تابعنا على فيسبوك وتويتر

hussein 7د. حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة – 1/10/2014

كانت الراوية تتمتّع بشيء من “الإمتيازات” في وطنها بالرغم من أن وجودها ووجود البشر من حولها ، كان يرزح تحت مطارق الحرب الطاحنة ، ويتفتت بلا رحمة ، فقد كانت في وسط ساحة الخراب ، مع أبيها .. مع أمّها ، بالرغم من تشاؤمها وتأفّفها الدائم .. مع الجيران .. مع المدام وعصبة الرقص الجميلة .. مع سليم .. لكن هنا ، يجتاحها شعور مهلك بالعجز الساحق الممزوج بالقلق الممض من المصير المقبل .. فرديّاً وجمعيّاً . صارت مداركها رهينة عجلة الدعاية الغربية الماكرة والمتحاملة .. لا اتصالات ولا بريد ولا شخص يصل لينقل إليها شيئا من ملامح الصورة :
(بين المستشفى وحي السحالي قضيتُ وقتاً عدميّاً ، أتصفح الجرائد والمجلات باللغتين . قلق التحشّدات والتهديدات وأوامر الإنسحاب حديث كل المجالس . بين بداية شهر آب وشهر كانون الثاني ، الذي انتصف بانقطاع الاتصالات الهاتفية وخدمات البريد ومنع السفر عند الحدود ، عرفتُ زمناً توقّف رهينة الموعد الأخير الذي أعطاه الرئيس الأمريكي . أتنفّس الأيام بترقّب ، في يدي أحدث التحليلات عن الأوضاع الراهنة ، وفي الأخرى أحد تقارير أمّي الطبّية) (ص 156) .
إنّها ممزّقة بين ناحيتين .. أمّا “هي” .. أمّا وجودها الشخصي .. طموحاتها وآمالها .. ارتعاشات روحها .. وجيب قلبها وارتجافاته .. فلا محل لها . صارت كياناً شبحياً بعد أن كانت “هناك” مشروعا له .
وبهدوء مسموم تقطّع بتول قلوبنا وتشعل النقمة حتى على أوطاننا التي صارت أمراضاً مزمنة لا شفاء منها . أيّ بلاد هذه التي تدمّر وجود إنسانها وتحرمه من كل حق من حقوقه ، حتى من الحبّ ، وتنبذه بعيداً عنها بلا رحمة . تركله بقسوة وهو يتشبث بأذيالها . تزور الراوية السوق البرتغالية فيجتاح كيانها حنين غريب :
(أغلقتُ عيني أشمّ الروائح . أتمنى لو كانت سوق “الشورجة” في بغداد) (ص 157) .
كانت الراوية تنسحق بهدوء وصمت ، وتعرض انسحاقها بلغة تشبه “الصمت” مادام هذا العرض يتمّ دائماً بـ “صوت” غير صوتها . إنّها مسيحنا المعذّب . إنّها صوت كل عذاباتنا وخيباتنا وأوجاعنا الذي يُقال بالنيابة عنّا . لقد تعاونت كل الظروف على تحطيمها ، ولكنها تصرّ على أن “تشهد” وتحكي حكايتنا ! أي نبل .. وأيّ ألوهة .. وأي روح إنساني عظيم يكمن في أعماق هذه الراوية المعلّقة على صليبنا والتي تركتها الكاتبة بلا إسم لأنها خلاصة جماع وجودنا ونتاج كل اسمائنا . وهذه الروائية المطحونة بقدرنا العاصف “بتول الخضيري” .. يا إلهي هل خلقتَ إنساناً بهذا السمو والرقي والإستعداد والصبر لكي يتمثّل خساراتنا ويتحمل صمتنا المنافق ثم يعود ليكرّر عيش تجربتنا الفاجعة نيابة عنّا . هذا الصمت المقدّس .. وأنين الروح المكتوم الذي لا تسمعه . لم تتعبنا بتول – ولا مرة واحدة – باستعادة ذكرى تجربتها الممزقة مع سليم . لم تأخذ من وقتنا ثوان للمعة عابرة لوجهه في المرآة أو في الحلم . لم تختلي بطيف له في زاوية مقهى . لم تستغل عواطفنا بذكرى بسيطة مستعادة من طفولتها أو مع أبيها . وإن كان التحليل النفسي يُفسد بعض صور النبل في السلوك الشخصي ، بالكشف الجسور لأواليات التشكيل العكسي أو العزل والمحو ، واستعراض تمظهرات الشعور بالذنب والوجدان المعذّب ، فإنه لا يستطيع أن يخلع من قلوبنا خلجاتها المتعاطفة مع آلام الراوية المبرّحة ، وانحيازات أرواحنا المنكسرة ، لصمتها الإنساني العظيم .
