تابعنا على فيسبوك وتويتر

laith 5تحاشى محمود سعيد إطلاق توصيف ( التسجيلية ) على روايته ( أنا الذي رأى ) وظلت كذلك دون أية إشارة سواء على الغلاف الخارجي أو الداخلي أو الصفحات الافتتاحية الأولى ، باستثناء إشارة واحدة جاءت عرضاً لجليسيه السوريين في أول لقاء له بهما في أحدى مقاهي دمشق خلال سفرة البحث عن ناشر للرواية . ولكن هذا التحاشي لا يقتصر على التوصيف فحسب ، بل يشمل أيضاً تحاشي تقديم تسويغ نظري لإدخال الرواية تحت المظلة التسجيلية . وفي الحالين فأن ذلك لم يعف الكاتب من التحرر تماماً من شروط التسجيلية ومحدداتها ، ويبدو أنه كان واعياً للقضية ، ولذلك حرص على تقديم رواية تسجيلية بامتياز بدون أن يورط نفسه في التنظير لها ، ولا أشك أنه لو أراد ذلك لأنجدته موهبته من السقوط في فخ النظرية ، وأبقته ضمن حدود شعرية التخييل التي طمح على استلالها من براثن المرجع ، ومن السياقات الواقعية والتاريخية ، وأبقاها ضمن المتن أو الهامش في مستوى عال من الانسيابية . ويؤكد شكي هذا احتواء الرواية على فصول تحاذي الشروح والتفسيرات والتنظير .
والرواية التسجيلية رواية تحتفي بالواقع على قدر احتفائها بالخيال ، وتبني علاقات إحتمالية ما بينهما من أجل تحقيق التوازن ما بين الذات والموضوع ، فهي تتحرك ما بين ذينك العالمين دون أن تتجاوز بالتلفيق على عالم الواقع ، ودون أن تكبح وتحد من شروط الحرية التي يكفلها عالم الخيال ، مع ملاحظة أن هناك من ( لا يقر بوجود نص عاكس للواقع في كليته وحقيقته الصافية ) ( 2 ) . وبذلك فالرواية التسجيلية من جهة ( تتضمن ما يفيد الرصد والتوثيق والتأريخ ) ( 3 ) لكنها من جهة أخرى لا ترى إلى عملية التسجيل باعتبارها نقلاً للواقع ( وذلك لأنه يُختار ما دام الواقع مجرد مادة ) ( 4 ) وبهذا المعنى فإن ارواية التسجيلية تحاذي الواقع والتاريخ مع فارق أن مهمة الراوي في هذا النمط من الكتابات ليست تدوينية بقدر ما هي بنائية تعتمد الانتقاء وإعادة البناء مقرونة بالحرية النسبية في قراءة المادة التاريخية المجتزأة وتأويلها . وخلال تلك العمليات تتحول المادة التاريخية إلى عجينة قابلة للمطّ ، أو تتحول إلى ( حقيقة فنية بعدما كانت حقيقة تاريخية ) ( 5 ) ، في حين تبقى متون التاريخ ووثاثقه في يد المؤرخ اشبه بقيود يُستعصى التحرر منها . ويتبين مما سبق ان الحدث الخارجي هو المحرك والمحفز الأساس لهذا النوع من الكتابات الروائية ، ولذلك فإنه من النادر أن يمنح الراوي هنا فرصة العلم الوافر بما يدور خارج جرمه ، وبما يعتمل في نفوس الشخصيات ، ويقتصر دوره على السرد البراني للاحداث مقتصراً العلم الكلي على ما يدور في ذاته هو ، إذا ما أتاحت له ديناميكية الأحداث التفرغ لتأمل ذاته .
ومن الروايات العالمية الشهيرة التي تندرج ضمن هذا الجنس الروائي – إذا ما صح تسميته جنساً – رواية الأمل للكاتب والسياسي الفرنسي أندريه مالرو ( 1901 – 1976 ) التي كتبها عام 1937 ورصد عبرها تطورات العمليات العسكرية على الجبهات المتداخلة ، وحركة المقاتلين من كل الفصائل في الحرب الأهلية الإسبانية ( 1936 – 1939 ) واللافت أن أحداث هذه الرواية لا ينتضمها رابط ، أو روابط سردية محددة ، بل هي مجموعة مشاهد أو تقارير مستقلة عن بعضها تشكل بمجموعها إطاراً عاماً لجولات حربية متلاحقة ، أو استعدادات لجولات لاحقة . وقد ترجم فؤاد كامل الرواية إلى العربية وصدرت الترجمة ذاتها بعدة طبعات عن دور نشر مختلفة ، وكانت إحدى الطبعات قد صدرت في بغداد عن دار الشؤون الثقافية بوزارة الثقافة والاعلام ( 6 ) . ولعل الرواية التسجيلية ليست جديدة على الأدب العربي بيد أن الالتفات النظري إلىها عربياً لم ينل قسطاً وافراً من الدراسة بالرغم من وجود أعمال روائية تسجيلية عربية رائدة يمكن إدراجها ضمن هذا الجنس أو الشكل الكتابي ، ولعلي أذكر في هذا السياق رواية ( نجمة أغسطس ) ( 7 ) لصنع الله إبراهيم الصادرة عام 1974 والتي يتابع فيها الراوي من موقع الصحفي الميداني عمليات بناء السد العالي ، وقد استخدم في بنائها الكاتب تقنية الكولاج ( التلصيق ) مستعيناً بالوثائق والمراجع التي تحولت بعد دمج مقتطفات نصية منها في الرواية إلى نصوص موازية أو متقاطعة ، وبذلك يكون قد فكك بهذه التقنية نمطية المتابعة الوصفية للاحداث اليومية ، وضمن بقاء النص / الدال في منطقة وسطى ما بين المدلول السياقي من جهة ، وما بين شعرية اللعب بالمتون والهوامش من جهة أخرى بما يوفر للقراءة إمكانيات تخييلية مضافة .
في رواية ( أنا الذي رأى ) يشكل السجن الحدث الإطار ، غير أن تسجيلية الرواية لم تقتصر على هذا الحدث ، بل تعدتها إلى أحداث أخرى داخل العراق وخارجه ، بعضها أعقب زمياً الحدث الإطار ، وبعضها سبقه ، وكل سلسلة متجانسة من الأحداث تشكل مستوى سردياً مستقلاً ، بذلك يمكن تشخيص أربعة مستويات سردية هي :
1 – المستوى الأول – المتن : ويتضمن محكية السجن
2 – المستوى الثاني – ألمخطوطة : وفي هذا المستوى تغيب محكية السجن لتصبح مخطوطة السجن هي المحكية الأساس .
3 – ألمستوى الثالث : لا علاقة له بالمتن ، ولا بالمخطوطة ، فهو مخصص للكاتب / الراوي ، ولتاريخه الثقافي والوظيفي .
4 – ألمستوى الرابع : يشمل ملاحظات وشروحات الكاتب التي جمعها تحت عنوان ( الهوامش ) إضافة إلى الملحق الخاص الموسوم ب ( حجي وشيخو ) .
