تابعنا على فيسبوك وتويتر

hamed sarmak 2أولاً: شرط الجمال؛ القيمة في الفن:
إنتهينا في الأبحاث السابقة إلى أن الجمال صفة ديناميكية متطورة قابلة للتغير والتحول، وتتطلب، لتوليدها أو إبقائها ثابتة، عملية صعبة ترتكز على وعي وإرادة صلبة للبقاء في صراط الجمال وعدم الاستسلام للإغراءات سواء من ناحية الترهيب أو الترغيب للإنزواء عن نهج الحق والخير إلى جادة الباطل والقبح والشر.
وكان مدار الحديث حول تعيين دقيق لماهية الجمال ولم يكن ذلك ممكنا إلا بالوصول إلى أسس صارمة تعيننا على فصل مفهوم الجمال عن مفاهيم أخرى قريبة منه ومن الممكن تداخلها معه، وهذا هو الحاصل بصورة عامة، مما يؤدي إلى تداخل المفاهيم والانحراف بمفهوم الجمال عن مجاله الحقيقي. فكان المطلب الأول هو تعيين المفهوم الجمالي ثم فصله عن المفاهيم الباقية.
وقد توصلنا إلى أن الجمال الحقيقي يتمثل في قيام الشيء بتمام وظيفته من منطلق موافقته لمفهومه الحقيقي، مما لابد أن يؤدي إلى الخير. بمعنى أن الجمال فعل وسلوك وصيرورة(*1) الحق للوصول إلى الخير. ولا يتحدد الخير بنتيجة الفعل بل إن الفعل ذاته “أي الجمال” هو الخير بالذات لما يحققه من كمالات لذلك الشيء. ومن هنا كانت الأعراض والصفات الظاهرية المدركة حسياً أو الصفات الثابتة التي ما تحت الحس غير كافية وحدها في تحديد مفهوم الجمال وإبداع قيمته في الشيء، وإنما تتعلق بمفهوم شرط النوع. فبوجود تلك الأعراض الظاهرية “شرط الصيغة” وعلاقاتها مع عناصر ما تحت الحس “عناصر الشيء الباطنة”، “شرط التعريف” يتحقق شرط النوع المحقق اندراج ذلك الشيء ضمن صنفه أو نوعه أو جنسه.
وبما أن الجمال سمة ديناميكية يدركها العقل الواعي بوصفها نتاج إشكالية متشعبة “صفة علائقية” كان لابد أن يتحدد بشرط القيمة. فالقيمة المتوخاة هي التي تمثل مفهوم الجمال من حيث تحققه أولا، ومن حيث درجته ثانياً. فاتقان فنون القتال من قبل أحد المبارزين لا يعني امتلاك ذلك المبارز لسمة الجمال من جهة كونه مبارزاً، وإنما تتحقق قيمة الجمال بحسب نوع السياق الذي ينتمي إليه المبارز وبقدر التوافق الذي يحققه مع الناموس الكوني العام.(*2)
وتوصلنا في مجال الحكم الجمالي بأن للفن شروطاً وللجمال في الفن شروطاً مغايرة لأن الاختلاف بينهما في النوع وليس في الدرجة. فللفن الجميل شروط عدة، منها ما به يكون العمل فناً في البدء “مقياس الجودة”، ومنها ما يجب توفرها ليكون الفن جميلاً “مقياس القيمة”. وكان شرط الفن “النوع” يخضع، في تحديده، لشروط المنهج الوصفي؛ لكونه متعلقاً بالصفات والتقنيات الثابتة التي من الممكن إجادتها من قبل الفنانين كسمات مستنبطة من الأعمال الفنية التي أبدعتها العبقرية البشرية على مدى التاريخ، والتي يتوجب تحققها، بشكل أو بـآخر، في كل عمل فني مهما كان نوعه ومهما كانت بغيته. أما شرط الجمال “القيمة” الذي يحكم من خلاله علـى العمل فهو مفهوم معياري يتمثل في اندراج الشيء في مكانه الملائم وقيامه بتمام وظيفته المطابقة لمفهومه الحق؛ أي من جهة تناغم العمل مع قوانين الحياة والطبيعة والناموس الكوني، ومقدار الجهد الذي يقدمه للارتقاء بمسيرة الإنسان والبشرية جمعاء في مدارج الكمال.