batol 2حلّ الدمار بوطنها .. وتمادى السرطان في قرض جسد أمّها واستنزاف إرادتها ، وها هو “بيان” خراب جديد يصلها في صورة رسالة أولى من المدام تخبرها عن الحال الموغل في الإنحطاط في بلادها . فوضى غير متناهية من خوف ورعب وظلمة دخان أسود تُفتح له شبابيك الصباح . وبعد أن ندرك من خلالها أنّ خنازير الحلفاء قد قطعوا أنفاس الجسرالمعلّق ، وأن بطنه مقسوم إلى نصفين مستلقيين في دجلة (ص 165) ، يعيدنا هذا الكائن السماوي ، الراوية ، إلى تعبيرات سلوكها المضحّي وهي تنسّق الورود لأمّها وتشحن معنويّاتها وهي الأحق بذلك بدرجة لا تقل عن أمّها . لكنها في الواقع “غائبة” كذات ذات متطلّبات وحاجات ورغبات وحقوق . “غيّبت” ذاتها طوعاً من أجل آخر ، وهو في الحقيقة غياب من أجلنا . وهنا يتجلى دور الإبداع العظيم في أبهى صوره بالرغم من كل محاولات فصله عن الإنسان التي جاءتنا بها تيارات الحداثة وما بعدها . الإبداع الذي يراهن على الإنسان في كماله حين يكون على صورة الله . والراوية تضعنا أمام الكثير من المقارنات المستترة التي تزرع في أنفسنا هذا الإيمان . فالكلاب المسعورة – ساسة ومقاتلين – التي نهشت جسم بغداد وكانت تصرخ مبتهجة :
(كانت خارطة العراق تحت القصف الناري تشبه شجرة عيد ميلاد مضاءة)
أو :
(حوّلتُ أجواء بغداد إلى كرات ملتهبة من نار جحيمية)
يقابل عدوانهم الوحشي وسلوكهم الحيواني – بل هو أسوأ من الحيواني – صمت الراوية المقهورة ، وخدمتها الجليلة التي كانت تقدّمها لأمّها مترفعّة على آلامها الشخصية .. ومتطلباتها الخاصة .
كل عذابات أرواح الضحايا في بغداد – أحياء وأموات – وهي تشكو الضيم والظلم والجوع والقصف بـ (141921) طن من المتفجّرات – ما يقابل سبع قنابل ذرية من النوع الذي ألقاه الخنازير الأمريكان على هيروشيما بالرغم من أن الحرب الغربية (سًمّيت بالعالمية للتضليل) الثانية قد وضعت أوزارها ! – تتقطّر وتتكثّف في الصمت البليغ والجريح الذي كانت تلاحق به الراوية صور الدمار التي تنزل بوطنها وهي تلتم على جراحاتها الشخصيّة . لا تشكو .. ولا تئن .. ولا تتعب أحداً … تسألها أمّها :
-هل سمعتِ أخبار الوطن ؟
-نعم .
بعد قليل سألتها :
-ماذا سنفعل ؟
أجابت :
-مثلما فعلنا في السابق . لا شيء) (ص 155 و156) .
هكذا تأتي اللمسات المجرّبة ، وهي في واقعها “طعنات” تغور عميقاً في لحم ارواحنا وتسحبنا سحبا نحو التعاطف الدامع مع الراوية المستوحدة التي تقبّل يد أمّها الآن :
(أخذتُ يدها بين يدي ، قبلتها ، جرّتها بسرعة قائلة كأنها تنهرني :
-تستطيعين فعل ذلك عندما أكون غائبة عن وعيي ، لستُ معتادة على أن تقبليني من يدي .
