تابعنا على فيسبوك وتويتر

osam-alkudsi1أفواجا أفواجا يخرجون .. يملأون المدينة .. يتسربون الى مفاصلها من غير أن يشعر بهم أحد .. ففي الشوارع يتسكعون على غير هدى .. وفي المقاهي يتسللون كالدخان يمتصون خراطيم النراجيل ويتهامسون. وفي الساحات ينتظرون الذي لا يأتي ولا يأتي وفي الأسواق يدورون يتظاهرون بالبحث ويحدقون بالنساء ويفعلون ،خفية، الأعاجيب ..وعلى الشاطئ يصطادون السمك ويتأملون النهر ، وحين يأتي المساء يزحفون الى البارات يكرعون كؤوس الخمر ويتجشأون . وآخر الليل ينامون على الأرصفة ، وفوق أرائك المقاهي ، وفي الأماكن المهجورة. بالأمس استباحوا بيتي واستولوا على مقتنياتي وسرقوا نقودي واتخذوا من زوجتي خليلة يقاسمونها الفراش … شرانق تفتقت عنهم ، نسخا مني بل صورا طبق الأصل ..ليس لهم وجود في السجلات الرسمية ، ولا حضور يذكر لدى الآخرين لأنني الأصل وهم الظلال وأنا الحقيقة وهم الوهم ..
كان في داخل السيارة الكبيرة الواقفة في ساحة المرآب العمومي ، عدد من الركاب. كانوا بحالة ترقب ، ينتظرون ركابا آخرين يصعدون إليها حتى تمتلئ ، لتنطلق بهم .كنت عائدا من سفري أجلس في المقعد الأخير الملاصق للنافذة ، أفكر برحلاتي المفاجئة ، تكلفني بها الشركة التي اعمل فيها ، فما أن تظهر مشكلة ما في أحد فروعها حتى أرى المدير يقف فوق رأسي يستعجلني السفر فأشد الرحال لأتقصى الحقائق وحالما أعود اجلس الى مكتبي أعد تقريرا عنها وأضع المقترحات والحلول ، كنت مشغول البال ، يقطع سلسلة أفكاري ،بين الفينة والأخرى قروي يجلس إلى جانبي ، بكلمات ساذجة فجة معلقا على ما يراه من حوله أو يثرثر متذمرا من الانتظار. وحانت مني التفاتة الى خارج النافذة فاصطدم بصري بامرأة عجوز تتلفع بعباءة بالية ذات وجه كالح ، ابرز ما فيه ، شفتان ممصوصتان وعينان ذابلتان كانت تمسك بزجاجة صغيرة وتعرضها أمام ناظري..
قلت مبتسما: ـ ما هذا .. ماء عكر .؟
قالت بنبرة استجداء : ـ بل دواء مجرب .. مفعوله أكيد..
ـ ولأي مرض يوصف .!!
فاجأها السؤال فأعياها الرد صمتت لحظات ثم قالت :
ـ دواء لكل داء .
انتبه القروي الى ما يدور بيننا فأقحم نفسه بدون استئذان وقال يخاطبني :
ـ انه ” طب عرب ” يا أستاذ ، يفيد للروماتيزم ووجع الظهر .. والمجاري البولية ..وحصى الكلى..
وخفض صوته وأضاف: ـ كما يقوي الظهر، ويزيد الفحولة .
قلت ضاحكا: ـ إذن هو دواء سحري .!!
تشجعت المرأة : ـ جرعة منه ، وترى النتيجة ..