فيما يأتي تفصيل ذلك :
المستوى الأول – المتن :
mahmood saeed 7ويتضمن نص النواة المركزية التي تتمحور حول موضوعة السجن في قضية ظلت مبهمة حتى إقتراب الرواية من نهايتها بما يجعله سجناً بلا قضية ، وما رافق السجن من تضييقات وإهانات وتعذيب ، وما انتهى إليه من تحقيقات سريعة وعابثة . ويشمل هذا المستوى الفصول المعنونة ( ألصدمة ، امل ، ألمجهول ، ألتسفير الدائم ، صابر ، وجه آخر من الألم ، عودة الأمل ) . مع وجود مقتربات نصية ساقت الأحداث باتجاه النواة ، أو أعقبتها بعد إطلاق سراح الكاتب / الروائي من السجن ، ويمكن وصف ذلك بنائياً بوجود نواة مركزية ما بين سلسلتين من الأحداث التوابع ، الأولى هي سلسلة تمهيدية سابقة ، والثانية سلسلة نهائية لاحقة ، أو على حد تعبير رولان بارت ( كل سمة في المحكي تحيل إلى لحظة أخرى في المحكي ، أو على موقع آخر في الثقافة ضروري لقراءة المحكي : كل أنماط الأنفرة والكنفرة ) ( 8 ) وقد استعان مترجم كتاب رولان بارت بالمراجع العربية لتفسير الكلمتين المعرّبتين الأخيرتين من المقبوس ، فالانفرة تعني ( كل مقطع في النص يعود على مقطع سابق أو مقاطع – كما هو حال الضمائر داخل الجملة – وتتحدد هذه الأنفرة لتسهم في تشاكل دلالي ، أما الكنفرة فهي كل مقطع يعود إلى مقطع لاحق في النص أو مقاطع ، وهو ما يمكن تسميته في لغة النحاة العرب : ألعائد على متقدم أو متأخر ) ( 9 ) . وقد مكن هذا البناء من تنظيم الأحداث على المسطرة الزمنية تنظيماً دقيقاً ومتصلاً منع من الترهل والحشو حتى بدا إقرار الكاتب / الراوي فيما بعد ( في نص المستوى الثاني الذي سنأتي عليه ) بأنه أجبر في دمشق بطلب من دار النشر الرسمية على حذف بعض فصول وفقرات من هذا المستوى بدا وكأنه تعلة لخطأ مفترض لم يُخلف وراءه أثراً .
والحدثان التمهيديان الرئيسيان اللذان سبقا حادثة السجن وضِعا في سياق إبراز علاقة التضاد مع مفاجآت المرحلة التالية / السجن ، وما تفرضه على السجين من ضغوطات وقيود ، وقد تمثل الحدث التمهيدي الأول بتصوير علاقة الأب الحميمة بأبنائه الصغار وكأن الروائي / الراوي يرمي من هذا التصوير إلى توجيه القاريء لتقدير الحالة النقيض عندما يُحرم الأب فجأة من تلك العلاقة ، وقد ظلت أصداء هذه العلاقة تتردد في طيات هذا المستوى ( كنت أتوق لرؤية أطفالي وزوجتي ، وكان الشوق يزداد كل لحظة ، وأحلم بهم في كثير من الليالي . ص 115 ) بل وظلت أصداء هذه العلاقة تتردد في المستوى الثاني أيضاً . بينما تمثل الحدث التمهيدي الرئيس الثاني بتصوير حالة الالتزام تجاه الآخر ، والتي ستقطعها مرحلة السجن في بدايتها قبل أن يكون أحد طرفيها قد اكمل متطلباتها تجاه الطرف الآخر ، فقد دفع الكاتب / الراوي ألفا دينار من المبلغ المترتب عليه تجاه مقاول البناء من أجل إنجاز بناء بيته ، ثم جاء السجن ليقطع عن الكاتب / الراوي أخبار ما أنجزه الطرف المستلم من الالتزام الذي عليه ، ووضع هذا الحدث ضمن السياق مهد لتقرير حالة الارباك ما بين مرحلتي السجن وما قبله ، والمتعلقات التي سيحول السجن دون إنجازها ، مما يجعل ذاكرة السرد مشطورة ما بين المرحلتين ، وهذا يحول دون تركيز ذاكرة الراوي في داخل السجن الممكن ، ويدفعها للتشتت بحثاً عن إجابات في الخارج المستحيل ( وبالرغم من ألامي الهائلة كان فكري عند الفلوس . ص 15 ) أو ( فقط لو أبقيتُ الفلوس في البيت إذن لتمّ بناء الدار . ص / 27 ) . لكن التركيز على هذا الحدث ( التابع ) لم يبدأ مع مرحلة السجن ، بل منذ الساعات الأولى لدفع النقود إلى مساعد المقاول أو كاتبه ، أي قبل إلقاء القبض عليه ( فجأة انقبض قلبي ، تركت النقود عند شخص لا أثق به ، بلا وصل أو دليل يثبت حقوقي ، الإثبات الوحيد ضميره ، ماذا لو أنكر ؟ ص 5 ) ثمّ تأتي فترة السجن اللاحقة لتكون قد أنضجت التساؤلات الحائرة المحيطة بقضية النقود ، ولتجعلها من شواغله . ويبدو أن مبعث قلق الكاتب / الراوي من احتمال إنكار مستلم النقود ليس أخلاقياً فحسب ، بل يعود إلى جذور تاريخية مفترضة ولا علاقة لها بتجربته الشخصية ( لم أكن لأثق بالبنائين والمقاولين ، أليس أصل الماسونيين بنائين أيضاً . ص / 15 ) مما يجعل الحاضر لديه مرتهن لأحكام الماضي ، وهذا ما لم أجد له تفسيراً منطقياً .
أما سلسلة الأحداث اللاحقة التي تحيل وتتصل بالنواة ( موضوعة السجن ) فلم تستغرق أحداثاً كثيرة ، واقتصرت على تهويمات حالمة لسجين كانت بينه وبين الموت شعرة ، وقد أطلق سراحه فجأة ودون مسوّغ مثلما تم حجر حريته فجأة وحبسه دون مسوغ ، والفاصل الزمني ما بين المرحلتين هو سنة وثلاثة أشهر . وفي لحظات الحرية المباغتة لن يسع الذات أن تواجه لحظات الفجاءة المزدحمة بالمشاعر الحميمة والمتناقضة فتتوقف كاميرا الراوي عن رصد مشاعر الذات وهي تواجه أولى إشعاعات الحرية، ويبدو أن مرحلة السجن قد أصابت الذات بالعطب وأصابت معها بالعطب كذلك عين كاميرا الذات ، لذلك راحت عين الكاميرا ترصد وتصوّر الخارج وما يحيط بالذات ، مسقطة على ذلك الخارج بعض ظلال الذات الموجوعة واضوائها الخافتة ، مع إبقاء مسافة فاصلة ما بين الذات والخارج تحول دون التقائهما :
kh mahmod saeid 8– شاب يسحب نفسه ببطء وتعب ، يحمل قنينة غاز على دراجة هوائية ….
– زهور الربيع المتفتحة ….
– سماء زرقاء منقوشة بنديف سحري ….
– عمال بلدية يدخنون ، يستريحون على الرصيف ….
– بضع نخلات يُرقّصن سحفهنّ في حرية …..
– برميل زبالة مقلوب ….
– سيارات تمرق بضجيج لا يهدأ ….
– هبّة هواء بارد …..
( ص / 148 )
ثمّ تقترب الذات من الخارج ، وتبدأ أولى محاولات تقليل المسافة الفاصلة بينهما من أجل إتصالهما ، وتواصلهما :
– أخذتُ حجراً ، تشرّبت يدي برودته ، صلابته ، لماذا ضممته بين أصابعي ؟ ليعيد لي إحساسي بالطبيعة .