-حمّلتُ قبلتي دعائي لكِ بأن تقومي بالسلامة وبأن لا تحتاج يدك للإعتماد على أحد) !! (ص 160)
كانت بحاجة لتبرير حتى أفعالها الطيّبة لنفوس حديدية مُحبطة لم تعتد آيات السلوك الممتنة بلا مقابل . كانت تعاني – وبتمزّق “هادىء” – كلّ لحظة من تجارب “غيرها” ، فهي “ضحية” بالمعنى الكامل للكلمة ، لكنها لم تُسمِعنا أنين روحها المقصود والمشروع ولا مرّة واحدة . وها هي أمّها تفاقم هذا الشعور وتكويها في سويداء روحها حين تعلن لها ، وبلا تردّد ، بأنها جزء من إخفاقاتها فقد حملتْ بها خطأً ، فتغرس في روحها المزيد من مشاعر النبذ المكتومة . إنها نتاج زيجة فرضها واقع حضاري مختلط ، تحوّلت إلى صراع ثقافتين أنتج كائناً هو الراوية لم تُتح له أبداً فرص النماء الطبيعي الذي يضع قدميه على مسرى واحد ولا يتمزّق بين مسريين متناقضين . تحاول الراوية – كما أرى – أن لا تُثقل علينا بعذابات صراعاتها وهي في طور رشدها في لندن تحارب على جبهتين : مرض أمّها المُنهي ، والحرب المُنهية على وطنها .. فتحاول – من وجهة نظري – تمرير شيء من ارتباك نموّها الشخصي وتشوّشات ذاتها من خلال ارتباكات وتشوّشات تجربة أمّها ، التي وافقت على “تجريب” عقار جديد ضد السرطان ، معلنة أنها ليست المرة الأولى التي تكون فيها “فأر تجارب” :
(-أنواع إخفاقي كثيرة . في الماضي حملتُ بكِ خطأً وأخفقتُ في إصلاح الخطأ وأخفقتُ في إصلاح الخطأ .. أرجو ألّا تسيئي فهمي …
kh batolقالت ذلك وكأنها تهيّء مقدمة لنوع من الهذيان ، لكنه مهم :
-ثمّ تزوّجتُ وأخفقت في إسعاد الزوج … ثم تغرّبتُ وأخفقتُ في فهم بيئة زوجي … ثم احببتُ رجلاً آخر من بني جنسي [= ديفيد] من خلف ظهر زوجي ، ومع ذلك أخفقتُ في الحفاظ على العشيق …
كان اختصارها لماضيها يشبه برقية تفصل بين مقاطعها شهقات من كلمة “ثمّ” ..
أخيراً أضافت :
-يا إلهي ثم ماذا ؟! فات الأوان .. لم أعد أنتمي إلى هنا عندما غادرتُ إنكلترا حينها وقررت أن أحاول الإنتماء إلى الشرق . لكن لم أنجح في انتمائي إلى الشرق رغم كل محاولاتي . الآن وقد عدتُ ثانية ، أجدني لا أستطيع الإنتماء من جديد إلى موطني الأصلي . كل شيء مختلف) (ص 166 و167) .
هل تعرض الراوية أمامنا إرهاصات محنتها الراهنة ، أم الصورة المتخيّلة والمُنتظرة لمحنتها المستقبلية على لسان أمّها المعذّبة ؟
وحتى لو لم نتفق ، فإن الإمتياز النادر والكبير يكمن في أنّها من اللحظات السرديّة النادرة في الأدب النسوي التي لا تستجير فيها المؤلفة الأنثى بالقارىء ، ولا تعرض معضلاتها وتستغيث من قوى القهر التي تلاحقها لتستدرّ تعاطفه . إنّ الراوية – ومن ورائها الكاتبة المبدعة طبعاً وقطعاً – تحكي حكايتها باستقلالية رفيعة وتماسك رصين يثير الإحترام ؛ تماسك في إيحاءاته المعلنة مدهش يعكس صلابة الإرادة بوجه عالم متجبّر وساحق وشديد المقت ، وفي دلالاته الباطنة يعبّر عن روح محتبسة ومشمئزة ومحتقنة بالنقمة والسخط الهادىء الذي صار يرتد إلى الذات في صورة معادلة عجيبة ، وهي أن تتنازل الراوية عن خيارات حياتها وتطلعاتها من أجل الآخرين الذين أوغلوا في تضييع حياتها وهدر فرصها المواتية ، أو الذين توفّرهم فرص الحياة لتلعب معهم دور “المانح” بلا رجاء أو مقابل . إنّ ما يبدو عَرَضا لسلوك عصابي يقف في كثير من الأحيان كدافع لسلوك غيري في غاية الرقي والدفء والتسليم . هل كانت اندفاعة الراوية نحو سليم المغاير لديانتها والأكبر منها سنّاً هي نواة لخلطة عجيبة أُجهضت كتكرار جنيني للخلطة الكبرى التي حكمت العلاقة بين أبويها والتي خرّبت حيوات أطراف المثلث الثلاثة ؟! وهل كان التركيز الملتهب والمعاند للراوية على هموم وطنها وفجائعه هو محاولة مستميتة لتحقيق “مقلوب” محنة أمّها التي ضيّعت سبل الإنتماء ، هذا التضييع الذي لخصّته بقولها أخيراً بابتسامة يائسة وهي تحدّثها عن مجيء الغد المحتّم وإمكانية إصلاح ما مضى :
(-إنّها فكرة بلهاء ، قضية الإنتماء ، فنحن لا ننتمي إلّا لظلّ أجسامنا التي ترافقنا ، مادمنا أحياء) (ص 167) .