أردت مساعدة العجوز البائسة ، فتناولته منها ودفعت لها ، مبلغا زهيدا ، ثمنه . أخذت النقود وابتعدت مسرعة حتى اختفت وسط زحام المرآب .. في طريق العودة الى البيت ،تسرب الشك الى نفسي فسخرت مما قالته المرأة ومن عبثي ، إذ كيف لرجل مثلي في الأربعين، متعلم ، خبر الحياة ، يجازف بشراء زجاجة دواء لا يعرف له اسما ولا ماهيته فيقع فريسة احتيال عجوز جاهل .. وكدت أرمي بالزجاجة من نافذة السيارة، ولكنني عدلت عن ذلك ، هاجس غريب راودني ودفعني للاحتفاظ بها.. حين وصلت الى البيت كنت مرهقا ، ملبدا بالغبار والعرق ، انشد الراحة والاسترخاء فدخلت الحمام مباشرة . وضعت الزجاجة على حافة شباكه الصغير ، تأملتها برهة ، وابتسمت للرغبة المجنونة التي دفعتني لشرائها .. وقبل أن ارش جسدي بالماء أخذت أفكار شتى تراودني فكنت أفكر بتأخري عن موعد زيارة أبي وأمي كما اعتدت أن افعل ، وانجاز بعض الأعمال المنزلية ، ورؤية الأصدقاء. كنت اقلب في رأسي أمورا جمة وبالوقت نفسه أصغي لصوت زوجتي، يأتيني من الخارج ، وقد أسعدتها عودتي ، كانت تحدثني عن زميلاتها في العمل وموعد إجازتها السنوية ، وعن نيتها في تغيير طقم الصالة والستائر وتوقفت عن الكلام برهة ثم واصلت بنبرة ذات مغزى:
ـ كما أود تغيير أثاث غرفة النوم لعل يحالفنا الحظ فننال قسطا أكبر من الانسجام . .
كانت زوجتي تلمح لأوقات تغيبي بغتة ، بدون أن اخبرها في بعض الأحيان، وتشير بطرف خفي الى لحظات ضعفي بسبب الإرهاق الذي الم بي في الفترة الأخيرة وتوترها وحرمانها . فمثل أمامي هذه اللحظة الرجل القروي ونصائحه واسترجعت ما قالته المرأة العجوز عن الدواء وفعله العجيب في شفاء كل داء وشعرت بآلام الظهر تنتابني وأنا اجلس على حافة الحوض فنهضت ورفعت الزجاجة وأخذت أتفحصها وتيقظ داخلي ذلك الخيال الجامح الذي يحوم حول أسرار غامضة محاولا اكتشافها وتنبهت روح المغامرة التي كانت لدي يوما ما وصدئت جراء أعباء المسؤوليات وفوضى الحياة، فأدنيت الزجاجة من فمي ثم تناولت جرعة منها.. وجلست انتظر.. وتسلل إلي شعور بالقلق والخوف “ربما سأصاب بمرض ما .. أو تظهر علي أعراض غريبة “كما فكرت عكس ذلك” ماذا لو أعاد لي الدواء عافيتي .وفحولتي.. .؟؟؟” . ولم تمض دقائق حتى بدأت أحس الغثيان، ومغصا يحرث معدتي ، وألما حادا يمزق أحشائي ، ثم تقيأت فاندفعت من فمي شرنقة صغيرة واستقرت على الأرض . ظللت أراقبها فزعا وإذا بالشرنقة تتحرك فوق بلاط الحمام ثم أخذت تتفتق عن جنين أخذ ينمو بسرعة جنونية، ليصبح طفلا يجثو على ركبتيه ،ثم صبيا ثم شابا يافعا غدا رجلا ، ثم كهلا في الأربعين. أمسكت بمقبض باب الحمام لأفتحه واهرب. ولكنه رفع رأسه ببطء نحوي والتقت نظراتنا فأصبت بالذهول ، كان الرجل يشبهني تماما، بل صورة طبق الأصل مني حاولت أن استرد أنفاسي اللاهثة :
قلت : ـ من أنت .؟
أجابني بتحد : ـ أنا سيد هذا البيت .
قلت : ـ ليس للبيت إلا سيدا واحد ..هو أنا .
ـ بل أنا .
ـ أنا الأصل .
فقال باستخفاف : ـ أنت رجل كهل يأكلك المرض .
ـ وأنت صورة مني .
ـ أنت مخطئ ، فانا وان كنت أبدو كهلا مثلك ، إلا أنني شاب تماما ، لم أكابد الحياة بعد..
قلت : ـ ومع هذا ، أظل أنا الحقيقة لدى الآخرين .
صمت طويلا وقال بعد تفكير : ـ ليس من صالحنا أن نكون ضدين متناحرين، فلابد من حل عادل يرضي الطرفين .
قلت : ما هو.؟
فعاد يفكر ثم هتف قائلا : ـ لم لا نتقاسم الحياة بيننا.
ـ فكرة صائبة ..ولكن كيف .؟
ـ أظهر أنا حين تكون أنت غائبا .
وأكملت : ـ وتختفي حالما أحضر .. حل لا اختلاف عليه .