وقد نوهنا إلى استعمال المعنيين في كلامهم وأبحاثهم للفظة الجمال وهم لا يعنون، في واقع كلامهم، إلا شرط الفن. فكان حكم القيمة أو الجمال هو ذاته حكم شرط الفن مما يحدث تداخلاً في المفاهيم. ونتيجة ذلك أن قيدت الاستطيقا في إطار الشروط الستاتيكية لشرط الفن “النوع” ولم تصل إلى التعامل مع المفهوم الحقيقي للجمال. فهذا “سوريو”( )عالم الجمال الفرنسي المشهور؛ ممثل “تيار الاستطيقا الحديثة” يطالب بتخليص الأستطيقا من شتى الأحكام التقديرية، فيجمع بين الفن وعلم الجمال باعتبار أن العلم الاستطيقي “علم شيئي” ؛ بوصفها دراسة موضوعية تنصب على تلك الأشياء التي يستحدثها الفن حين يخلع صورة أو ماهية على المادة . وهذه الشيئية وما يتبعها من موضوعية توحي بدراسة شرط الفن “النوع” فقط ولا تهتم بشرط القيمة “الجمال” لأنها تنصب على سمات شيئية موضوعية ثابتة في حدود النظرة الاستقلالية للشيء التي تدور في شرط النوع فقط.
وليس الأمر في الحكم الجمالي كما يظهر فيما مضى، فلو كان مفهوما شيئياً محسوساً لتمكن الجميع من ملاحظته واستحسانه والحكم عليه ولكن الأمر ابعد منالاً من هذا. الجمال، وخلاف شرط الفن، يتعلق بالحكم القيمي مما يمس الحياة في الصميم ويؤثر في سلوك الناس وميولهم ومعتقداتهم. وتظهر خطورة هذا الموقف وأهميته مـن خلال ما نجده عند “أفلاطون” الذي يرى ضرورة أن يترك التقدير النقدي للأعمال الفنية للفلاسفة والحكماء لأنهم الأعلم في هذا المجال ،وان يستبعد عامة الجمهور عن إصدار الأحكام النقدية في المهرجانات الفنية. ولما كانت الفلسفة تعني العلم بالمبادئ الأولى وعلل الأشياء، فالفلاسفة هم الأعلم بالمبادئ الصحيحة التي يجب أن تتوافق معها الأعمال الفنية وتدعوا إليها، وليس العكس، مما يؤهلهم للحكم على تلك الفنون.
والفن بشرطيه “الصيغة والتعريف” لا يختص إلا بجانب واحد من جوانب التجربة الجمالية وهو جانب التعريف أو عرض التجربة على وفق شروط الفن .فهناك،كما يرى “أفلاطون” ،ثلاثة شروط يتم وفقا لها تحديد التقييم النقدي للمحاكات ،سواء كانت عملا أدبيا أم موسيقى أم تصويرا ، أولها معرفة الأصل الذي نحاكيه ومعرفة على أي وجه تكون المحاكاة صحيحة وما ينبغي عمله لكي تكون جميلة ونافعة. وليس شرط الفن إلا الشرط الثاني من الشروط الأفلاطونية للحكم الجمالي المبينة أعلاه، وهو “معرفة على أي وجه تكون المحاكاة صحيحة” مما يحقق الجودة الفنية للمحاكاة وهو ما تقتصر عليه استاطيقا “سوريو”، وهذا الشرط وحده لا يحقق الجمال. لأن الجمال الفني لا يكتمل إلا بتوافر الشروط الثلاثة؛ الأصل “الحقيقة” وصحة المحاكاة “تمام الوظيفة” والفائدة “الخير” لان الجمال يتمثل في نزوع الحق إلى الخير.