وإنّ أخطر ما دُبّر للعراقيين البؤساء ، سواءً على أيدي الطغاة أم بأيدي خنازير الغرب عبر الحرب التي تحوّلت من تحرير الكويت إلى تدمير العراق ثم الحصار الوحشي الظالم ، هو جعل انتمائهم لظلال أجسامهم أوّلاً ، ثم كره أنفسهم (قتل الحب في أنفسهم) ثانياً . ولعلّ التصريح الذي أطلقه أحد قادة الحرب الأمريكان وقواته تستعد لتدمير شعب العراق ، وليس حكومته ، في آب من عام 1990 :
“سوف نجعل العراقين يكرهون أنفسهم”
مازالت ترنّ في أعماق ذاكرتي حتى هذا اليوم تعبيراً عن البنية السيكولوجية الشيطانية للولايات المتحدة ؛ بنية الكاوبوي الذي يجب أن يتأكد من موت ضحيته ويسلّم جثتها لانتزاع المكافأة ، البنية التي تأسست على دور المرشد الدموي بقتل أكثر من خمسين مليون مواطن أصلي ، و”على السفك الصوفي للدم” كما بشّر فيلسوفهم “وليم جيمس” .
تصل رسالة أخرى للراوية من المدام :
(صديقتي ..
القتابل تهطل فوق رؤوسنا . لا تتخيّلي تجربتنا الجديدة مع المطر الأسود الذي يغطي الحدائق والشوارع والسطوح ، كأنها فضلات متعفنة سوداء تجعل النهار أقبح من الليل . الحصار الإقتصادي جعلنا نقصّ شعرنا لتقتصد بالماء والصابون . تهشّمَ عمود الإرسال في دائرة البريد تحت عويل الطائرات القاصفة . انفجار سيارات بالجملة . شاب يبحث عن أصابعه وسط الركام . كلب يحمل إحدى قوائمه بين فكّيه ..
أكثر الناس يتساقطون بسبب سكتة قلبية من الهلع الدائر . النساء يرددن يا رب الستر في الموت … الستر في الموت ) (ص 168) .
وما قام به الأمريكان والبريطانيون الخنازير الكلاب في حرب الإحتلال عام 2003 ، هو نسخة مكرّرة لما قاموا به في عام هذه الرسالة 1991 ، ولكن بصورة اشنع وأبشع وأفظع .. بصورة مُنهية لوطن وشعب كامل إلى الأبد . لقد استخدموا اليورانيوم المنضب الذي سيبقى في تربة العراق لمدة 4 مليارات سنة .. أكرّر 4 مليارات سنة !! لينهي شعبا كاملا بالسرطانات والتشوّهات . وارتباطاً بالصورة “السينمائية” التي ذكرتها المدام عن الكلب الذي يحمل إحدى قوائمه بين فكّيه قافزاً على ثلاث !! أقول بعد حرب الأمريكان والبريطانيين الخنازير الكلاب الأخيرة على العراق شاهدنا بأمّ أعيننا ، ولأكثر من مرّة ، كلباً ينطلق ظافراً وبسرعة وهو يحمل بين فكّيه ذراع طفل أو رجل عراقي !!
