد نجد هذا ضرورياً لنقابل العنصر التخيلي عند الشاعرة في طرح مضامينها الشعرية.
لقد كان منطلقنا النظر إلى النص بوصفه جسداً آخر تتمظهر فيه التفصيلات، فالجسد في الشعر (( أرض أخرى تحط فيها القصيدة)).(2) والقصيدة كالكائن الحي لها ولادة وانطلاقة، والأدب عموماً (( كائن حي متجدد الحيوية متجدد الحرارة، وله كيانه وشخصيته، مثلي ومثلك ،إنها شخصية ممتلئة بالقوة، ولكنها شخصية أميز ما فيها أنها مرنة وليست صلبة جامدة.)) (3)
إن هذه الولادة والامتزاج اللذين يتمان بين عناصر الطبيعة والجانب الإنساني فيها، ما هو إلا استجابة لولادة القصيدة ككائن له حق الوجود، ويترجم الفعل الإنساني عبره بوصفه قادراً على صنع التغيير الذي يريد ،فالقصيدة لها من امتزاج الألم بالأمل، وهي تعاني المخاض إلى أن تنبثق وتولد في رحم الحياة .
إن الذات تقول من خلال قصيدتها، ومن البكاء خصوصاً، إن كل شيء في الحياة وإن كان مفرحاً لا بد من أن يمر بحالات من المخاض المؤلم، فكل شيء في الحياة تعبير عن امتزاج الفرح والألم معاً، وهو نوع من اقتران الإنساني بالطبيعي كذلك .
وإذا ما أخذنا بالمدلول اللغوي للعنوان ف(القصيدة) مأخوذة من ( القصد والسير)(4) وهو يطابق عناصر الحركة والدوران الموجودة فيها من قبل الإنساني والطبيعي.
إن متن القصيدة يشير إلى مكابدة وجودية شاقة ،حينما ينهض الحزن والبكاء من صميم بهجة التواصل ،سواء على مستوى الإبداع، أم على مستوى الفاعلية الجسدية والإنسانية،وهذا هو الرابط الذي يوحد العنوان بالمتن في هذا النص .
والتكرار المترجم للبكاء والواقع بسبع(7) مرات هو تكرار عددي يؤسس بنية كونية، تنطلق من بؤرة الخلق الأولى في سبعة أيام، ولكل خلق في ذلك اليوم زواله. تعطي القصيدة موسيقى منسجمة ونبرة حزن تشيع في الجو العام للنص، وهي تلجأ إلى لغة البكاء وتستدعيها، لتستخدمها لغة أخرى بجانب اللغة المبثوثة في النص من قبل الآخر. وبهذا نجحت في بث تساؤلاتها في بداية الأسطر بشكل لازمة متكررة لتشير إلى تلازم الحياة بالتساؤل بدءا والمعاناة .
لقد استطاعت الشاعرة أن تسطر همها الوجودي بصور الطبيعة وترجمتها على الذات الإنسانية ، فجعلت نقطة الانطلاقة من الذات ومعاناتها باتجاه الكون والموضوع، ومكابدات الإنسان الثاوية في أسئلته الوجودية الجارحة التي لا يجد لها جوابا كغياب جواب السؤال:(ماذا) الذي ارتكز عليه النص حتى نهايته ، فلقد شكلت حزنها ببكائها نقطة انطلاقة ذاتية نحو المطلق والكون. واستجاب التصوير الشعري لكونية القصيدة، فعبر بالطبيعة (البركان ،الزلزال ، الأشجار ،الأنهار ،الواحات ،الأقمار ،الإعصار ،الريح …) عن الحركية لرفض الاستقرار، لأن السؤال يستفزه ،فيغادر السكون إلى الحركة .
اتخذت الرموز الطبيعية للإشارة إلى علاقة حبّ كان من المؤمل أن تكون خلاصا، ثم من العلاقة نفسها إشارة لغياب أي خلاص، فالشاعرة تداهم المشهد الشعري الذكوري بصوت أنثوي، فتتصاعد في لغة النص رغبة الاحتواء وجراءة المبادرة في محاولة لدحض النمط التقليدي من العلاقة بين الذكر والأنثى . فوظفت هذه العلاقة المهمة في إطار يتناول معاني شتى، ونستطيع أن نسحبه مثلا إلى المعاني الذاتية أو التجربة الجمعية الوجودية، واستخدمت الحب الذي يؤجج كل شيء ، والرمز الأسمى لمثل تلك المعاني، لتجعله موضوعا تختمر عليه قصيدتها .
1_ الأسـئلة والبكـاء :
تبدأ القصيدة بتكريس البنية السؤالية (ماذا يبكيك ..؟) وتكرارها في بداية الأسطر يعلن عن لحظة السؤال العميق الذي ينشأ من الآخر، مع عرض الموقف من قبله، ليرسم بذلك الحيرة المترجمة له عن كل ما يحدث عبر هذا السؤال، الذي لا ينشأ من محب متعب عاجز عن ترجمة فعل البكاء، بل هو سؤال العارف بمكنونات هذا الفيض العارم من البكاء .
إن هذه التساؤلات التي ميزت القصيدة تعد مفاتيح للإثراء الدلالي ، ويمكن أن نقول إنها جاءت
لتأكيد بنية الاستفهام والحيرة وتعميق الشك، وفي تكرار السؤال لتوليد العلم وتعميق الفائدة المرجوة منه بحثا عن مزيد من المعرفة، ليتجاوز الذاتي ويشمل الكوني ،لأن التساؤل هو لب الوجود الإنساني، فالبكاء وإن كان ذاتيا لكنه مغلف بوجع الكل،لأنه سؤال الوجود، فهو ليس ذاتيا صرفا.
إن التكرار المترجم للبكاء والواقع بسبع(7) مرات هو تكرار رقمي يؤسس بنية بكائية تعطي القصيدة موسيقى منسجمة ونبرة الحزن المشاعة في الجو العام، فالغرض إثارة نغمة سؤالية من الآخر توازي نغمة البكاء وانفعالات الذات. فالآخر يعمل على مطلب الإصغاء للجسد بوصفه أحد خلاصات الإنسان، ويسعى ضد الصمت (4)عبر السؤال الدائم والمتكرر لفعل البكاء .
إن هذا الفعل الإنساني النفسي الناجم عن الذات، والمعبر عنه بتكرار الفعل (يبكيك) يزرع في النفس الحزن ،أو الترويح عن الذات بما عرف عن البكاء من إخراج الطاقات السلبية المختزنة والمؤثرة في النفس والتنفيس عنها عن طريقه، ليتحول بدلالته إلى الايجابية، فالحقيقة أن الذات الشاعرة تلجأ إلى لغة البكاء وتستدعيها حين تريد أن توظفها، لتستخدمها لغة أخرى بجانب اللغة المبثوثة في النص من قبل الآخر.
لقد أرادت الشاعرة أن تسجل موقفا من الحياة، وإثبات الوجود عبر عملية البكاء المكتنزة في النص الشعري، وربما أرادت أن تقول : مادام الإحساس موجودا سواءً بكاءً أم ضحكاً، فالإنسان موجود وعملية الحياة مستمرة. لكنها خصت العملية بالبكاء إشارة إلى الحزن الماهوي المشتبك بالوجود ،وبالعدد سبعة(7) لتؤكد جدل (الفرح-الحزن، التواصل-الانفصال) عملية مستمرة باستمرار الحياة، وهي في حالة من التلازم مع الكائن الحي لا شيء يوقفها، أو يوقف أسبابها والسر الذي يحققه هذا التكرار العددي هو سر من أسرار الكون والطبيعة، وقصة الخلق والتكوين هو سر من أسرار الوجود الإنساني، وبذلك جمعت بين ما تتناوله القصيدة من فضاء طبيعي وجسدي، ولتبقي الشاعرة حق السؤال مفتوحا، وليبقى لنا حق الاحتفاظ بالسؤال دون أن نلقى إجابة مطلقة، إجابة تشفي الغليل بشفاء العليل بالبكاء المتواصل في النص، وبهذا نجحت الذات الشاعرة في بث تساؤلاتها في بداية الأسطر بشكل لازمة قبلية متكررة، لتشير إلى تلازم الحياة بالتساؤل والمعاناة بدءا .
إن هذه القصيدة تكرس سؤالا واحدا، وتنشر فعاليته في بداية الأسطر معلنة عن الحيرة إزاء فعل البكاء المترجم من قبلها بعد كل ما قيل في مسار الحب وجوه الفعال ذي التأثير الايجابي والحركي الدائم والمكتظ بعناصر الطبيعة لتحمله إلى دائرة الحركة العارمة.
فالشاعرة تسخر الطاقة التعبيرية والدلالية التي تمتاز بها بنية السؤال، للتعبير عن الواقع المتناقض، وما لها من قدرة على الإفصاح عن الداخل من اضطراب وتمزق عبر إثارة جو السؤال المتكرر(5) . ونستطيع أن نتصور الجانب النفسي القلق الذي تعيشه الذات، وتجعلنا نتساءل أيضا من يسأل من في القصيدة؟
لقد رمت الشاعرة بحيز السؤال على عاتق الجانب الذكوري، وتركت للأنثوي فعل البكاء المتواصل، هل لكون الذات الأنثوية تعيش في حالة مكابدة ملازمة لفعل البكاء ؟؟؟ هل رمت الشاعرة بحيز السؤال على عاتق الذات الشاعرة متيحة لها مساءلة القصيدة؟ هل كانت القصيدة هي التي تبكي بعيد كل اكتمال في تشكيلها، ولماذا..؟ أ لأنها تدرك أن كل اكتمال مصحوب بالانطفاء؟ أم أن ذلك الاكتمال غير قادر بطبيعته الإنسانية على منحها المراد من خلاص يحررها كليا من أعباء ما هي فيه من سجن الجسد ومعاناة رصد الأغيار وضيق أفقهم وعتمة بصيرتهم ؟
إن نبرة السؤال المتكرر تأتي كأنها انبثاقات خاطفة تسعى إلى تحريك منطقة التلقي وإثارتها، لمعاينة السؤال معاينة بصرية وذهنية تتيح له فرصة إدراك الجوهر الذي تختزنه بنية السؤال (6) لكن المثير في النص انه غيب كل الملامح، التي من شأنها الإشارة إلى أية علاقة تدل على جواب، أو أسباب، مما ترك السؤال مهيمنا على النص بكامله.