ولا بد للجمال، في مفهومه الحقيقي، من أن يكون نزوعاً إلى الخير والفائدة، ولكن بعض الفلاسفة يرفض فكـرة الخيرية في الحكم الجمالي، وما هذا إلا لأنه لا يحكم، في واقع الأمر، على الجمال وإنما على شرط النوع “الفن” الذي يجب أن يتحقق بمعزل عن قيمة العمل وغايته. أما الجمال فلا بد أن تكون وراءه غاية، لان أي عمل واع يتكلفه الإنسان يجب أن يصدر عن هدف وغاية ما، وإلا أصبح لعباً ولهواً لا طائل تحته وهو ما لا يعتقده عاقل. والواجب أن يكون الخير هو غاية الجمال والهدف السامي لأفعال الإنسان السليم؛ وهو ما يؤكده “سقراط” من أن نتاج الفنون ،بوصفها أعمالا مفيدة، يفترض أن يقدر في ضوء فائدتها وهدفها؛أي حسب ما تحققه من خير. وهذا الهدف، أو التأثير الذي يحدثه الفعل، هو من الأسس المهمة المحددة لنوعية الحكم الجمالي سواء في الفن أم في أي عمل إنساني آخر.(*1)
تبقى الحقيقة هي المعيار الأهم في تقدير الأعمال الفنية، لأن الجمال منبعه من الحقيقة وجريانه موافقاً للحقيقة وغايته أيضا الحقيقة. لذا نرى “أفلاطون” يجعل معيار الصدق أول معايير الجمال في نظامه،أن يعنى العمل الفني بالحقيقة ويتضمنها وبعكسه لا يجوز إطلاق تسمية فن على ذلك العمل.فللحكم على الأثر الفني يضع “افلاطون” شرطين أساسيين هما: الحقيقة التي يرغب الفنان في التعبير عنها، ومدى جودة ذلك التعبير. لأن جمال الفن بقيمته وليس بشروطه الفنية التي من الممكن أن توظف للحق أو للباطل، للقبح أو للجمال. فشروط الفن ليست جميلة دائماً وإنما تكون جميلة إذا وُضِعَت في مكانها المناسب مثلها كمثل الأشياء الخالية من الروح “الأدوات”. ودعوة “أفلاطون” إلى تضمن الفن للحقيقة هو جوهر وصيته إلى الكتّاب. اذ ليس مجرد الكتابة هي ما يضفي على كاتبها الألقاب والنعوت الحسنة، بل ما تتضمنه تلك الكتابات من معان وحقائق سامية.
ويتطلب معنى الحقيقة من العمل الفني أن تتجه كل تفاصيله وعناصره لخدمة وتقوية هذا المعنى وتجليته وإبرازه لضمان استجابة المتلقي له وليكون سبباً لجمع الآخرين على هداه. يعتقد “تولستوي” إن الوعي الديني الذي غايته الهداية المتمثلة في إيجاد الوحدة في الكثرة هو الـذي يجب أن يكون محتوى الفن . والوعي الديني يعني، ضمناً، أن مفهوم الجمال لا تحدده الأذواق والأهواء بل هو حكم معياري محدد مسبقـاً وأن الشرع هو مصدره. واعتبار الوعي الديني معياراً للجمال في العمل الفني ناشئ عند “تولستوي” مـن اعتقاده بأن ذلك الوعي ((هو الإدراك الحقيقي لمعنى الحياة، وهو في تقديره ليس إلا الاتحاد الكمال الشامل للناس فيما بعضهم البعض من ناحية، وفيما بينهم وبين الإله من ناحية أخرى))( ). إن المقياس الذي يضعه “تولستوي” لجودة وجمالية العمل الفني من حيث درجة العدوى والاتحاد الكامل الشامل للناس مع بعضهم وفيما بينهـم وبينهم وبين الإله، فإن تلك المهام وإن كانت تحدث

بسبب ما في العمل الفني من تقنية ووعي إلاّ إنها أشياء تحدث خارج العمل، أي في سياق الحياة العام الذي يقع فيه العمل، وهذا بالذات مفهوم النظرة الآلية كوسيلـة لتحديد جمالية الشيءز يقول “سانتايانا”: وكما إن الحقيقة هي تضافر الإدراكات الحسية “أو تآزرها” فإن الجمال أيضاً هو تظافر اللذات.