وفي كلّ مرّة يتأجج فيها التحليل الفنّي والمضموني الإجتماعي والسياسي والإنساني للنص ، تأتي فرصة نادرة لا تعوّض تدفع المحلّل النفسي دفعاً لامتشاق مبضعه الذي لا يرحم ، لكنها فرصة لا يمكن تفويتها لأنها ستتيح لنا إثبات الفرضيات التي تحدّثنا عنها حول النمو النفسجنسي المبكّر للبنت الراوية والذي حكم تشكيل بنيتها الشخصية العميقة حتى الآن ، هذا التحكّم يتجلى الآن في حلم هذه الليلة التي تلت هذا النهار الساخن الملىء بالعذابات ، حلم / كابوس يجعل مسار التحليل متّسقاً ، ويعلي مصداقيته :
(في الثالثة بعد منتصف الليل ، وثبتُ من حلم قصير فزعة . حلمتُ أنني أتجوّل في شوارع لندن الخلفية ، اسرق العدسات اللاصقة من عيون النائمين ، أرفع الجفن بالملقط ، أخلع العدسة ، وأهرب . في لقطة اخرى ، كنتُ عند بوابة مقبرة الكرخ الإسلامية ، أتفاوض مع الدفّان حول عدسات أبي . حفارته الصدئة تتكىء على كتفه بعد عودته من القبر . عندما رفض أن يسلمني إياها ، دوّى انفجار في طريق أبو غريب ، وزحف فطر عملاق من دخان أسود فوق رأسينا ، راح ينمو على الفور باتجاه السماء . أمّي تبكي . صوتها أيقظني طارداً الدخان . تركتُ حلمي على فراشي لأدخل كابوسها من باب غرفة نومها) (ص 169) .
لقد وظّف الحلم بقيّة نهاريّة قريبة تتمثل في رسالة المدام التي نقلت إلى الراوية رعب الناس في بلادها ، والخراب الذي سبّبه الحلفاء بتكنولوجيتهم المتطوّرة المخصصة لقتل الأبرياء وتدمير حياة الشعوب ، وكيف أن الناس هناك صارت “تفزّ” لأدنى حركة والنسوة ينمن بملابس العمل تحسّباً للفرار – مستورات – من الإنفجارات . جاءت هذه الرسالة الخرابية لتزيد احتقان روحها المكلومة على بلادها ، وهي تتابع في التلفاز والصحافة صور وأنباء تدمير البلاد وقتل العباد ، والإجهاز على الموطن الذي “أبصرت” فيه النور ، وهي الآن في بلاد لعبت دوراً كبيراً في ذلك التدمير ، ولكنها تعيش الآن في هذه البلاد القاتلة ، منزوية منسية و غير “مرئية” كما كانت من قبل الناس المحيطين بها في بلدها الأصلي . وكان تاريخ علاقتها الطويل بأمّها البريطانية محتدماً بتوتّرات متعبة ومؤذية مردّها أنّ أمّها كانت “ترى” الأمور على غير حقيقتها التي تتمناها البنت في أعماقها . ولهذا كان تصرّف الراوية الغريب في الحلم الذي تسرق فيه العدسات اللاصقة من عيون النائمين في الشوارع الخلفية – التي كانت تعيش في ما يقاربها في حي السحالي والذي سمعت في مقهاه الشاب البرتغالي يقول إنّ هوايته اكتشاف من يرتدي العدسات اللاصقة (ص 154) – من لندن هو ردّ فعل إنتقامي يرمز في المعنى النفسي العميق إلى إخصائهم على الرغم من ظاهر التصرّف الغريب . إنّ البصر يرتبط لغوياً وعضوياً بالبصيرة ، وسرقة العدسات اللاصقة التي تصحّح انكسارات البصر – وبالتالي أخطاء البصيرة الناجمة عن عدم رؤية الأمور بصورة صحيحة – تعني تصحيح فعل مُخادع لا معنى له مع استمرار الأخطاء . ومع هذه الغلطات المميتة وحتى لو كانت العدسات اللاصقة لأغراض جمالية فينبغي تجريد الفرد منها لأنها حركة “مُخادعة” توغل في التضليل والتزييف . واللقطة اللاحقة ليست مُقحمة ولا مُنفصلة عن مسار الحلم .. أبداً . فالراوية – كما قلنا مراراً – قد تماهت مع أبيها في خصاله الأساسية ، و”أمثلته” ، وانعكس ذلك بقدر ما على هويتها الجنسية العميقة ، وها هي تعود لتطالب بعدسات أبيها – والمقصود عدسات عينيه الاصليتين لأنها لم تشر إلى عدسات لاصقة مصطنعة – لأنها هي التي تؤمّن لها النظر الصحيح في مغتربها الجديد الثقيل . كان الأب “يبصر” أمور العيش في الغرب بصورة صحيحة ، وكانت بصيرته متزنة ودقيقة في تشخيصها :
(البلد بلدي والخير هنا في هذه الأرض .. فكرة العزلة ثانية عن الوطن تخيفني . أقولها لك بكل صراحة) (ص 81) …


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"