2_ البكاء وسؤال الجسد والطبيعة :
إن براعة الشاعرة في إضفاء الإشراق على الصورة الشعرية بهذه الفنية، لا تصدر عن دقتها في اختيار موضوعاتها من الطبيعة ( الريح/الأشجار/الثمر/….)، وهي موضوعات وعناصر تكاد لا تخلو منها قصيدة، لكن نسق العلاقات التي تربطها بالرمز، وطبيعة الأنظمة المتبعة في التنسيق هو ما يحقق للشاعرة خصوصيتها، وتلك الفرادة التي تضفي هذا الثراء على قصيدتها.
فالطبيعة تسهم إسهاما فعالا في تحريك مغزى النص، وتوجيه المتأمل إليه بستار تظهره ببراعة مجسدة بأنهارها وبراكينها…، فتأتي معبرة عن الذات في حالة هياجها وهدوئها وثوراتها وإشاراتها الشديدة، فهي تجعل صورة الطبيعة موائمة للكيان النفسي للشخصية إذ تغدو عاملاً مهما في الكشف عن العواطف والأحاسيس الداخلية (7).
توظف الشاعرة الطبيعة في صورة معبرة عن عمق الأحاسيس وذروتها بتعبير تجريدي وهي تخاطب الذات، أو بتقنية الخفاء، وهي تتلبس قناع الرجل :
ماذا يبكيك..؟
وقد هب البركان..
يجتث عروق الأرض الظمأى،
فتدور الأقمار..
حول إشارات تطلقها كفاكِ…
عبر ضباب التكوين..!