وتظافر الإدراكات الحسية سبباً لتمييز الحقيقة من الخدع والهلاوس(*1) التي لا وجود لها أو التي قد تدرك بحاسة واحدة فقط أو حاستين، أما تظافر اللذات فهي من ذات المنطلق السابق تعد تمييزاً للجمال الحقيقي عن المفاهيم الأخرى كأن يكون الشيء لذيذاً فقط أو طيباً أو ذكي الرائحة أو حسن المنظر. لكن “سانتايانا” وإن كان يقصد الجمال من جهة شرط النوع أو جمال الأشياء غير ذوات الأرواح إلا انه يحدد مفهوم الجمال في نطاق النظرة الآلية للشيء من خلال اندراجه في سياقه الخاص به، أي من خلال وجود الشيء في مكانه الملائـم المنسجم مع مفهومه. يقول موضحاً كلامه أعلاه، وهو في الوقت ذاته تأكيد لمفهوم النظرة الآلية: وآية ذلك أننا قلما نقول عن الرائحة العطرية المنبعثة عن زجاجة من زجاجات العطور إنها رائحة جميلة، ولكننا نقول عن الرائحة الذكية المنبعثة عن إحدى حدائق الزهور إنها رائحة جميلة لأنها تزيد من ذلك السحر المحسوس الماثل فيما حولها من الموضوعات، فتزيدها جمالاً على جمال ، ولهذا يعرف الجمال بقوله: إنه اللذة المتحققة موضوعياً . فنحن لا نقول عن الرائحة العطرية المنبعثة عن زجاجة إنها جميلة بل نقول إنها رائحة ذكية إذ أننا ننظر لها بذاتها ولذاتها أي في حدود النظرة الاستقلالية وهي المختصة بتوضيح شرط النوع من جهة كونه مدركاً حسياً، أما رائحة الزهور في إحدى الحدائق فإنها تقع في إطار النظرة الآلية أي رؤية الشيء من خلال سياقه وعلاقاته بما حوله، وهذا ما يحدد لنا مفهوم الجمال.
إن المشكلة الجمالية هي ذاتها مشكلة الحقيقة، لذا، فالفن، ولكي يكون مستحوذاً على الجمال، يجب أن يحتوي على حقيقة الأشياء انطلاقاً من مفاهيمها الحقيقية والتي لا يمكن أن تتحدد إلا على وفق ما حدده خالقها ومبدعها؛ وعين هذا التصور نجده عند “أفلاطون” الذي يوجب على الفنان أن لا يكتفي بنقل المظاهر المحسوسة للأشياء التي يحاكيها بل أن يكون معبرا عن الأصل الإلهي فيها ليصبح عمله الفني مؤهلا للاتصاف بسمة الجمال الحق. وحتى يتحقق هذا الشرط فعلى الفنان أن يكون بصيرا بالنفس الإنسانية فضلا عن إلمامه بطبيعة الأشياء التي يتناولها في أعماله. “فأفلاطون” الذي يقرب بين الشعراء والفلاسفة، يرفض – وهو ما يتطابق ومفهوم الجمال الحق- أن يعزو القيمة الجمالية في الفن، فقط، إلى التقنية الممثلة لشرط الفن “الصيغة والتعريف” بل إن مناط الحكم عنده هو المضمون ونوعية الحقائق المعبر عنها في العمل الفني، ومدى اندراجها في المفاهيم العامة الموصلة لبناء المدينـة الفاضلة، أي شرط القيمة الذي تتمثل فيه العبقرية الفنية . يقول: فالفيلسوف الذي يبدع الآثار الجميلة هو ذلك الذي يكون معبراً للناس عن الحقائق الأصلية لا صورها، وهو الذي يكتشف في باطن النفس البشرية ما انطوت عليه من مثل إلهية فيقربها بفنه إلى الناس. إن الفيلسوف الفنان الـذي يرسم صورة المدينة الفاضلة ودستورها “حين يريد إكمال لوحته فانه يوجه بصره إلى ماهية العدالة والجمال والاعتدال وباقي الفضائل ثم إلى صورها الإنسانية ويظل يعدل فيها بإلغاء بعض السمات أو إضافة بعضا أخر حتى ينجح في رسم الخصائص الانسانية التي ترضى عنها الآلهة، إن مثل هذا الرسم وحده هو الذي يبلغ الجمال المطلق( ).