وتذكرت أمرا مهما فقلت : ـ بشرط .
ـ لا شروط بيننا.
قلت بإصرار : ـ لا تقرب زوجتي ..ولا تحاول مغازلتها .
قال وهو يتهيأ للانصراف : ـ لا أعدك بشيء فهي مثيرة حقا ..ولكنني سأحاول ما استطعت….والآن وداعا .
واختفى بلمح البصر . لبثت برهة يعتريني الاضطراب أحاول أن استعيد هدوئي وارتب أفكاري ، فلا زلت أأمل أن يكون الأمر محض كابوس ما أن استفيق منه حتى يتبدد. ولكن وجود شخصي الآخر هذا كما أرى، حقيقة مؤكدة لا استطيع إنكارها كما ليس لي منها مهربا . في الصباح أفقت على صوت غلق الباب فأدركت وأنا لم أزل في الفراش أن زوجتي قد غادرت الى عملها . ومازال على موعد مغادرتي كثير من الوقت فعدت الى النوم من جديد. ولكن طنينا حادا في أذني ، يخترمها كالأزميل ، أيقظني بعنف. فتحت عيني فوجدته يجلس قربي على السرير بادرني قائلا: ـ آن لك أن تغادر .
ـ لم يحن موعد خروجي بعد .
قال ـ الوضع تغير الآن …
قلت مستنكرا : ـ أتطردني .!!
ـ معاذ الله .. ولكنني أريد أن أتفحص بيتي وأرعى شؤونه مثلما تفعل أنت.
ـ حسنا .. ولكن مثلما اتفقنا لا أريد رؤيتك عند عودتي.
قال مؤكدا : ـ لا تقلق .. سأكون حريصا على تنفيذ الاتفاق الذي بيننا…
في الدائرة كان على مكتبي بعض الملفات . وكنت اجلس أمامها ساهما شارد الذهن تلازمني كآبة وشعور بالقهر.. وفي البيت حين عادت زوجتي من عملها ، ودخلت المطبخ خرجت مسرورة :
وهي تردد: ـ كنت على يقين من أن لك مواهب لم تكشف عنها بعد .
سألتها مستغربا: ـ كيف .
ففاجأتني قائلة : ـ أصلحت سخان المطبخ بمهارة ….
قلت بارتباك : ـ آ..أجل ..أجل .
ـ وفتحت ماسورة صرف الماء .
أدركت مما قالته أنني ليس المقصود بالإطراء فشعرت بالارتياح مثلما شعرت بالغيرة والانزعاج ولكنني ابتسمت:
ـ هكذا سيكون ديدني من الآن فصاعدا .
ولما اختليت بنفسي تولاني الفزع فقد خشيت أن يتمادى قريني هذا ويصادر حقوقي ويحل بدلا مني في شؤوني الأخرى.. وحصل ما خشيته إذ بعد فترة دخلت مكتبي فرأيت أعمالي المؤجلة في خزانتي قد أنجزت .ورن جرس هاتفي كان المتحدث أمي قالت بصوت دافئ حنون :
ـ قبل يومين غادرتنا ولم تأخذ حصتك من تمر النخلة .
قلت : ـ شكرا لك يا أمي .. سآتي بأقرب فرصة .
وفي المقهى الذي اجلس فيه بعض الأوقات هتف بي صديقي الحميم متحديا وهو يبسط أحجار الدومينو على الطاولة أمامنا: ـ البارحة كانت الغلبة لك أما اليوم فهزيمتك مؤكدة.
لقد كان بديلي هنا واحتل دوري واستحوذ على اهتمام أبي وأمي وجير صداقاتي لنفسه . فتقبلت الأمر على مضض . ولكن حين رأيت زوجتي تستعيد نضارتها وتفاؤلها . وتحدثني عن فحولتي التي تيقظت فجأة ، طفح بي الكيل ، وقررت أن أواجهه وأضع نهاية للمهزلة مهما كان الثمن .بحثت عنه في أرجاء البيت فلم أجده . وحين اقتربت من غرفة المخزن القديم سمعته يتأوه ويلعن . دخلت عليه فوجدته يتقيأ شرانق، تملأ ارض الغرفة. عشرات بل مئات من الشرانق ، كانت تتفتق وتتحرك على أرضية المخزن ، صعقت ووليت الأدبار.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"