فصورة الطبيعة تتخذ إطاراً رمزياً للتعبير عن مشاعر الحب بمعناه الواسع، إنها تسقط فعل التواصل والعمل على اجتثاث الظمأ من أعماق الكون ،وعلى الأرض بالتحديد حين يتوحد الرمزان المرأة/ الأرض، راسمة صورتين واحدة بالبنية السطحية تشكلها اللغة، والثانية في البنية العميقة، وهي الصورة التي تخفيها مكنونات اللغة في ميتافيزيقتها .

وقد سكن الزلزال
واسترخت فيه غلائلك الذهبية،
فاح سرير النار،
وأقفل دغل الروح..
شباكه خلف يمام مجروح..
تتعمق روح الشاعرة في محفزات البكاء، فاليمام لا يبكي بل الروح الشعرية هي التي تبكي، وتأخذها إلى تأمل عميق للفعل(أقفل)، فالانزياح في فعل (أقفل دغل الروح) يعبر عن تراكمات من العتمة الداخلية الموغلة، وان الشاعرة هنا تعكس القلق الذاتي والوجودي، فتسرده لنا بصور الطبيعة التي لا تعرف الاستقرار، فكذلك الروح الشعرية لا تعرف لها قرارا ولا سكينة إلا في الشعر.
إن تأصيل فعل العذاب على الرغم من حضور كل عوامل الخصب والاتصال، هي صورة متكاملة لامتزاج هذه المعاني وتفاعلها عبر التواصل المستمر بين الذات والآخر، بعدما سكنت شدة العاطفة وهياجها، ليستقر فيض الحب في القلب بسكون الزلزال، وتقفل الروح شباكها لتحكمه على القلب المجروح الذي شبه ما به من ألوان المعاناة والأحلام المحبطة باليمام حامل السلام والحب . واللافت المثير للانتباه هو غياب الآخر كليا كشخص وصفات في البنية السطحية مع حضوره الكامل في التجربة، وفي تحريك الفعل منذ الإشارة الأولى وحتى نهاية الشوط .
لقد استطاعت الشاعرة أن تسطر همها الذاتي والوجودي بصور الطبيعة، وترجمتها على الذات الإنسانية عبر تفعيل مادة البكاء وتكرارها المتواصل بداية الأسطر، وعلى فترات واسطر متباعدة وغير متتالية، مما أعطى صفة الاستمرارية للبكاء، وبين سبب ما يحدث من لحظات تأزم الذات، واختلاط المشاعر المحتدمة في الأمور الحميمية والمحزنة معا، حتى لا تستطيع الذات جمع قواها بعد كل عملية بكاء لتتناولها أخرى، وكأنها زخات مستمرة ، وهذا ما عبرت عنه بتباعد عملية البكاء التي ترد بعد كل مقطع ما بين الأسطر الشعرية وتحدها بالنقاط لتفصلها عن غيرها، أو لتشرح بذلك الحالة الناجمة عن عملية البكاء دون غيرها، وإيضاحا للصورة المرسومة عبرها ..فالشاعرة تجعل نقطة الانطلاقة من الذات ومعاناتها باتجاه الكون والموضوع ومكابدات الإنسان الثاوية في أسئلته الوجودية الجارحة التي لا يجد لها جوابا، كغياب جواب السؤال:(ماذا) الذي ارتكز عليه النص حتى نهايته ،فقد شكلت حزنها ببكائها نقطة انطلاقة ذاتية نحو المطلق والكون.
إن اللوحة العامة للصورة المرسومة بها القصيدة تشكل الطبيعة، وتخالطها الصورة الذاتية الإنسانية مع الوهج النفسي والمؤثر الذاتي، وانفعالات النفس في كل مقطع من مقاطع القصيدة.
فالجسد يخضع لنبض العالم النباتي الطبيعي، إذ يقترن الجسدي بالنباتي، وإن أسماء الأعضاء الداخلية في الإنسان تستمد من المصطلحات النباتية، وهي تشبه بعضاً من النباتات، وإن الجسد يبدو كشكل نباتي آخر، إذ يعد العالم النباتي امتداداً طبيعياً للجسد(8)، فالجسد يمتزج بالطبيعة، والإنسان بواسطة جسده على اتصال مع مختلف الميادين الرمزية التي تعطي معنى للوجود الجماعي، (( ويتكون الكون من المواد نفسها وجوهر خليط الإنسان من العناصر الأربعة التي يتكون منها كل شئ موجود ،
الماء الدم وسوائل الجسد
الأرض الهيكل العظمي
الهواء النفخة الحيوية
النار الحرارة الحيوانية )) (9)
ومن هنا نعرف سر الارتباط الوثيق بين الجسد الطبيعي والإنساني. كما أن هناك حركات إنسانية تقابلها حركات للطبيعة، وظفتها لتمزج الإنساني والطبيعي. نراها في :
الحركات