وينطلق “أفلاطون” من مفهوم الوحدة والمثال للوصول إلى الحكم الجمالي سواء على الفنون جميعاً أو على تفاصيل الفن الواحد، باعتبار ان ثمة مبدأ واحد تنبثق عن مفهومه جميع الفنون هو مثال الخير تكتسب منه حقيقتها وسماتها وهو مفهوم كلي ومبدأ عام يمكننا من إدراك حقيقة الفنون والحكم عليها جميعا. إن تعقل هذا المثال يعد مفتاح الفهم الصحيح للفنون جميعاً. أما مفهوم الوحدة ضمن العمل الفني فيستوجب حصول كل جزء في العمل الفني على ما يلائمه ليتسنى إسباغ سمة الجمال علـى المجموع، كما انه لا جمال لجزء منفصل عن كلٍّ هو مشترك فيه، بل إن جمالية هذا الجزء رهينة بجمالية المجموع. وبهذا يتحقق مفهوم الجمال في إطار العمل الفني على وجهه الصحيح. فالأجزاء – في وظيفتهـا ومفاهيمها – تستمد جمالها من جمالية المجموع أو الفكرة، المفهوم الكلي للعمل؛ ثم إن جمالية العمل لا تتشكل وتتجسد إلا بفعل حصول كل جزء على جماله اللائق به. ولما كان الجمال هو التزام الشيء بتمام وظيفته المطابقة لحقيقته، كانت صورة العمل الكلية الموحى بها يجب أن تكون هي الحقيقة وفي الوقت ذاته أن يكون كل جزء ملتزما تمام وظيفته المطابقة للحقيقة الكلية التي يجسدها العمل، وبالنتيجة لا بد لعمل كهذا أن يؤدي إلى الخير. سواء في ذاته أم ضمن الناموس الكوني العام.
وقد مرَّ بنا التفريق الذي يجريه “والتر بيتر” بين الفن الجيد والفن العظيم من أن الفن الجيد يتحقق فيما يجب أن يلتزم به العمل من تقنيات ليكون فناً في البدء، أما الفن العظيم فانه يتميز بالأهمية الإنسانية العظيمة لما يعرضه من أصول ومواد.
