تابعنا على فيسبوك وتويتر

Zeki aljaberالقصيدة الأخيرة
هذه هي قصيدتك الأخيرة
***
منذ ستّين عاماً وأنت تكتب الشعر
الترانيم الأولى التي ما زالت على شفتيك
نقشتَها بالأمس على دفاتر المدرسة
رذاذ مطر
وتكسّرات موج
وتأوّد نَسَمات
وهمسات صديقة مجهولة!
***
منذ ستّين عاماً وأنت تكتب الشعر
على واجهات المخازن
ومصابيح الشوارع
وصناديق البريد
على أرصفة الشوارع
وأذيال ثوب أميرة النساء!
***
منذ ستّين عاماً وأنت تكتب الشعر
تُذَرّيه رماد جمرات عشق
وآهات مواعيد
واحتراق لقاءات
وحب وطنٍ ليس له وطن!
***
وها أنتَ تكتبُ قصيدتك
قصيدتك الأولى!
كوربس كريستي*
18-3-2004
* من القصائد القليلة المؤرخة

الصباح والمدينة

يا للصباح الواهن العليل
تغسل عينيه
دوائر الدخان والرطوبة
والشارع الطويل
يفتح شدقيه
عن عقرب يدبّ إثر عقرب
الحافلات المتعبة
تضجّ بالسعال
من الصدور المتعبة
بالداء والملال
وفي الوجوه، قد ترى
أكثر من سؤال
عن مبهمٍ، عن شيء!
***
الأوجه التي ينام فوقها الغبارْ
يجف في عروقها الدمُ
تخال في خطوطها الكثارْ
دوامة تدور في ضجر!
تدور حول شيء
***
والهادر المذياع في النافذة العلوية
يخبر عمّن وُلدوا
أو دفنوا في المدن القصية
والجو صحو ها هنا
غيومه ظاهرة خفية
والريح في هبوبها
شرقية غربية
والموجة البحرية
ثائرة رخيّة
كأنها مثقلة بشيء!
***
والأعرج الذي يدبّ في الزحام
لعلّه ينال مما ينثر اللئام
يزخرف الكلام:
’’لا تلعنوا الشيطان
فربما تصيبكم من روحه أو كفّه النيران‘‘
وفي كلامه
ألف شيء!
***
والسائل الذي يطوف بالدعاء
بصوته الراعش بالبكاء
يا ليت هذه السماء
تمطرني ذهبْ
فالخبز من ذهبْ
والنور من ذهبْ
وما تضمّه النساء في ثيابها ذهبْ!
وفي دعائه العجيب
يقول كلّ شيء!
***
وسار ساقي الماء ذو القبعة المنـمنـمـة
يقرع في كاساته المرنّمة
نادى على اسم الله
الماء سلسبيل
بدرهمٍ يا عابر السبيل!
وبُحّ في لهاثه النداء
نداؤه المثقل بالأشياء
***
واستيقظت من نومها
إمرأة المساء
مرّت عليها الليلة التسعونْ
وزوجها المرائي
لا يزال في غربته وأذرع النساء!
وليلها يحملها
من حانة لحانة
تهزّها أرجوحة البكاء
من نافرٍ لعاشق
لباحث عن شيء!
***
والصحف الناصلة الألوان
تفترش الإسفلت
تقرؤها جميعها
لو تلمح العنوان
بائعها ينث بالدخان والبصاق
نقمتَه،
على الرصيف مرّةً، ومرّة
في الأوجه التي يأكلها الغباء
يا زُمَر الفضول، ياقرّاء
تبارك الغباء
ففي الغباء راحة من شيء!
***
وتصدح الأبواق ساعة المساء
إن السماء نفسها، ما فوقها سماء
والأرض تبقى ذاتها
ما تحتها من أرض
لا شيء في الأشياء!
الرباط
25-7-1993
*******
إبحار
’’إلى الناسك العاشق إ.ح‘‘*
غريب أنتَ
في دوّامة التيار
كنتَ الموج ملتفّاً
فلم تغرقْ!
وفي طاغ من الأتّونِ
كنتَ النار محتدماً
فلم تُحرقْ!
غريبٌ أنتَ!
في كفّيكَ
ضوء الصبح والظلمة
وفي عينيكَ
ظلّ الصمت والكِلْمة
وكانت نشوة الأحلام تحدو الزورق الغافي!
بلا ترنيم ملاحٍ ولا ترتيل مجذافِ
ولم تعبأ بأنواءٍ ولا تأويل عرّافِ!
فهل أفضت لك الأسرارْ
معنى سرّها الأكبر!
فصرتَ الناسِك المضنى
وعدتَ العاشق الأشهرْ

الرباط
12-8-1997
* كتب زكي مجموعة من القصائد يمكن اعتبارها صوراً تخطيطية لبعض أصدقائه، وأسماء هؤلاء الأصدقاء مذكورة في مخطوطات القصائد، لكنني ارتأيتُ أن أكتفي بالحروف الأولى من أسمائهم، وقد يعرف الأحياء منهم أنفسهم فيها إذا صادف أن قرؤوها.