إنسانية جسدية طبيعية/ نباتية
_ الحركات :
1. شرفة رقص أندلسي فاعلية الرقص حركة ودوران تراث يكتنز
التصوف ومجد التراث والحضارة والجمال وعوامل التفوق .
2. عند بزوغ الأنهار حركة الطبيعة دوران الليل والنهار انطلاقة
الضوء وعوامل الخصب
3. العين تحول حركتها إلى الإغماض عند النهار، وفي الإغماض نوع من
فقدان التوازن وعدم السيطرة، والمعرفة لما حول الذات، لكن ذلك يتم في النهار بدلا من الليل
وقت السكينة، وهنا نلمح التحول لعنصر الوقت كما هو معروف أن النهار مركز الحركة قد
أصبح مركزا للراحة .
4. فتدور الأقمار معربةً عن حقيقتها الطبيعية في الكون .
5. حول إشارات تطلقها كفاك لكنها مرتبطة بالكفين مركز الحركات ونقطة انطلاقها.
6. وخصرك بين يدي الخصر مقابل اليدين للآخر، وهو رمز للحركة، وهنا لإعطاء
الثبات نتيجة اقترانه باليدين، ويعطي اليدين مركز حاسة اللمس الفاعلية عبر نار الحب.
7. قلبي كرة في كف الإعصار القلب التقلب والتغير وعدم الركون لحالة واحدة.
كف الإعصار
إن القلب وما يحتويه من حركة ضخ الدم، وفاعليته المستمرة للجسد، ومن حركته هذه تحول إلى حركة أخرى بتشبيهه ب(الكرة) يرتبط بعنصر الحركة الطبيعية( الإعصار ).
وإن كل حركة انتشار في النص تقابلها حركة انكفاء سواءً كان على المستوى الإنساني – الحب، أو المستوى الطبيعي والنباتي.وإن الجمع ما بين الإنساني والطبيعي وامتزاجهما في تعبير واحد، جاء لتأكيد فاعلية البكاء وارتكازها عليهما، وإن أفعال التغير والتأثير وعناصر الأزمة حدثت عندهما، فقد تتأمل الذات كل ما هو محزن وسلبي في الحياة، فعوامل الاتصال تؤول إلى انفصال وفرح التواصل يؤول إلى فرقة، لذلك تصطدم ب(البكاء)، على الرغم من كل التغيرات التي قد سطرتها، لأنها تغيرات لا تنبع من العمق، أو لم تخترقه لتغيره ،بل هي تغيرات مؤقتة ذات لحظات وتنتهي، وقد تحيل على عوامل السلب .
إن المرأة هنا رمز للروح لا للجسد، لكن عبر التحكم الجسدي للذات يظهر في المقابل سلطة الآخر من امتلاك الحب، وتظهر المقابلة الجسدية بين الاثنين. نجد ذلك في العناصر الجسدية: ( كتفيك/عينيك/ كفاك/ خصرك/ وجنتك/ غلائلك). وقد جمعت أفعال التغير ومركزها القلب نقطة الانطلاقة الداخلية.
_فاعلية الدوران : إن عناصر الدوران في القصيدة تتركز في :( 1/ رقص2/ الأرض3/ تدور الأقمار4/حول إشارات 5/ السكران 6/ كرة 7 / الإعصار). وهي عناصر تطابق دوران عملية البكاء في النص مجسدة لدوران الأيام السبعة، وفي هذا الامتزاج إشارة إلى السلطة الكونية التي ترتبط بالمقدرة الإنسانية والجسدية.
فالدوران يعزز الحركة الإيجابية، لأنه يشكل دائرة مكتملة، لكن النص يكرس الفعل السلبي ،ويطابق عملية البكاء ودورانها _السبعة_ في النص دوران الأرض الإيجابية، وحركة الليل والنهار والأقمار الايجابية من التأثير على المياه كما هو معروف .
_التحولات : ونجد جملة من التحولات التي تظهر كما في:
1. تحول من الرمز الأساسي الأرض إلى المرأة ومن النباتي إلى الإنساني.
2. تكرار بنية التساؤلات وثباتها في بداية الأسطر وبواقع (7) مرات.
3. التحول من الفضاء الداخلي إلى الخارجي ومن الجسدي إلى الطبيعي والتحول بالمدلولات مثل: قلبي كرة .
فاح سرير النار تحول المكان الثابت إلى قوة طبيعية محوّلة (النار) .
الشوق يحفر فوق الأشجار أساه تحول الشوق إلى إنسان ( الجزء إلى الكل).
4. التحول بالألوان .

وبعد هذا كله نلاحظ أن النص يطال العمق الجسدي، لأنه طال العمق الشعوري، ومس الأحاسيس. واتخذت البكاء بوصفه فاعلية من فاعليات الجسد والروح معا”.لأن لغة البكاء التي استخدمتها الذات هنا هي لغة مزدوجة، تجمع تقابلات الروح بالجسد بالصمت الموحي لا بالكلمات، بل بالإيماءات والإشارات التي تطلقها من الجسد باتجاه الروح .
(( فالجسد قد يكشف ما تخفيه اللفظة ،ويعبر بطريقة غير مباشرة بل وهو أهم وسيلة من الوسائل غير المباشرة في التعبير …والتعبير الذي يتجاوز كل لغة تشترك فيه لغات العالم ،لأنه كلام حي عضوي .))(10)
فمارس الآخر سلطته عبر اللغة والكلام ،والذات مارست فعل البكاء، وهو مكمن انطلاق إشارات نفسية وإيحائية وصوتية،هذا الفعل الباكي الذي يضفي معنى الانكسار والألم، فكان حضور الجسد حضورا فعالا يتعلق بمعاناة الذات والبوح عنها .