هذه السمة الإنسانية الكبرى يجب أن تشمل كلا العنصرين الأساسيين في العمل الفني وهما ((نـوع التجربة الإنسانية التي يحاول توصيلها والتوصيل ذاته .فعملية الخلق الفني السامي والرفعة الإبداعية تقوم على محاور معتبرة مثل السعة الإنسانية للاختبار الذي يؤديه العمل ومدى صدقه وما يتوافر فيه من استبطانات عميقة للنفس البشرية مع أصالة الحقيقة التي يحتويها والمغزى المتجسد فيه فضلا عن جودة الأداء والجمالية الناشئة من تحقق شروط الشكل الفني وفرادة العالم المتخيل الذي يؤطر به كشوفاتهالاختبار الإنساني الذي يحاول أداءه، والأداء ذاته. فكلما صدق الاختبار وعمق في أغوار النفس وصفت معانيه الإنسانية واتسعت، وكلما حسن الأداء وجادت صوره الجمالية، ارتفع هذا الإنتاج مستوى وقيمة واكتسب من صفات الإبداع ومعانيه))( ).. إن العمل الحائز على هكذا شروط لهو قادر على أغناء الحضارة الإنسانية بمضامين ايجابية تسهم في ردم الهوة بين الحضارات وتقريب أبنائها مع بعضهم بما يمتلكه من فرصة الانتشار بين جميع البشر على اختلاف ألوانهم وأجناسهم وبيئاتهم بفعل تحرره من قهر الأنانية واستبداد الزمان والمكان لما له من مغزى مبتسر من الإنسان والى الإنسان . انه إيقاظ للذات الإنسانية العالمية وحوار معها في ذاتها ولذاتها.
ويجب أن يسهم العمل الفني في إغناء المسيرة الحضارية للإنسانية ولا يتحقق ذلك إلا إذا توفر المضمون الإنساني الصادق للإنتاج الأدبي والفني . أي مـدى تعبير هذا الإنتاج عن أحاسيس ومشاعر واختبارات غير محصورة بمكان أو زمان بل عامة للإنسان بما هو إنسان ، فالأدب أو الفن النابع من هذه الاختبارات قادر على أن يثير أمثالها في صدور أبناء الحضارات المختلفة، على ما بينها من تباين في اللغة والبيئة والأحوال الاجتماعية وسواها ؛ إن الإبداع في إنسانية الاختبار وفي إنسانية التعبير الذي يؤدّى به الاختبار، هو لب المقاييس الفنية والأدبية وجوهرها.( )
إن الفن تجسيدٌ محسوس للفكرة، لذلك لا يمكن أن يكون العمل الفني غاية في ذاته ((لأن جميع التعابير سواء كانت إنسانية أو إيحائية تتجه دائماً إلى الغاية التي وراء عمل التعبير أو فوقه))( ). وليس الفن بشرطيه “الصيغة والتعريف” إلا ترتيباً لأدوات وأساليب معتبرة على وفق تقنية خاصة تضمن توصيل فكرة أو مفهوم معين تـم استنباطه من تجربة محددة يسعى الفنان بأدواته إلى تعريفها جمالياً للوصول إلى ماهيتها. تكون هذه الماهية بحسب للقدرة التاويلية للفنان المبدع، وهذا يتبع الخزين المعرفي والروحي والأخلاقي الذي يستجمعه الفنان في دخيلته. وهكذا يكون التأويل تبعا لما يراد من موقف كوني؛ وعلى مقدار صدق هذا الموقف واقترابه من الحقيقة تكون جمالية العمل الفني. فالعمل الفني يُحكم عليـه بالجودة أو الرداءة و بالجمال أو القبح بحسب إتقانه في التعبير عن غايته أو عدم إتقانه. ولكن غاية العمل وهدفه لابد أن يحكم عليها ليس من الجانب التقني بل من وجهات النظر الأخلاقية والعقلية بحسب مطابقتها للحـق. لذا؛ فإن موضوع العمل في ذاته – ضمن إطار العمل – قد يكون جيداً إذا كان شريفاً، ورديئاً إذا كان خسيساً، أما من حيث الغاية والهدف فإن العمل قد يكون جيداً إذا كان مستوى مرجعه سماوياً أي فيما وراء الطبيعة أو عاماً، ويكون رديئاً إذا كان مستوى مرجعه مادياً أو فردياً خاصاً( ).
إن الجمال سلوك قويم وضروري في تحقق الكمال الإنساني وهذا هو الخير المحض .، فالجمال في حقيقته جمال قيمي. الأصيل منه ما أدى إلى قيم ايجابية أما ما ينتج قيما فاسدة فهو الجمال الزائف الرديء. ((فما يقود إلى قيم إيجابية تبشيراً أو تحقيقاً وتعزيزاً هو الجمال المطلوب، وما يقود إلى قيم سلبية هو الجمال المخادع المرفوض))( ).