– نظر إليّ طفل في السابعة يحمل زنبيلاً بتثاقل ظاهر ، دُهشت عيناه ، حجر باليد ودموع في العينين ، إبتسمت له ، وددتُ لو ضممته .
( ص / 148 )
وظل هذا الخارج الحميم هو مرآة الذات الكاشفة عن ما تضمره بعد أن سلبها السجن قدرة الاتصال به والتحاور مع عناصره وموجوداته ، وبعد أن ألجمتها فرحة الحرية المباغتة .
منذ البداية يختار الكاتب تفكيك ثنائية الكاتب / الراوي باستعارته إسماً مغايراً لأسمه الحقيقي ، وكأنه يريد الإيحاء بأن إباحة استخدام الأقنعة الأسمية للشخصيات تخرج مروياتهم من حدود التاريخي وتُدخلها في فضاء التخييل ، ولذلك فإنه من المفترض أن الراوي في هذا النص ليس هو الروائي ذاته فهذا التغيير في الأسماء ليس شكلياً ، بل هو تغيير في فلسفة السرد يجعل الشخصية اللغوية تتمترس وتبني وجودها داخل النص حصراً وليس خارجه ، وإن الإستعانة ب( الخارج / الكاتب ) من أجل تيسير فهم ( الداخل / الشخصية السردية ) سيعقد القراءة ويضللها ، ولذلك سأشير بدءاً من الأن إلى الصوت السردي الأساس ب ( الراوي ) بدل ثنائية ( الروائي / الراوي ) مؤكداً أن الإستخدام السابق لطرفي الثنائية معاً كان للتدليل على أن مرجعية الرواية هي مرجعية واقعية .
تجري أحداث المستوى الأول ( المتن ) في أربعة فضاءات ، والملاحظ أنه باستثناء الفضاء الأول ، فليست هناك ملامح تميز فضاءاً عن آخر ، فكل تلك الفضاءات مغلقة على مكوناتها ومعزولة عن خارجها ، والتمييز ما بين فضاء وآخر تحدده انتقالات الراوي المفارقة ما بين الفضاءات بإرادة من جهة مجهولة لم يكشف عنها كما ظلت أسباب الانتقال هي الأخرى مبهمة ذلك أن الراوي ينقل ما يدور أمام عينيه ، ولم يدّعِ قدرة سردية استثنائية على استجلاء ما يدور في غرف السجانين . إضافة إلى ذلك فهناك تغييرات في الأشخاص ( السجناء والسجانين ) وظروف السجن وطبيعة التعامل ما بين مجموعتي الشخصيات بحسب كل فضاء . وعدا ذلك فليست هناك ملامح بنيوية تميز فضاء السجن في محافظة عنه في أخرى حتى لتكاد كل الفضاءات تكون متشابهة ، ولو لم يميزها الراوي بأسمائها أو بأسماء المحافظات التي توجد فيها لما تمكن القاريء من إيجاد سوى نقاط تمييز طفيفة فيما بينها . والفضاءات الأربعة بحسب تسلسل ظهورها في هذا المستوى هي :
1 – ألفضاء الأول – فضاء الحرية : وهو الفضاء الذي عاشه الراوي في مرحلتين ، الأولى مرحلة ما قبل السجن ، والمرحلة الثانية بعد إطلاق سراحه ، وهذا الفضاء ضيق بشقيه ولا يستغرق سوى مدى محدود جداً من الزمن ، إضافة إلى إنه يستوعب البذور الأولى لسلستي الأحداث التوابع التي سبقت الإشارة إليها ، ولا يشغل من الرواية سوى الصفحات الأربع الأولى ، ثم الصفحتين الأخيرتين من صفحات المستوى الأول .
2 – ألفضاء الثاني – ألسجن في مديرية أمن البصرة : وتبدأ الملامح الأولى الفعلية والدالة لهذا الفضاء ليس من لحظة دخول الراوي إلى المبنى الأمني ، بل من لحظة التعامل معه كسجين ومُدان قبل أن يحقق معه ، وقبل أن توجه له تهمة ، أي من لحظة عصب عينيه وتكبيل معصميه ( حللت ربطة عنقي الحمراء ، ناولتها له ، أحكمها فوق عيني . ص / 10 ) وبدءاً من هذه اللحظة يكون الراوي قد اكتشف أن حريته قد حُجرت ( إذن فقد دخلتُ المعمعة من أوسع أبوابها ، دخلتها بالرغم مني . ص / 10 ) . وفي هذا الفضاء تنفتح نوافذ الماضي على فضاءات أخرى مماثلة في سجون سمع عنها ، كان قد دخلها مواطنون مسالمون ولم يخرجوا منها إلا أوصالاً مقطعة ومحفوظة في ثلاجات الموتى ، وبهذه الطريقة التخزينية العتيدة تم العثور على بقايا السجين جواد كاظم ( عرفته زوجته من ثيابه الداخلية ، كان مقطعاً أربع قطع ، ألرأس وحده ، وأحدى الكفين عند الرسغ ، والبطن خال من الأحشاء . ص / 19 ) ويتناسل هذا الفضاء عن ذكريات لأحداث مماثلة ، ويبدو أن الفضاء البصري الذي فجّر لدى الراوي شهوة التَذكار جعل كل الأحداث المتناسلة تنطلق منه ( إعتقلوا طالباً جاء يزور خاله في الزبير . ص / 20 ) ثمّ ( بعد ثلاثة أيام سُلمت جثة الخال إلى أهله . ص / 21 ) ولا يقتصر خطاب الذكريات على الراوي فحسب ، بل قد يشترك الراوي مع صاحب الذكرى في حوارية السجن التي يعاد بناؤها فنياً فتتفكك مقترباتها ونهاياتها وتتماهى مع حوارات النفس حتى ليصعب التمييز ما بين حديث المتكلم وحديث المعقب ، هكذا يتراجع الفضاء الزماني إلى الوراء ليشمل أحداثاً من فترة الحكم البعثي الأول 1963 دارت في المكان ذاته / البصرة تجسد صورة التأزم المزمن في العلاقة ما بين القوى السياسية يعرضها أحد ضحايا الخلاف وهو علي مكي ( أعتقلت في العهد الملكي ، وفي زمن عبد الكريم قاسم ، وبعد ردة رمضان المشؤومة ، لكن ما لقيته في المرة الثالثة فاق كل شيء ، لأول مرة في تاريخ العراق تربط يدا المتهم وراء ظهره وتعصب عيناه ، كنا نرى ذلك في الصحف ، إبتدعه الأمريكان في فيتنام ، وطبق أول مرة في الثامن من شباط الأسود . ص / 25 ) .