3_ البكاء وسؤال التصوف :
جاءت القصيدة بزخم من التساؤلات تطرحها على نهج الصوفي المتأمل، لكل مراحل الحياة تاركةً لنا فرصة البحث عن إجابة نسد بها فجوة هذا الكم من الأسئلة عن مسؤول عنه واحد هو سبب البكاء، لتجعلنا نحاور النص ونتساءل معه عن سبب كل ما تعانيه الذات الشاعرة ،مما خيم على أجواء النص المفتوح على الأسئلة، ولا ننسى أن التساؤل سمة من سمات الصوفي .
إن الشاعرة استخدمت علاقة ضبابية بين الرجل والمرأة في إذكاء مشاعر الحب والتوحد ، فالنص وإن يظهر مشاعر الحب الذاتية، لكنه يتخذ ذلك الظاهر ستاراً وسطحاً يخفي ببواطنه العميقة الدلالة الصوفية المتجذرة منذ القدم بالاستغراق في حب كل شيء . فسؤال البكاء هو سؤال تأسيسي لما تحمله ويمر عليها من حالات فقد ونكبات مستمرة، وخصتها ب(7) مرات إشارة إلى العمق الحضاري ب(7) آلاف سنة من الحضارة في العراق . وبسبعة أيام هي أيام الخلق التي كانت تحمل أسئلتها من خلقها الأول، لأنها تدرك أنها مخلوقة للزوال. فتحمل القصيدة في مستواها المباشر دلالة سلبية، بما يبثه البكاء من إشارة إلى تعميق الحزن المخفية أسبابه، وما تتسم به الصورة الشعرية من طابع صوفي يتجلى في التساؤل والغموض وغياب الجواب.
إن اقتران الطبيعي بالإنساني في النص يترجمه الصراع لدى الصوفي بين الطبيعي الأرضي والروحي الحب بين المحدد وبين المطلق(11). لكن هل كان الحضور الأنثوي حضورا لذاته أم مجرد جسر للعبور نحو فضاءات أخرى وهذا ما نعرفه إذا رأينا كيف يتحول الرمز الأنـثـوي الحب إلى أرض ووطن. فالمرأة وطن الرجل ومصدر أمنه، وفي النص يحدث نوع من التراسل بين الإنساني والمكاني، والرمز يتجسد في صورة بين الروح والجسد، فلم يعد بالإمكان الفصل بينهما، فالروح المرأة والجسد الأرض –المكان- الطبيعة.(12) وهذا ما قلناه سابقاً من أن المرأة رمز للروح لا للجسد، ولذلك لا يشعر الرجل بالأمن والاستقرار وهي في حالة بكاء،بل يؤكد بالجملة الاسمية أن قلبه كرة في كف الإعصار :
(( ماذا يبكيك
وخصرك بين يدي،
ونار الحب تضئ الليل السكران
بوجنتك الزهراء
وقلبي:
كرة في كف الإعصار))
فالأنوثة هي الأصل الثابت الذي يستوعب التغيرات الجارية عليه، ومن ثم يتحرك بالخصب، ليتواصل نحو زمن لا متناه : (خصرك بين يدي، ووجنتك الزهراء) بينما قلب الرجل (كـرة في كف الإعصار) .
وفي النص يتركز البعد الصوفي من الاستغراق في الحب والسكر، وهو رمز من رموز الصوفي، وأخيراً عدم الثبات على حال، واهتياج العاطفة وعدم سكونيتها المتمثلة بـ (قلبي كرة في كف الإعصار) مع مشاركة العناصر الطبيعية فيها، لتنهي هذه الصورة الصوفية بقولها في الخاتمة :
(( ماذا يبكيك،
وقد هب الشبو الليلي…
وأوصدت الأبواب..! ))
وهي خاتمة تبتعث عبرها رسالة صوفية عاطفية، إذا ما عرفنا أن من سمات الصوفي استخدام العنصر الطبيعي النباتي الشديد الحضور، ولا سيما ما كان منه زكي الرائحة ، وهي رسالة كونية باتجاه الإنتشار الكلي زمانا ومكانا، وتحررا من كل القيود نحو التوحد بالذات العلية التي هي الحب الذي لا يعرف الانفصال .
(( وهذا الشوق الضاري
في منفاه
يحفر فوق الأشجار أساه
ويعري قلب الريح ))
إن من سمات الصوفي الحب وشدة الشوق والحنين لمن يحب، فهو الميثاق الذي يربط الرجل بالمرأة المنشودة والغائبة دوما في العرف الصوفي، وينزع إليها بوصفها الجزء المفتقد من الإنسان الكامل، وكأنه الإنسان الأرضي، ولذلك دخلت المرأة مع الرجل في علاقة الفاعلية والإنفعال(13)، وهذا ما يفسر حضور المرأة في النص بوصفها الأرض _الرمز_ والروح أيضاً.
والشوق العنيف يقوم بعمليتين (يحفر/ يعري)، فهو يحفر فوق الأشجار موطن الذكريات ورمز الزمن الوجودي، يحفر ما مر من ويلات الانفصال وعذاب البعد يسجلها خالدة في الذاكرة ، ويأتي الحفر لتعميق الدلالة ،وهي عملية داخلية وحركة للأسفل، كما (يعري) والتعرية حركة خارجية تعمل على الكشف والإزالة، وكلتاهما من طرق الاستخدام الصوفي في التعرية والكشف عن الحقيقة وصولا إلى التجلي والظهور..
فالشوق يسبق الريح بقوته لما هو معروف من أن الريح هي التي تعري الأشياء وتكشفها، لتظهر ما بداخلها، فالصورة هنا معكوسة، فاستخدم الشوق ليكشف ويعري قلب الشر المرموز له بالريح ،وهي مقابلة بين عمق الانتماء وعمق الشر،أي العمق الإنساني المشار إليه بـ(الشوق الضاري في منفاه)، والعمق العدواني المشار إليه بـ(قلب الريح)، أما موطن الشوق (في منفاه) والنفي داخل الوطن الواحد واضطراب التوحد لما يصاحبه من تغيرات، فالإنسان أصبح عبارة عن شوق كله، وتحول الكل إلى الجزء والجزء إلى كل للمقابلة بين محنة الانتماء الإنساني لوجوده وحيرته فيه. فبقدر ما كان هذا الشوق ضارياً أو قوياً، فإن شوق المنفي هو الأشد ضراوة ،لذلك اختارت (المنفى) للدلالة على عمق هذا الشوق .
إن الصور المستخدمة في النص أغلبها معكوسة، تكرس الشعور بفقدان كبير لم تطلعنا القصيدة على سره ، وتضاعف دلالة البكاء والشعور بالحزن، وهي إشارات صورية في كل سطر شعري تطرحها الشاعرة في (فاح سرير النار) و (يعري قلب الريح)، فالنار وسيلة لتطهير الذات من الجراحات في خضم معاناتها، لتعلن عن عملية القفل وسد منفذها، لكن القلب يبقى مجروحاً ومفتوحاً للسلام برمز اليمام المجروح مع ملاحظة عملية اللعب بالألوان الطبيعية في:
الثمر الوردي اللون الوردي
غلائلك الذهبية الذهبي
سرير النار الأحمر
يمام مجروح الأبيض + الأحمر