فمن الغبن أن يحدد مفهوم الجمال بالزينة الخارجية المتمثلة في الأعراض والصفات الزائلة المخادعة، بينما قد لا يحتوي في داخله سوى القبح والشر. انه جمال مخادع لا يتعدى الواجهات الخارجية حيث يكمن في الداخل العفن والفساد، ولا يمكن لهذا أن ينطلي على الإنسان الواعي الذي يصدر في فهمه لحياته وفي سلوكه عن المبدأ الحق للحياة والوجود لأنه يعرف تماماً أن ما كل ذي لمعان وبريق هو ذهب بالضرورة .وفعالية الزينة في الاستدراج والخداع مفهوم قائم لا مواربة فيه ، وهو ما أدركه “إبليس” منذ بِدْءِ الخلق ؛ فاقسم ((.. ربً بما أغويتني لأزيننّ لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين))(*1).
إنَّ أخطر سقوط للإنسان وللحضارة هو مبدأ الغاية تبرر الوسيلة من جهة النظر فقط لتحقيق الغاية بغض النظر عن شرعية او عدم شرعية الوسائل المحققة لها، وليس هذا المبدأ إلاّ النهج الشيطاني مجسداً في سلوك بشري ظالم. الأمر ذاته يجب أن لا يحدث في مجال الفن، فليس للعمل الفني أن يختار أي موضوع وبأي صورة كي يصل إلى غايته وهدفه لأنه “ليس بخير ما أتى من شر”، والأصل في تقدير العمل أن يكون في كافة تفاصيله موافقاً للحق والعدالة، وسواء تحققت النتيجة أم لا فإنَّ هكذا عملاً هو في ذاته كمال لفاعله، وهو خيرٌ في ذاته. وهذا هو المقياس الحقيقي لجمالية العمل الفني، لإنَّ قيمة العمل ((ليست في حيازة ما رُغب، ولا في جسامة ما أُنجز، بل في خضوعه للمبدأ، وطوعه للقاعدة))( ).

هوامش : 
(*1) صيرورة: وردت عند هرقليطس وهيجل وبرجسون. عند الأول التغير صراع بين الأضداد ليحل بعضها محل بعض. وعند الثاني الصيرورة في صميم الوجود وهي سر التطور، إذ أن الوجود من حيث هو كذلك أكثر المعاني تجريداً وخواء ومثله اللاوجود على حين أن الصيرورة وجود ولا وجود “ما سيصار إليه”. وهي التي تحل التناقض الذي يوجد بين الوجود واللاوجود. وعند الثالث الصيرورة هي عين الوجود وعين نسيج الأنا. ((المعجم الفلسفي: ص 126)).