 لوحة تخطيطية بالحبر الصيني للفنان المبدع ليث الصندوق

لوحة تخطيطية بالحبر الصيني للفنان المبدع ليث الصندوق

وفي هذا الفضاء تتجسد قساوة تجربة السجن والتعذيب ، فالتقاط الصور الصادمة والمفاجئة لأصغر التغيرات الجسدية والنفسية يجد مسوغه في ضوء عدم معقولية التجربة واستثنائيتها فبدا تأثير الصدمة واضحاً على الراوي وهو يصف ما تراه عيناه من رسغه بعد رفع القيد عنه ( رأيت ما لم أصدقه لو سمعته ، كان اللحم قد تآكل ، لا بل انكمش كما لو دارت حوله سكين حادة ، وقد جمدت الدماء حول القيد بعد أن غطست تحت الجلد . ص / 30 ) . وفي هذا الفضاء الجحيمي تصبح أقل انفراجة فرحة كبرى ( حينما كانت يداي مربوطتين على الطريقة الأمريكية ، والنار تحرق الجزء الأعلى من عظامي ، لم أكن أفكر إلا في الفرحة الكبرى التي سأشعر بها حينما يفكّ قيدي . ص / 31 )
3 – الفضاء الثالث – ألسجن في بغداد : وتمثله الانتقالة الثانية للراوي ، حيث ينفتح السرد لدخول شخصيات جديدة تفتح حوارات بصيغ تساؤلات مع الراوي ألغاية منها معرفة سبب سجنه ، بيد أن تلك التساؤلات تظل بلا إجابة لأن الراوي نفسه لا يعرف سبب سجنه . وفي حين يتحاشى الراوي توجيه اسئلة مماثلة لزملاء السجن فإنه يكتفي بما يعرضونه عليه من قضاياهم ، ويبدو أن الإنكماش والضغط النفسيين المفروضين على السجين يدفعانه عفوياً إلى أن يفتح خزينة أسراره لكل طارق جديد ، ولذلك ستحفل الفضاءات التي سيدخلها الراوي بدءاً من هذا الفضاء بمرويات غريبة شتى . وفي هذا الفضاء ستأتي من طرف السجناء أنفسهم أول بارقة أمل على براءة الراوي ، فإحالته إلى هذا السجن – كما يرون – إشارة على أن مصيره لن يكون الإعدام :
( – لماذا جاءوا بك ؟ من أين أنت ؟ أتعرف أنك محظوظ ؟
– محظوظ ؟
– لأنك هنا
( ص / 44 )
وتتكرر من أكثر من سجين هذه الإشارة ( يا إبني من يأتي هنا يؤمن على نفسه من الموت ، هذه عمارة الأحياء . ص / 47 ) أو ( إن الخطرين لا يؤتى بهم إلى هنا ، وإذا جاءوا بهم لا يتركونهم يختلطون بنا . ص / 51 ) وحين يكرر السجناء على مسامع الراوي قناعتهم ببراءته – بالرغم من جهلهم بتهمته – تصبح لديه تلك القناعات يقيناً ، وتنفرج في نفسه ثغرة خادعة للأمل ، وحين يؤمن الراوي بحقيقة نجاته من المصير المشؤوم ، وإن كانت تلك الحقيقة لم تزل مجرد استنتاجات غير مؤكدة ، عندئذ ينسلخ تفكيره من الانشغال بمصيره – بعد أن بتّ السجناء بذلك المصير – ويوجه تفكيره إلى من هم وراء أسوار السجن ( لماذا رفرف طيف من الاطمئنان على قلبي ؟ إذن فسأبقى حياً على الأقل ، فعلى ضوء ما سمعت خرجت بمعجزة من أنياب الذئب ، لكن متى سيطمئن أهلي عليّ ؟ ص / 51 ) ولعل أحدى الميزات التي ميزت الخطاب في هذا الفضاء عن الخطاب في الفضاء السابق ، أنه هنا مفتوح على الاخر بما يجعل منه عرضاً لأحوال السجناء وتهمهم ولطبيعة العلاقات فيما بينهم ، إضافة لكشفه عن مستوياتهم الاجتماعية والثقافية والوظيفية ، وعنايته بالأسماء والأوصاف ، بينما انغلق الخطاب في الفضاء الأول على ذات الراوي ، وصارت كل المستويات القولية مجيرة لها . وفي ضوء طبيعة هذا الفضاء التي تمكن من التواصل ما بين السجناء ، وفي ضوء الاستقبال الحسن الذي قوبل به منهم ، وما أشاعته حواراته معهم في نفسه من أجواء الأمل والاطمئنان ، وفي ضوء التسهيلات النسبية للسجين ورفع بعض الضغوط النفسية والسلوكية عنه ، في ضوء كل ذلك تبددت الصورة الموحشة التي رسختها في ذهنه صورة سجن البصرة ( هذه جنة بالنسبة إلى موقف الأمن في البصرة . ص / 52 ) . وفي هذا السجن سيكتشف الراوي وهو يوسّع من حدود علاقاته بالسجناء ، أو هم الذين يوسعون معه من حدود علاقاتهم ، سيكتشف واحدة من الحقائق الانسانية المهمة والمجهولة ( إن كل المضطهدين سواء ، مهما كانت عقيدتهم ، يسار ، إسلام ، وطنية ، لا شك أنهم يُحسّون برابطة تجمعهم إلى بعضهم . ص / 53 ) وفي هذا السجن سيبرز خطاب الضد جلياً على ألسنة السجناء وهو خطاب متزن وموضوعي ، ويبدو أن حالة الاطمئنان إلى بعضهم قد خففت من مستويات الريبة ، فراحوا ينتقدون الدولة ورئيسها نقداً يتقصد الثغرات البينة ويتحاشى التعميم .
4 – ألفضاء الثالث – ألسجن في دهوك : وقبل التسفير إلى سجن دهوك هناك انتظار طويل يسبقه في سجن التسفيرات ، وليس أمام الراوي في هذا المكان سوى أن يراقب ، ويصف بدقة كل ما يحيط به . ففي موقع الانتظار تتغير الشخصيات بسرعة ما بين قادم ومغادر ، وقبل أن تتغير تفرغ للماكثين كل ما تُخفيه من أسرارها ، وعدا تلك الأسرار المجانية التي يهبها السجناء لبعضهم ، والتي نال الراوي منها الكثير ، هناك أسرار أخرى لسجناء لم تتح لهم ظروفهم الصحية أن يعرضوها بأنفسهم على الراوي وجدت من يتطوع نيابة عنهم لعرضها عليه ، مثل القصة المروعة للسجناء السبعة الذين كانوا يُحقنون في مستشفى السجن بحقن طبية مجهولة تسببت بتساقط شعرهم وجلودهم ، وفقدان ذاكرتهم ، وبتلف أعصابهم مما جعلهم يتبولون ويتغوطون لا أرادياً . وإن كان الحديث عن هؤلاء السبعة هو حديث عن أشخاص ما زالوا أحياءاً ، ولكنهم يُدفعون دفعاً نحو الموت السريع ، فهناك من السجناء من يفتح ملفات السجن المحفوظة في ذاكرته ليروي قصصاً عن سجناء عايشهم ، لكنهم قُتلوا أو أعدموا في السجن عمداً ، مثل الحكايات التي يرويها المحقق العدلي الشاب البصري السجين عن إعدام وزير الري ، ومقتل عريف في القوات الخاصة ( ص 78 – 81 ) . ويتحول خطاب الضد عند هذا الشاب إلى وثائق إدانة صريحة للسلطة وأجهزتها الأمنية ورجالاتها ، بل وحتى لزوجاتهم المسنودات بسلطة رجالاتهنّ في ممارسة التعذيب ضد مخدوميهم ، وهذا النمط من الشخصيات النوعية من السجناء تكفي الراوي عناء السرد ، لأنها تتكفل نيابة عنه بذلك . وفي حين اختفت تلك الشخصيات من الفضاء الأول ، يتوالى هذا النمط من الشخصيات بالظهور بانتماءاتهم الاجتماعية والثقافية والوظيفية والسياسية المختلفة بدءاً من الفضاء الثاني .