ونجد في النص رموزا طبيعية وإنسانية، وفيها مقابلة بين عوامل السلب والإيجاب،التي تتسع لتحولات الحب الصوفي بين أحوال ومقامات، وإن أول دلالة تشير إليها هي حالة السقوط للثمر الوردي إشارة إلى ازدهار الحضارة وعنفوانها في الأندلس التي صارت رمزا للضياع العربي، فهي لم تستمر طويلا ،إذ شبهت بالثمر الوردي الذي سقط قبل أوانه، فعملية الترف واللهو بالملذات أدت إلى السقوط ، بالرغم من ازدهار حركة التصوف هناك، وكأنما معنى السقوط استخدم للتماهي مع ما هو معنوي (الرقص الصوفي)، وتستمر عملية الفقد المستمرة بالبكاء والجنة المفقودة تترجم بواقع جديد .
ثم تنتقل إلى العنصر الإيجابي بـ(هب البركان) فقد هبت الثورات، لتعلن عن الأحاسيس المتقدة تجاه ما يحدث، وتؤكد هذه الدلالة وتدعمها( خصرك بين يدي) من استعادة امتلاك الأمر والسيطرة على مجرياته كون الخصر المركز الذي يمثل الوسط الجسدي للإنسان، فهو يقابل الوسط الطبيعي الكوني الذي لا يحدث التوازن إلا باستقراره وانسجامه مع ما حوله .
و(كفاك) رمز الإنتاج والتأثير والعمل ودوران العالم حول تأثيرها خلال سنوات من إنتاجها العلمي والحضاري المشهود، فهذه الحضارة هي المركز والكل يتبع تأثيرها، فضلا عن كونها أداة الملامسة الإنسانية، وإن (الإشارات) النابعة من اليدين هي رمز للصوفي العارف بالمكنونات، واستخدمت رمزين من رموز الطبيعة (البركان/ الزلزال)، فأولهما ايجابي، والثاني سلبي يشير إلى المحن والنكبات، لنصل إلى (غلائلك الذهبية) فهي رمز المرأة، والسنابل رمز الخصب الذي فارق الإنسانية إشارة للفصل والسلب، لكنه تحول إلى حصار داخلي ونفسي وهذا أخطر.
إن الرموز تضافرت لمواجهة عوامل الانفصال، إذ كانت هي السبب الحقيقي للبكاء الذي لا ينتمي إلى وطن أو عمق حضاري تأريخي، كما وتضافر (الشباك/الباب) في عملية (أقفلت/أوصدت)، فصحيح أنها أوصدت الأبواب، لكن الجرح بقى داخلياً وبقى رمز الشر يقطن فيه/فيها ظلماً وعدواناً، فقد تحول الخطر والقيد إلى داخلي يفرضه الواقع ذاته الذي لا سلطة للفرد على تغييره .