(*2) لنفترض ان هنالك مبارزاً ما يجيد ألعاب المبارزة من فنون القتال بالسيف وتقنياتها وما يمتلكه من سرعة وخفة في الحركة وإجادة في الطعن…الخ. ثم أنه يمتلك جسماً فارعاً وعضلات قوية ومفاصل مرنة تعينه على إجادة المبارزة. هنا؛ تحقق لنا شرط الصيغة من ضمن شرطي النوع “المبارزة” ولو اقتصر الأمر على هذا لبقي شرط النوع ناقصاً. فالمفترض بالمقاتل امتلاك بعض السمات التي تنفع في ميدان الحرب من فرٍّ وكرّ وسرعة بديهة وردود فعل وصبر وتحمل للتعب والعطش والجهد وشجاعة وفروسية…الخ. هنا يحقق لنا شرط التعريف الذي جاء نتيجة لتفاعل قدرة المبارزة الظاهرة مع القدرات الباطنة “المعنوية”. وبهذا يكتمل شرط النوع “الصيغة والتعريف”. وإلى هنا؛ فان تلك الصفات صفات حسية ستاتيكية لا تعني تحقق سمة الجمال “القيمة” في ذلك المبارز من جهة كونه مبارزاً، فمن الممكن أن يبقى هذا الفارس يتدرب في منزله أو في مزرعته كعادة اعتادها ليس إلاّ. ثم أن هذه الشروط لا تعني أنها لابد أن تؤدي إلى الخير؛ لأن الخير لا يأتي إلاّ نتيجة الجمال المنبثق عن حقيقة الشيء. والجمال بوصفه تمام الوظيفة يتوجب أن يلتزم ذلك الفارس مفهوم الإنسان الحقيقي من مثل نصرة الحق وعدم ظلم الآخرين أو الاعتداء عليهم فتكون تمام وظيفته أو انه سيكون على ما يجب له. لكن الواقع لا يحكم بحتمية هذا الأمر، فمن الممكن أن يكون ذلك الفارس قاطع طريق، أو أن يندرج في زمرة أحد الظلمة والطغاة ويوظف فنه لخدمة نهج الضلال والجور وسلب المساكين وقتلهم واستضعافهم. وهذا هو عين القبح والشر والباطل من جهة مخالفة ذلك الفارس لتمام وظيفته “وهذا هو القبح” أو من جهة مخالفته لحقيقته “وهذا هو الباطل” ومن جهة النتيجة الشريرة التي تحققت من سلوكه وهذا هو الشر والمخالف للخير.
(1* ) ينظر: فلسفة الفن في الفكر المعاصر: ص 352. (*1) إذا رأينا شخصاً يقذف نفسه بثيابه في النهر في يوم بارد فإننا قد نزدريه ونتهمه بالحمق أو الجنون، أما إذا علمنا أن ثمة شخص يغرق وأن ذلك القافز قد سعى لنجدته من الغرق وإنقاذ حياته، حينها سنجلُّ ذلك العمل ونعدّه القمة في الجمال والخير؛ إذن الغاية لها الأثر الكبير في تبرير جمالية الفعل وفي الوقت ذاته لأن الفعل ذاك قد جاء مطابقاً لمفهوم الإنسان الحقيقي من جهة اتصاف صاحبه بالشجاعة والنخوة.
(2* ) النقد النفسي عند أ.أ.ريتشاردز: ص 64.
(*1) ((الخداع Illusion، سوء تأويل للواقع، هو إدراك حسي خاطئ كأن تسمع صرير الباب فتظنه صديقاً يناديك، أو صرخة ألم، أو شخصاً يسب آخر.
الهلاوس: مدركات حسية خاطئة لا تنشأ عن موضوعات واقعية في العالم الخارجي كما هي الحال في الخداعات بل عن نصوع الأخيلة والصور الذهنية وسيطرتها على الفرد. إنها أخيلة يحسها الإنسان وقائع ويستجيب لها كما لو كانت وقائع بالفعل. وبعبارة أخرى فهي اختلاقات ذهنية. والهلاوس إما بصرية كأن يرى الشخص أشباحاً تهدده، أو سمعية كأن يسمع أصواتا وهواتف تهيب به، أو لمسية كأن يعتقد أن أشخاصا تلمسه أو حشرات تلسعه، أو شمِّيه كأن يشم روائح تثير الارتياب في نفسه)) ((أصول علم النفس: ص-ص 204 –206)).

( 1) ينظر: فلسفة الجمال؛ نشأتها وتطورها: ص 52.
(2 ) في معركة الحضارة: ص 269.
(3) ينظر: في معركة الحضارة: ص-ص269-270.
( 4) الدين والجمال: ص 33.
( 5) ينظر: المصدر نفسه: ص-ص35-36.
( 6) حديث عن الجمال في الإسلام-د. عماد الدين خليل- منشورات مكتبة 30 تموز، العراق، نينوى-ط1، 1984: ص5.
(*1) الحجر:39 .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"