ومن موقف التسفيرات في بغداد نقل الراوي إلى الموصل ، ولم يمكث طويلاً إذ نقل إلى مكان أخر ألمح إليه عرضاً دون أن يصرّح باسمه أو موقعه ، ويبدو أنه هو نفسه لم يكن ليعرفه ( سيارة لاندكروز قادتني إلى مقري الجديد . ص / 89 ) وفي نهاية الشهر الثالث تم استدعاؤه وتسفيره إلى دهوك . وهناك سيلتقي بشخصيات نوعية جديدة ، ويتكفل هو بعرض قضاياها وتفاصيل حياتها في السجن وخارجه ، وسيظهر ثمة خيط يمتدّ نحو الماضي يربط ما بين بعض تلك الشخصيات وحوادث مماثلة من خزين ذاكرة الراوي ، وبهذه الالية يمنح السجناء الذريعة لتقليب صفحات الذاكرة ، ومباشرة رحلة الانتقالات المفاجئة من الحاضر إلى الماضي الشبيه ، ليس من أجل تقديم صورة طبق الأصل ، بل لإيجاد الفرصة لتقديم نموذج آخر له خصوصيته النوعية . وعبر خيط الوصل هذا سيجد الراوي في قضية اعتقال السجين الشيوعي فرصة لاستدعاء حادثة مماثلة من الماضي لسجين شيوعي آخر من البصرة ( ذكرني بصديق كثير الشبه به أعتقل عندما حاصرت قوات الأمن مقر الحزب في البصرة . ص / 105 ) والشبه الذي أوجد ذريعة الاستدعاء هو شبه مركب من عدة وجوه ، فهو شبه في الملامح الشكلية ما بين الشخصيتين أولاً – كما يبدو من المقبوس – ، وهو شبه في الهوية السياسية للشخصيتين ثانياً ، وهو شبه نسبي في طريقة إلقاء القبض على كليهما ثالثاً ، إضافة إلى الشبه في أسلوب تعامل الحزب الحاكم ذاته في فترتي وصوله للسلطة مع معارضيه السياسيين رابعاً ، ولكن الراوي يتوسع في سرد تفصيلات الحادثة / الشبيه ويجعلها تطغي على الحادثة / الذريعة في محاولة للتمرد على المرجع والتشبث بتقنيات التخييل ، بالرغم من أن التمرد هنا يبدو غير مسوّغ لأن المرجع في هذه الحادثة غير مشخص من قبل القاريء أصلاً ، وأنه في موقعه الحالي يبدو متماهياً مع الشخصيات اللغوية والأحداث التخييلية .
والشخصيات في هذا الفضاء لا تسرد أحداثاً فقط ، بل تقدم خلاصة تجربتها الانسانية التي تتوافق مع خلاصة تجربة الانسان أينما كان في نضاله من أجل الحرية والكرامة ، هكذا عبر السجين الذي رفض الانتساب للحزب الحاكم عن قناعته بصيغة تساؤل ( أنا أؤمن بحرية الانسان أولاً ، منذ أن وجد الانسان على الأرض وهو يريد أن يقول ، ويأكل ويفعل ما يريد من غير إكراه ، فلم الإجبار ؟ ص م 106 ) وما بين التجربة الشخصية والتجربة الانسانية ثمة رابط يجعل من الرفض الشخصي للانتساب للحزب الحاكم قناعة راسخة ، وذلك الرابط توفره المرجعيات التاريخية التي تكشف المخفي من ملفات الحزب في واحد من مراكز انتشاره الأساسية ( …. مع علمي بتاريخ هذه العصابة ، إقرأ يوميات محكمة الشعب ، الفصل الخاص بمحاكمة خليل كنة ، يتبين لك من كان من أزلامه ، ومن يقوم بأعباء الدعاية الانتخابية له في تكريت . ص / 107 ) . وفي حين تتوالى الشخصيات في هذا الفضاء بسرد مروياتها ، ويتولى الراوي أحياناً عرضها نيابة عنها بعد تحوير بسيط يتجاوز به الوسيط الذي نقل إليه تلك المرويات ، إلا أنه هناك آلية أخرى سبق أن اعتُمدت في سجن التسفيرات في بغداد حيث يتولى السجناء عرض مرويات زملائهم الأخرين الذين يعجزون لسبب أو لآخر عن الكلام أو عن التذكر ، مثل مروية الشيخ الكردي السجين الذي جاوز الخامسة والتسعين من العمر والعاجز عن الكلام والتذكر معاً جراء إصابته بالخرف ، وقد جيء به من أجل الضغط على أخيه الهارب الذي يكبره عمراً بخمس سنوات لدفعه لتسليم نفسه للسلطة ، وناقلو المروية هنا يعرفون تفاصيلها بدون أن يكشفوا عن الجهة التي أمدتهم بتلك التفاصيل ( ص / 107 ) . وفي هذا الفضاء يبرز تهافت الخطاب الدعائي الرسمي مقترناً باندلاع الحرب مع إيران ، ويتجلى ذلك التهافت في ترديد ضابط التوجيه السياسي الذي قدم للسجناء تصورات السلطة للحرب مردداً مقولات جهازها الإعلامي ترديداً آلياً نمطياً مكروراً ، بيد أن تركيز الراوي على التقاط مفردة ( كلية ) بكاف مكسورة من خطاب ضابط التوجيه السياسي ، واتخاذها ذريعة للسخرية لم يكن موفقاً ، ويحيل إلى أحكام مسبقة ذات طبيعة عنصرية تنال من مقام شريحة إجتماعية واسعة ، كما سبق ذلك الغمز على شريحة إجتماعية محترمة أخرى هي الشبك . فإذا أضفنا لتينك الملاحظتين رأيه السابق في شريحة البنائين الكادحة ، عندئذ تتعاظم حيرتنا في أسباب التراجع عن الخط التقدمي الذي عُرف به الكاتب .
وضمن الانتقالات العديدة المنضوية تحت المظلة الواسعة لهذا الفضاء جاء الانتقال إلى فضاءات فرعية شتى ، ففي البدء تم الانتقال إلى معسكر أربيل وسط مخاوف من هجمات الأنصار على الشاحنة التي تقل السجناء ، وفي أربيل لم يدم الانتظار طويلاً حتى توجهت شاحنة السجناء تتبعها قافلة عسكرية إلى كركوك ، ومنها إلى السليمانية في جولة عابثة ألهدف غير المعلن منها هو تحويل شاحنة السجناء إلى طعم مجاني للأنصار . وفي هذا الدوران العابث وما رافقه من جوع وامتهان كانت ثمة انتكاسة ذهنية طرأت على الراوي وفصلت ما بين مرحلتين من السرد ، مرحلة سابقة وأخرى لاحقة ، بينهما لحظة مقطوعة تتضمن نصاً غائباً ، ولعل التمهيد للنص السابق جاء معبراً عن عدم القدرة على استنفاذ طاقات الذهن في بناء صياغات لغوية مترابطة ، واللغة هنا هي معيار التواصل السليم مع العالم الخارجي ( كنت أسمع الجملة فأفهمها ، لكني لا أقدر أن أربطها بسابقتها أو لاحقتها ، تلك القدرة على ربط الأشياء ماتت عندي ، ثم أخذت أفقد كافة مشاعري . ص / 124 ) أما النص اللاحق فيضع حداً لأزمة الراوي ، ويصبح استعادة قدرته على استخدام اللغة هو دليل استعادته لسلامته الذهنية ( كم بقيت فاقداً لوعيي ؟ لا أدري ، لكني بدأت أمسك بعض الكلمات . ص / 124 ) وما بين النصين السابق واللاحق يظل النص الوسطي غائباً ومفقوداً في ضوء تعطل حواس الراوي وغيابه عن العالم المحيط ، ولكن حالته الصحية المتردية سرعان ما تتناسل عن نصوص غائبة أخرى ، إذ تتكرر حالة غياب الوعي للمرة الخامسة أثناء التحقيق مخفية معها في كل مرة نصها الغائب ، ولكن النص الغائب الذي رافق نوبة غياب الوعي الخامسة ، لم يكن غائباً تماماً بل كان مغيّباً إذ كان وعي الراوي لم يزل متأرجحاً ما بين منطقتي الغياب والحضور ( كنت لم أزل صاحياً عندما حُملتُ من يديّ ورجليّ . ص / 128 ) . ومع انتهاء الفصل الموسوم ( وجه آخر للألم ) وهو الفصل ما قبل الأخير من المستوى الأول / السجن تكون ملامح براءة الراوي قد بانت ، وتغيرت معاملة السجانين له ، وتوقفوا عن التحقيق المهين معه ، وكفوا عن إلباسه كيساً في الرأس ، ونقل إلى زنزانة أكبر .