4 _ البكاء وسؤال الحب : الحب / المرأة
إن حضور المرأة في شعر (بشرى البستاني) يكتسي مذاقاً خاصاً يمنح القوة المؤثرة والفعالة في الآخرين، وتدعمها بالغموض، لإثارة الأسئلة المتولدة نتيجة ذلك. فالخطاب هنا ما بين رجل وامرأة لكن الحوار متولد عن الرجل/الآخر، أما المرأة فتمتلك صيغة أخرى توقف الكم الهائل من التفسيرات، لتولد في النص مجرى أحداثه وتساؤلاته عبر عملية بكائها المتواصل. لكن هذا الخطاب في الأصل هو خطاب أنثوي تقوده ذات شاعرة متمكنة تعكس دواخل المرأة، وما تريده على لسان الآخر-الرجل، لتترجم لنا هذا الداخل بواقع جديد بلسان الرجل ، وكأنها تتلبس الرجل قناعا_كما فعلت في مخاطبات حواء_ (14) لتجعل منه كاشفا ورائيا كما تتمنى له أن يكون، إذ تحتاج أن يلتقط أعمق الإشارات في مشاعرها، فالمرأة في مثل هذه القصائد هي المركز، وأساس الأنظمة والإشارات التي تنطلق منها عبر الكون باستخدام لسانه الناطق، وفي الحقيقة تعكس غير هذا عبر بكائها المتواصل الناجم من تأثيراته .
إن المتأمل في القصيدة قد يجدها تعبر عن صورة واضحة للطبيعة وللذات مرسومة بأسلوب سهل،لكن عند التأمل العميق يتضح غير هذا. بل نجد فيها إغراء بالسر الذي يغلفها ويطبعها بهذا الطابع ،وقد يشعر المتأمل لأول وهلة بالجو الجميل المرسوم من أجواء الطبيعة لكنه يصطدم بعملية البكاء،مما يشعل بداخلنا نار الرغبة في معرفة السر الكامن فيها ،هي صدمة تحدثها فينا أو محاولة لتفجير كوامن المشاعر التي ارتضت بالسكون. وهكذا تضعنا الأسئلة البكائية أمام صدمة تحدثها فينا لنترجم بعدها واقعة حدوثها وسببها.
وجاء البكاء رغبة في طلب التوازن والهدوء النفسي، وما كانت تبحث عنه الذات وتتمناه بقرب الآخر، لكنها صدمت بأشياء لا تتحقق بل وباضطراب أكبر يعرقل هدوءها الذاتي، ومن ثم الكوني، أو هي محاولة للمعالجة، أو لفتة إلى الشيء _الحب_ الذي تركناه عمدا وبيده الخلاص ،أي هي محاولة للبحث عن ما ينقصنا ونحتاجه في الآن، فالقصيدة تسعى لسد النقص الذي نعانيه بدءا من علاقة الحب بين رجل وامرأة وانتهاء بالحب في كل شيء .
فالذات ترنو إلى حبها الذي يحتويها وقدم لها العطاء الدائم، وعينها تبكي على الواقع الخارجي الذي تحيا فيه ، فحياتها الداخلية، وإن كانت مؤمنة لكن ما هو خارجي يبكيها ويقلقها، وهذا ما يجعلها غير راضية عن ما يحدث وغير مستأنسة بحبها واطمئنانها الداخلي، لأن الخارجي يهدد أمن الداخلي ،فهي تراقب ما يحدث خارجا من أمور تدمي القلب قبل العين، وهذه الثنائية التي تحاول الشاعرة الوصول إليها هي ثنائية ( الداخل والخارج) وعكس الواحد على الآخر في إطار ثنائية (الرجل/المرأة) .
نجحت الشاعرة في توظيف هذه العلاقة المهمة في إطار يتناول معاني شتى ،ونستطيع أن نسحبه إلى الذاتية أو الجماعية الوطنية، واستخدمت الحب الذي يؤجج كل شيء ، بوصفه الرمز الأسمى من المعاني، لتجعله موضوعا تختمر عليه قصيدتها .
إن حضور الآخر هنا بفاعليته الحركية وإنتاجاته الشعورية، أضفى على النص حجة للتساؤل عن مدى جدوى البكاء من قبل الذات، وما حجم العطاء الذي يقدمه إلا تعزيز لبذله المستميت في إرضاء الذات ودوره الذي يمن به عليها، جاء هذا من باب المعاتبة والمساءلة عن ما ينقص الذات، فتجعلها تنهمر في بكائها. فما الذي يبكي الذات وهذا التواصل من الحبيب قائم. لكن يبقى التساؤل هل هذا فعلا” كل ما تحتاجه الذات لتستقر وتطمئن في مخدعها !!!
إن ما تريده الذات ليس بهذه السذاجة بل هو مطلب وجودي عميق يقبع في داخلها ، ويحتل مكان توجعها، لأن النص يعطينا بذرات الأنا والآخر والزمان الحركي ،لكنه لم يعمق الحس المكاني بل عرضه بالشكل الجسدي، إشارة إلى الاستلاب الجسدي قبل المكاني، ليعطينا بعدا” متخيلا” عن ما تفقده الذات فعلا” ((المكان)) الآمن الذي تنشده فيكتمل حبها ،وهو نوع من التوحد ما بين الجسد والمكان يدل على الحب المتبادل بينهما حد الامتزاج والتوحد .
أما عن معنى العنوان (القصيدة) فهو من (القصد) وهو إتيان الشئ وقصده أي نحا نحوه والقاصد القريب والقصد بين الإسراف والتقتير (15)، وهذا ما يفيد في تعميق دلالة الحب، وما جاء في النص، فقد كان تفاعل الذات مع الآخر واضحاً بدليل صيغة بكائها،وان ردة فعلها عن طريق البكاء تأتي تعزيزاً لإحساس الفقد، أو الشعور به، أو تعبيراً عن لمحات من الحب المستلب نتيجة تقلب أفق التوقع بصدمة الواقع الفعلي الذي يغلب المتأمل والمرسوم .
إن النفسي يحيا ويجسد فضاءه بالجسدي من خلال البكاء، فالاحتفاء بالأنوثة يشكل فعلا جوهريا يشتبك مع نبض الحياة، والأعضاء تشكل النبض الحي للروح الإنسانية، والكشف للظواهر النفسية من خوف أو تأمل أو توتر(16) . وقد اتخذت الشاعرة الرموز الطبيعية للإشارة إلى علاقة حب والمشاعر المتأججة، ثم من العلاقة نفسها إشارة لغياب أي خلاص .
إن الشاعرة تداهم المشهد الشعري الذكوري بصوت أنثوي، فتتصاعد في لغة النص رغبة الاحتواء، وجرأة المبادرة في محاولة لذكر النمط التقليدي من العلاقة بين الذكر والأنثى.وحضور الجسد في النص يساعد في تعميق دلالة الحب واستكمالها، فالجسد يبني دوره في الحياة والاستمرار، أو الخصوبة والخلود(17) والحب والجنس في النص دلالة على فعل انبعاثي كوني، يحيل إلى شبكة من الدلالات المرتبطة بالنمط الأصلي للأرض( آلهة الأنثى)، فيكون الجنس فعلا كونيا وولادة جديدة للأرض (18).
هذا إذا ما نظرنا إلى المحور المحرك في النص .لكن الجنس الذي يمارس حضوره يتعرض للتمويه وإيماءات اللغة، والترميز بين المرأة والأرض رمزها المعروف في الأساطير القديمة ، لذا نجد استبدالاً لما هو واقعي وإحلال الرمز بديلاً بسبب ضغط الشعرية والعلاقة القائمة بين الرمزي والجنسي(19). والبنية الثقافية الدينية التي كانت ناظما للحياة في بلاد سومر حيث النصوص فائضة بالحنين للجسد، وإن ممارسة العلاقة مع الجسد هي طقس مهم وحيوي من طقوس دينية توفر للفرد القديم أمانا،ً وتشعره بالاطمئنان الروحي، فالجنس أحد وظائف الجسد.(20)
والإشارات التي تؤيد هذا المحور وتدعمه نجدها في :
_ الإشارات والمحركات في النص:
1. عناق الأشجار الشجرة مظهر من مظاهر الحياة المخصبة التي ذكرت في
الأساطير القديمة .
2. الرقص إشارة إلى الانعتاق من القيود، والرقص رمز صوفي وإشارة للحيوية والإغواء. (21) والرقصات كانت تعبيراً عن القوة والقدرة
وتمثيلاً رمزياً للجنس.(22)
3. الإشارات الاشارات والحركات عن الجسد تعبير يحمل في ذاته معنى .
فتعبيرات الجسد تشكل وحدات مترابطة عضوية حية وذات دلالات
عامة ،أي أن هذه الدلالات لحركات الجسد تفصح عن ما هو نفساني
وتملك كل الخصائص التي يمتلكها الكلام اللفظي . (23)
4. الحضور الجسدي ( كتفيك / عينيك/ كفاك/ خصرك/ بوجنتك الزهراء).
5. (الشوق الضاري/ يحفر_ يعري) التعرية تعني الكشف، لتبيان الحقيقة بوصفها وسيلة من وسائل الإظهار وإزالة الغموض، واستخدم أفعال الشوق أفعالاً إنسانية (يحفر_ يعري)، فاتصف بـ (ضاري)، وهو(منفي)، وكأن الشوق يجسد صورة الإنسان الذي يعاني تباريح الهوى .
الخاتمة :
إن خلاصة ما يمكن قوله في هذه القصيدة أن عوامل التواصل كلها التي توفرت في النص، لم تستطع أن تمنح الذات الشاعرة أي خلاص، ولم تكن ملاذا لها من غربة الروح وسجن الجسد، مما يؤكد أنها تسعى للخلاص من أغلالها، ومن القيود التي تكبلها منطلقة للتواصل مع الذات الإلهية في مطلقيتها ،ورحابة حنوّها وفيضها النوراني بعيدا عن العالم المادي الذي خرب روح الإنسان ودمر حياته، فالقصيدة صوفية تتطهر بالوجد وشدة اللواعج وفيض الدموع، وهي تسعى لذلك الخلاص بجهاد ومكابدة .