مع الفصل الأخير من المتن الموسوم ( عودة الأمل ) يتحرر الراوي من انغلاقه داخل خطابه الذاتي بشكل شبه تام ، ويتفرغ لسرد مرويات السجناء ، والتعليق عليها ، وهذه التعليقات تستدرج الراوي أحياناً خارج دائرة السجن مستدعية أحداثاً تؤكدها كما حدث في التعليق على التقارير التي يرفعها الحزبيون ضد بعضهم وضد الأخرين والذي انتهى باستحضار ثلاثة أمثلة من خارج السجن لتأكيد صحة التعليق ، ولم تكفِ الأمثلة على تأكيد صحة التعليق بل دعمها رأي من سجين آخر على نسبية السلوك السياسي مما يعد في المحصلة النهائية تأكيداً على صحة تعليقات الراوي ( ص 144 – 145 ) . والسرد في فصل المتن الأخير يتسم بالسرعة والتفصيلات الخاطفة ، فقد حانت ساعة إطلاق سراح الراوي ، وعليه تغطية مرويات أكبر عدد من السجناء خلال المدة القليلة المتبقية ، كما تتسم لغة الخطاب بنبرة وعظية صارخة وواثقة لا تخلو من رغبة بالانتقام ، تستعيد ظروف السجن وقساوته وتقترح سلوكاً بديلاً لمواجهة ظروف اعتقال مماثلة ربما يتعرض لها مصادفة مرة أخرى ( كيف ؟ ومتى ؟ وأين سأضرب ضربتي ، أضرب من أهان كرامتي وأذلني وأذلّ أطفالي واغتصب إنسانيتي دون سبب ، لمجرد أنه اغتصب السلطة ليلة نامت فيها عيون الشعب . ص / 147 ) .
ألمستوى الثاني :
يبدأ المستوى الثاني بالتشكل تاريخياً بعد عام 1981 ، ومكانياً في بغداد ، وسردياً بموضوعة أخرى لا علاقة مباشرة تجمعها بموضوعة السجن ، بل بتسريب مخطوطة السجن إلى خارج العراق والبحث عن ناشر لها ، ويتكون هذا المستوى من سبعة فصول هي ( قصة مخطوطة ) و ( أزمنة ) و ( بوخضور ) و ( وجه آخر للوطن ) و ( حدث في التسفيرات ) و ( الجزائر ) و ( ضياع آخر ) ومع ذلك ففي هذا المستوى الذي تبدو ملامح تميزه واستقلاله جلية يتخذ الراوي من حادثة تنازله عن فصول من المخطوطة / المتن تتعلق بالرئيس العراقي السابق – نزولاً عند طلب أحد المسؤولين في إتحاد الكتاب العرب بدمشق – كشرط لطبع المخطوطة ، يتخذ منها ذريعة لكسر مسطرة الزمن والعودة إلى أحداث المستوى الأول – المتن لاستعادة أحداث كان قد تخلى عنها من فضاء سجن التسفيرات في بغداد كما في الفصل الموسوم ( حدث في التسفيرات ) وهذه التفاتة ذكية كسرت نمطية آلية الاسترجاع التقليدية ومنحت هذا المستوى الحيوية والتنوع . ومن أجل تحقيق الهدف المركزي للراوي بالعثور على دار نشر تتكفل بنشر المخطوطة سيتم التحرك في مسارين محددين ومتعاقبين ( دار أزمنة في عمان ، واتحاد الكتاب العرب بدمشق ) ، دون أن يفلح الراوي في إقناع كليهما بنشر الرواية ، ويبدو أن أسباب الإحجام كانت ذاتها لدى الطرفين وهي لا تتعدى الحذر من مادتها السياسية الملغومة .
ألمسار الأول : تمثله دار أزمنة للنشر في عمان ، وهو مسار ضيق اقتصرت فيه علاقة الراوي بشخص واحد ، ولم تتسع دائرة الأحداث لأكثر من لقاء واحد بينهما انتهى برفض بارد يُخفي تحت بروده أسبابه الساخنة ، وبذلك يكون قد تبين من البداية بأن هذا المسار كان مغلقاً .
المسار الثاني : يمثله إتحاد الكتاب العرب بدمشق ، والوصول إلى هذا المسار مر عبر علاقة شفافة بشخصية ثقافية مهمة ومغمورة في ذات الوقت ( عبد الرحيم الشلبي ) وهذه الشخصية هي من نوع الشخصيات المغلقة على حد تعبير الكاتب الانكليزي فورستر وقد ترجمها الدكتور مرسل فالح العجمي ( 10 ) بألشخصية النامية ( وتمتلك هذه الشخصيات تعددية في الحياة داخل الرواية ) ( 11 ) فهو شخص موهوب متعدد الاهتمامات يجيد اللغة الفرنسية كأهلها ، تضطره ظروف الحياة القاسية للتفريط بمواهبه في الكتابة والترجمة لبيعها للأخرين . وبالرغم من أن كل ما ورد من تفاصيل حياة هذه الشخصية جاء على لسان الراوي وبصوته إلا أنه ليس بالامكان الإدعاء أن التبئير هنا من المستوى الصفري الذي تصبح فيه معرفة الراوي بشخصياته أكثر من معرفتهم هم بأنفسهم ، لأن الراوي يتناول بصوته الخاص الجانب الخارجي من الشخصية ، ولم يخترق أعماقها على طريقة الراوي العليم ، ولذلك ظل حديثه عنها حديثاً بالنيابة ، متوسطاً ما بينها وبين المروي له بعد أن حذف كل ما يشير إلى ذلك التوسط ، وألغى المسافة ما بينه وبين الشخصية ، وجعل خطابها يتماهى مع خطابه عندما تبنماه ، أو عندما أطره ضمن خطابه الخاص . وتتكرر هذه الطريقة في النقل عن بعض الشخصيات سواء في هذا المستوى أو المستوى الذي سبقه حتى لتصبح إحدى سمات الراوي التي جعلت منه بؤرة للأحداث ، ومحركاً للشخصيات مع فارق أن حديثه عن الشخصية الثقافية الإيجابية المستقلة ( عبد الرحيم الشلبي ) بدا وكأنه ينطلق من معرفة الراوي الخاصة في ضوء الاستغناء عن الإشارة إلى المرجع ، ولكنه في الحديث عن شخصيات المستوى الأول كان كثيراً ما يشير إلى الجهة التي يتلقى عنها معلوماته .
أن الوصول إلى هذا المسار انتهى بعلاقة أخرى نقيض مع شخصية ثقافية مقنّعة ( بوخضور ) هي من نوع الشخصيات المسطحة على حد تعبير فورستر أيضاً ، وهي شخصية أحادية الملامح تطغي عليها سمات النظام السياسي الذي يعمل من داخله ، بما يساهم في محو ملامحها الشخصية أو تسطيحها ، فمهمتها التي تكتسب منها ملامحها الشخصية هي مهمة رقابية تتلخص بتطبيق موانع ومحددات النظام السياسي على النصوص الابداعية ولذلك يسهل تشخيص هذا النوع من الشخصيات بعد أول تعامل فعلي مباشر معها ( فالفائدة الكبيرة الأولى للشخصية المسطحة هي سهولة تمييزها عند ظهورها ، تميزها عاطفة القاريء لا العين الباصرة ) ( 12 ) إضافة إلى أن انحباس هذا النمط من الشخصيات ضمن البعد الواحد ألمعبر عنه عند هذه الشخصية بالالتزام السياسي وما يفرضه من انغلاق على قواعد العمل التنظيمي المفروضة من قبل السلطة الحاكمة على قواعدها ، أقول إن انحباس هذه الشخصيات ضمن البعد الواحد ( يسهل التنبؤ بتصرفاتها المستقبلية ) ( 13 ) وبذلك كان من اليسير لأفق توقع القاريء أن يستبق الراوي ليتنبأ بردود أفعال هذه الشخصية مقدماً ويرسم أبعاد المعوقات المحتملة التي سيضعها في طريق طبع المخطوطة . إن وجود الشخصيتين المتناقضتين ( الشلبي وبوخضور ) على مسافات متقاربة من الراوي يمثل إحدى المفارقات السردية لهذا المستوى ، وربما كانت هذه المفارقة من ضمن أدوات الكاتب للتمرد على النموذج الواقعي الجاهز وتفتيته باستخراج النقائض من داخله ووضعها في طريق الراوي الذي عليه اختيار الأدوات السردية المناسبة لإدارة العلاقة معها ، ولا عجب أن تتباين الأفعال وردود الأفعال تبعاً لتباين طبيعتي الشخصيتين ، ففي حين ظلت العلاقة ذات طبيعة رسمية بين الراوي والشخصية المسطحة وذات اتجاه واحد ( من الأول إلى الثاني ) فتلك الشخصية هي التي تأمر وتطلب ، والراوي هو الذي يلبي أملاً في حصول الموافقة على طبع المخطوطة ، بينما اتسمت العلاقة مع الشخصية النامية أو المغلقة بالتعاطي المتكافيء والأخذ والرد ترافق ذلك متابعة من الخارج لحياتها المتقلبة والمتمردة والمستقلة تعكس علاقة الاحترام الذي يكنه الراوي لها .
بدءاً من الفصل الموسوم ب ( حدث في التسفيرات ) يخفّ ويخفت ارتباط هذا المستوى السردي بحدثه المركزي / المخطوطة ، حيث يستعين الكاتب بآلية جديدة لاسترجاع الماضي متخذاً من أحد الشروط التي وضعها بوخضور أمامه من أجل طبعها وهو أتلاف كل ما ذكر فيها عن الرئيس العراقي السابق . وبما أن بوخضور تنصل عن وعده بعد أن لبى الكاتب هذا الشرط ، لأنه فوجيء برفض الكاتب لطلب أخير مفاجيء هو العمل مع الأجهزة الأمنية السرية السورية . ومع تنصل إتحاد الكتاب العرب من طبع المخطوطة صار لزاماً على الراوي أن يعيد كتابة الفصول الحذرة المحذوفة منها مستخرجاً من ذاكرته ما أتلفته يداه ، عندئذ بدأ مرحلة النبش في طبقات الماضي موصلاً سردية المستوى الأول بسردية هذا المستوى ليكون هذا الفصل ( حدث في التسفيرات ) موزعاً ما بين المستويين ، فبدايته أو الصفحة الأولى منه تنتمي للمستوى الثاني ، بينما كل صفحات الفصل الأخرى تنتمي إلى المستوى الأول مستدعية أحداثاً وشخصيات من سجن التسفيرات في بغداد ، ولعل الرابط ما بين المستويين هو أن الحدث الإطار لهذا الفصل ينتمي إلى سلسلة الأحداث التي تدور حول شخصية الرئيس العراقي السابق والتي اشترط بوخضور حذفها من المخطوطة .
ومع الفصل الموسوم ( الجزائر ) الذي يعقب ( حدث في التسفيرات ) تكون الأصرة ما بين أحداثه من جهة ، والحدث المركزي / المخطوطة لهذا المستوى من جهة أخرى قد خفت تماماً ، وصار الحدث / الإطار للفصل الجديد هو الانشغال بتفاصيل رحلة فاشلة إلى الجزائر للبحث عن فرصة عمل تعويضاً عن الإخفاق في طبع المخطوطة . ولكن رحلة الجزائر تنتهي بالفشل في بدايتها ويواجه الراوي بمعاملة مبهمة هي غاية في السوء من سلطات المطار تضطره للعودة إلى دمشق .
ألمستوى الثالث :
ليس لهذا المستوى علاقة بموضوعتي المستويين السابقين فهو مستوى سياقي بامتياز مخصص للراوي أو لتاريخه الثقافي والوظيفي ، ويشغل الفصول ( الحلقة الأخيرة / بداية أمل / ألحياة تحت القصف / ألنشر / الإمارات ) ، إتسمت إيقاعية السرد في هذا المستوى بالتسارع ، وتجاوز التفصيلات الدقيقة . وعبر هذا المستوى يعود الراوي إلى البذور الأولى لتشكل وتطور مروية وارد بدر السالم التي كان قد تناولها من الوراء مبتدئاً من خاتمتها بدمشق في سردية المستوى الثاني ، وقد تكرر ذكر هذه الشخصية ( 23 ) مرة في المستويين سواءاً بالإسم الثلاثي أو بالأسم المفرد ، وهذا العدد من التكرارات يمنحها القدرة على الانبساط أفقياً بما يجعلها شخصية فاعلة ، ولكن فعاليتها تقترن بدورها السلبي الذي حُبست فيه . وهي شخصية معروفة أدبياً ، وذكرها بإسمها الصريح ينفي وقوعها تحت ضغط التخييل ، أو احتمال بنائها بناءاً لغوياً صرفاً ، بالرغم من أن وضع بنية تاريخية ضمن نظام إشاري رمزي يجردها من تاريخيتها ، ويضفي عليها ملامحه الرمزية . لقد عملت هذه الشخصية – كما يقول الراوي – من أجل تحطيمه ، وهو ادعاء لم يفلح على ما يبدو من الخروج من دائرة الإفتراض ، وظل مجرد شكوك نسجتها المخاوف ، فكل القرائن المقدمة لم ترق إلى مستوى الإقناع ، ويبدو أن هذا الرأي لم يغب عن دخيلة الراوي ذاته ، ولذلك لم يبنِ عليه موقفاً قاطعاً تجاه وارد ، فقد التقاه بعد مرحلة التحطيم المفترضة مصادفة في دمشق ، دون أن يبدر منه أي تحامل عليه ، ودون أن يفتح أمامه سجلات الشكوك القديمة . وهنا أشير إلى أنه بالرغم من تهافت تلك الشكوك ، وعدم ارتقائها إلى مصاف اليقين إلا إنها قدمت خدمات بنائية للنص وللشخصية معاً ، إذ ساهمت في توسيع مساحات المتخيل ، وأخرجت الصورة الجاهزة للواقع من إطارها النمطي لتضفي عليها الواناً من المفاجآت ، وبذلك تكون سلبية الشكوك قد استُثمرت إيجابياً في إخراج الشخصية من واقعيتها المرجعية وأخضعتها لقوانينها الإحتمالية الخاصة من أجل إعادة إنتاجها . ولكن للحقيقة وجه آخر ينبغي الإقرار به ، فالخدمات التخييلية التي تقدمها للنص الشخصيات الواقعية المعاد إنتاجها لغوياً قد تشكل إساءة لتلك الشخصيات بمنظار الواقع ، ومن حق تلك الشخصيات عندئذ أن تعترض مدافعة عن شخصيتها التي تعرضت ل ( فلترة ) قسرية ، وعن صورتها التي تعرضت لإعادة إنتاج .