الهوامش:
(1) أندلسيات لجروح العراق ، بشرى البستاني : 104_106 .
(2) طريق الشعر والسفر ،أمجد ناصر، ضمن كتاب الشعر في الأردن :422 .
(3) الأدب وفنونه ، د.عز الدين إسماعيل :28 .
(4) ينظر: لسان العرب ،ابن منظور، مادة (قصد) :2/737 .
(5) ينظر: انتروبولوجيا الجسد والحداثة، دافيد لوبروتون، ترجمة محمد عرب :123 .
(6) ينظر: القصيدة المركزة ووحدة التشكيل، علي صليبي الموسوي، رسالة ماجستير:90.
(7) ينظر: المصدر نفسه : 93 .
(8) ينظر : التوظيف الفني للطبيعة، د. صالح هويدي : 22 .
(9) ينظر: انتروبولوجيا الجسد والحداثة : 14 .
(10) المصدر نفسه : 24 .
(11) تأويل لغة الجسد ،علي زيعور، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 54 _55،
لسنة1988 : 68 .
(12) ينظر: الحضور الأنثوي في التجربة الصوفية . www.aljabriabed.net/n40_04korach.htm
(13) ينظر: ثنائية الأرض والمرأة، عبد العزيز موافي : 63 .
(14) ينظر: الحضور الأنثوي في التجربة الصوفية. www.aljabriabed.net/n40_04korach.htm .
(15) ينظر: مخاطبات حواء ، بشرى البستاني :9
(16) ينظر: لسان العرب ، مادة (قصد) :2/737
(17) ينظر: نقوش الحب والجسد . http:\\bustani.wordpress.com
(18) ينظر: انتروبولوجيا الجسد والحداثة : 55 .
(19) ينظر: مفهوم الرمز الديناميكي وتجليه في الشعر الفلسطيني الحديث، مجلة الهدف، العدد 1276 ، لسنة 1998 :36 .
(20) ينظر: انطولوجيا الجسد في الشعر السومري، ناجح المعموري ، مجلة الأديب، العدد120 ، لسنة 2006 : 4 .
(21) ينظر: المصدر نفسه .
(22) ينظر: انتروبولوجيا الجسد والحداثة :131 .
(23) ينظر: الحب والجنس : 88 .
(24) ينظر: الجسد، هشام ألحاجي : 51_59 .
المصادر والمراجع : الكتب
1. انتروبولوجيا الجسد والحداثة ، دافيد لو بروتون، ترجمة محمد عرب، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1 ،1993.
2. الأدب وفنونه ، د.عز الدين اسماعيل ، دار الفكر العربي ، ط7 ،1978 .
3. أندلسيات لجروح العراق، بشرى البستاني ،المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2010 .
4. التوظيف الفني للطبيعة في أدب نجيب محفوظ، د. صالح هويدي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 1992.
5. الجسد، هشام ألحاجي، المطبعة الأساسية، بن عروس، تونس، (د.ت).
6. الحب والجنس عند السلفية والامبريالية، محمد كمال اللبواني، رياض الريس للكتب والنشر،ط1، 1994.
7. الشعر في الأردن، طريق الشعر والسفر، أمجد ناصر، منشورات اللجنة العليا لإعلان عمان للثقافة العربية، عمان ،2003 .
8. لسان العرب، ابن منظور، جمال الدين محمد بن مكرم الأنصاري، حققه عامر أحمد حيدر، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت_لبنان، ط1 ،2005 .
9. مخاطبات حواء ،بشرى البستاني، شمس للنشر والتوزيع ، القاهرة ، ط1، 2010 .
البحوث المنشورة
10. انطولوجيا الجسد في الشعر السومري، ناجح المعموري، مجلة الأديب، العدد 120، لسنة 2006.
11. تأويل لغة الجسد ،علي زيعور، مجلة الفكر العربي المعاصر ،العدد 54_55 ، لسنة 1988 .
12. ثنائية الأرض/المرأة وانتهاك المقدس، قراءة في ديوان أعراس، عبد العزيز موافي، مجلة القاهرة، العدد151 ، لسنة 1995 .
13. الحضور الأنثوي في التجربة الصوفية بين الجمالي والقدسي، سليمان القرشي . www.aljabriabed.net/n40_04korach.htm .
14. مفهوم الرمز الديناميكي وتجليه في الشعر الفلسطيني الحديث، محمد جمال باروت،
مجلة الهدف، العدد 1276، لسنة 1998.
15. نقوش الحب والجسد ، أ. د.بشرى البستاني ، بحث من الانترنيت،
. http:\\bustani.wordpress.com

الرسائل الجامعية
16. القصيدة المركزة ووحدة التشكيل، دراسة فنية في شعر الستينات في العراق، علي صليبي المرسومي، رسالة ماجستير، كلية التربية، جامعة تكريت، 2004.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

2 تعليقان لـ “د. إخلاص محمود عبدالله : هـواجس الذات وسؤال البكاء ؛ قراءة في نص (القصيدة) للشاعرة بشرى البستاني”

  1. أ- د- اسعد محمد زيدان الجواري يقول :

    تكتب الدكتورة اخلاص الجواري باسلوب ادبي رفيع مبرهنة مرة اخرى على مخزون لغوي فريد من نوعه متمثلا تعبيراتها التي امتازت بالحداثة . وهي بهذا تنسجم مع القصيدة نفسها وكانها تنسج قصيدة من تعبيرات جديدة لتفسير مقاصد الشاعرة . ليس هذا فقط, بل انها تتجاوز حدود النص لاظهار درجة عالية من الابداع في تصوير القصيدة ومنحنا صورة جزت عن تصويرها القصيدة نفسها .

  2. د.إخلاص محمود يقول :

    د.اسعد الجواري
    بارك الله فيك
    دائما تطل علي ببهاء قلمك وصفاء روحك لتعبر عن داخلك
    بكل نقاء
    وإن كنت اكتب باسلوب رفيع فلا أقل عن اسلوبك
    وجودة تلقيك وحسن تعاملك مع النص
    النقدي والشعري وأنت بعيد باختصاصك عن هذا المضمار
    سلمت ذائقتك النقدية ودمت بخير

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"