إن البحث عن الجذور الأولى لتشكّل مروية هذا المستوى ربما يحيلنا إلى مروية السجن ( المستوى الأول ) وكذلك مروية المخطوطة ( المستوى الثاني ) اللتين ربما تكونان قد مهدتا معاً لنشوء مروية المستوى الثالث حيث تجتمع فيه معاً حكايات السجن وحكايات الكتابة لتشكلا معاً ثنائية ضدية ، طرفها الأول / السجن يحيل إلى الإكراه والقسر ، بينما طرفها الثاني / الكتابة يحيل إلى الحرية والانعتاق عبر الكلمة بالرغم من أن حوادث التوقيف والسجن في هذا المستوى لا علاقة لها من قريب أو بعيد بحادثة السجن التي أطرت المستوى الأول ، والشيء نفسه أيضاً يقال عن مخطوطات النصوص الإبداعية القصصية والروائية التي يتحدث عنها الراوي في هذا المستوى – والتي خطا معها أولى خطواته في عالم الأدب منذ الخمسينيات – حيث لا تجمع تلك الموضوعة ثمة علاقة مع مخطوطة المستوى الثاني .
من الواضح أن منطق الصراع هو الذي يحكم العلاقات في هذا المستوى ما بين الراوي والشخصيات الذين هم إما أن يكونوا مدراء مدارس أو معاونيهم أو مدرسين أو طلاباً ، خصوصاً عندما كان الراوي لم يزل عاملاُ في مجال التدريس ، وأما أن يكونوا من عناصر الأجهزة الأمنية . وتخفت حدة هذا الصراع عندما انتقل الراوي للعمل في المجال الإداري ، ويبدو أن سمتي الشفافية والاستقلالية اللتين وصمتا سلوكه هما اللتان جعلتاه مختلفاً وسط مجتمع المدرسة شبه المتجانس أيدلوجياً ، والذي كان من أكثر المجتمعات المدنية خضوعاً لضغط العقيدة السياسية للنظام يومذاك .
ألمستوى الرابع :
ويشمل هذا المستوى الفصل الأخير الذي عُرّف بكونه ( ملحق خاص ) وحمل عنوان ( حجي وشيخو ) وتتأتى خصوصيته من كون مادته قد جاءت تعقيباً على جملة وردت نقلاً عن المواريث اللفظية الاجتماعية في نص المستوى الأول تنال من سمعة شريحتين إجتماعيتين كادحتين هما السواق والعربنجيّة ، وحسناً فعل الكاتب حين حدد في مقدمة الفصل موقعه الرافض من هذا النمط من المواريث اللفظية بتساؤله الذي وصمها بالتخلف ( ولست أدري أبقيت تلك النظرة المتخلفة أم زالت ؟ . ص 257 ) . ويشمل هذا المستوى أيضاً تعقيبات الكاتب التي جاءت تحت عنوان ( هوامش ) ، ولعل أغرب ما في الهوامش أن الكاتب تبنى في بعضها ما كان قد أدانه في الملحق الخاص من ( الأحكام والأمثال والقصص من دون تدقيق . ص / 257 ) ويتجلى ذلك خصوصاً في الهامش رقم ( 18 ) الخاص بمحسن الحكيم الذي يكاد يخلو من معلومة تاريخية موثوقة وصحيحة .
مما سبق يظهر أن أساس بنية هذا المستوى ليس من مادته وإنما من المستويات الثلاثة السابقة عليه ، فهي شروحات وتوضيحات لألفاظ وصيغ وأراء وأفكار سابقة ، ولكن بعضها في الحقيقة شروحات وتوضيحات غير مكتملة أو ربما غير صحيحة هي أيضاً بحاجة إلى شروحات أخرى تُكملها ، أو تصويبات تقومها . وباستثناء ( ألملحق الخاص – حجي وشيخو ) ألمعاد بناؤه سردياً من موروثات متداولة شفاهياً على المستوى الشعبي ، فإن القسم الثاني من هذا المستوى ( الهوامش ) ليس سردياً بالرغم من وجود بذور سردية فيه متداخلة مع الحقائق التاريخية ، إلا أن هذا التداخل اساء للتاريخ ولبعض رموزه كما في الهامش المشار إليه أنفاً وكذلك الهامش ( 33 ) . إن هذا النوع من النصوص التوضيحية المشحونة بضغائن موروثة يثير الحساسيات ويُفجر ضغائن متبادلة ولا يساهم في تيسير ما غمض من النصوص ، بل يعقدها بأن يضيف إليها تعقيدات من مجالات أخرى غير أدبية . وبالعموم فإن هوامش الكتاب بحاجة لإعادة تقويم منهجية يُنتزع عبرها الكاتب من نصوص التاريخ ثمّ يُترك البحث فيها للعلم والوثيقة ، فالهوامش – أية هوامش – ليست مجالاً للمخيلة الحرة ، بل هي أداة الحقيقة في سد ثغرات النصوص .

هوامش : 

( 1 ) انا الذي رأى – محمود سعيد – دار الهلال – ألقاهرة – 2006

( 2 ) سحر السرد – دراسة في الفنون السردية – سعد محمد رحيم – دار نينوى / 2014 ( ص / 17 ) .
( 3 ، 4 ، 5 ) شعرية الرواية العربية – www.bettna.com/artica/s/rt/f1.htm
(6 ) الأمل – اندريه مالرو – ت . فؤاد كامل / دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد ( غير مؤرخ )
( 7 ) نجمة أغسطس – صنع الله ابراهيم – منشورات اتحاد الكتاب العرب – دمشق 1974
( 8 ) ألتحليل النصي – رولان بارت – ت . عبد الكريم الشرقاوي – دار التكوين – دمشق ، ومنشورات الزمن – المغرب – 2009 / ص- 28
( 9 ) نفسه – ص / 54
( 10 ) الواقع والتخييل – أبحاث في السرد تنظيراً وتطبيقاً – د . مرسل فالح العجمي – ألمجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب – 2014 ( ص 35 )
( 11 ) أركان الرواية – إ . م . فورستر – ت . موسى عاصي – جروس برس – لبنان – 1994
( 12 ) نفسه – ص / 61
( 13 ) الواقع والتخييل / ص – 54


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"