الحبر والدماء
’’إلى س.غ‘‘
(1)
للسماوات ما تفيض الكؤوس
من شذىً أو ندى،
أو حليباً، ضياء
أو صباحاً يُذابْ
فوق تلك القبابْ
والنخيل التي
أوغلت في المدى
وللأرض سرب الذبابْ
تقافز فوق الوجوه، وبين الأصابع
وعند النفايات والحانة المغلقة!
ويأتيك رجع النحيب:
’’وشلون ابتلاني القَدَرْ
بهْواك يا ظالم!‘‘

(2)
وظلّ يسير وحيداً
أقفل أبواب جريدته
والسطر ينام وراء السطر
فناغاه حُلْم
يرف رقيقاً
كضوء القمرْ
هي الأرض بستان كل البشرْ
فأنّى سريتْ
هفت وردة
وناجاكَ شِعر
وغنّى وتر!
والشارع إسفَلتٌ أبيض
الشارع بحرٌ من راياتْ
وجريدتُه أنهارٌ
تتلاقى فيها أمواج الكلمات
تمّوزُ أتى بالخصبِ
وعشتار تفتّح أبواب حديقتها
فتحت خمائلها يتلاقى كل العشاقْ
والبستان الممتد على كلّ الأرض
عراقْ

(3)
عشتارُ تطاردها الأشباح
أبوابُ الجَنة توصدها أختام الشمعِ
وغزالتُها فرّت من عطشٍ
اقتربت من ماء النهرِ
فطواها تيّار اللَعَناتْ
والإسفلتُ الأييض ذرّاتٌ
تذروها الريحُ
وركام يتناثر تحت العربات
الحانة ما زالت مغلقة
والصوتُ الباكي ينثال نحيبْ:
’’دنياك مُو للأبد تمشي مع الظالم‘‘*

(4)
وقد تكون خمرنا دموع!
ونارنا رمادْ!
فلم تزل سماؤنا
مثقلة الكؤوس بالندى
تفيض في تموّج المدى
بالعطر والضياء
قدحان يا عشتارُ
موعد اللقاءْ
فخضّبي الكفين
بالحبر
والدماء

الرباط
1-7-1993
* من أغنية لمحمد القبنجي.

قصائد للحبّ
وأدفن فيك ذاكرتي
وأدفن فيكِ ذاكرتي
وأحيا عند عينيكِ
بلا ماضٍ تعذّبني رزاياهُ
بلا ليلٍ تؤرّقني خطاياهُ
بلا كأسٍ، ويحيا عندي اللهُ
سماواتي التي غنّيتُها يوماً بلا قمرِ
بلا نجم يضيء الدرب للساري
أراها اليوم شلّالاتِ أنوارِ
وصبحاً غامر الأضواء في داري
وحبي فيه دفّاقاً وأشعاري
وأهمس: ’’إنني أهوى‘‘
وأحيا عند عينيكِ!

بغداد
7-2-1964

ويضحك القمر
سيّدتي
ما زال ضوء القمرْ
يطوف، عن حُبٍ، سطوحَ الديارْ
نغرف منه حفنةً، نضمّها
في طيّة الدِثارْ
نبحث عنها، تختفي
ثم نراها شامةً في كتف النهارْ!
سيّدتي
تلك أكفُّ المطر
ترسم لون الزَهَرْ
قوساً على بوّابة الغمام
فيستفيق الحجرْ
على ندىً يُضاحِك السماء
ويلثم الشجَرْ
سيّدتي
وخبزنا في يدنا
وصوت نايٍ بعيد
في كل آنٍ يبدأ السفرْ
على مسارٍ غامضٍ بعيدْ
عند التقاء الرمل والسرابْ
عند التحام الكأس والشرابْ
من المدائن التي يسكنها الضباب
إلى قرىً تهدأ للشموسْ
لهمسة الرجاء والعتابْ
سيّدتي
قد يتعبُ السفر
لكننا لن نعرفَ التعب
فكل حينٍ يبدأ السفر
من نجمةٍ لنجمة
من كِلمة لكِلمة
ويضحك القمرْ
صامتة سيّدتي
تلتفّ بالغمام
تحمل خلف ضلعها
تَشَوُّقَ الكبريتِ للضِرامْ
هادئة سيّدتي
في مقلتيها يولد المدى
والقلق العظيم!
والأسى
وشهقة الدموع في تعثر الكلام
سيّدتي
تَنشَقُ عن ستارة الظلام
شمساً عراقية
ضحكتُها سلام
وصمتُها كلام!
الرباط
3-10-1997

النجمة أم الوردة أم …؟
في طريقي إلى ’’سلا‘‘*
بين النجم والموج وخفقة الأملِ البعيدْ
وابتهالات صوفيّ يشربُهُ العشقُ حتى القرار
تلألأتْ نجمة في كفي
أروعُ من كلّ نجوم السماء
وأحلى من وردِ كلّ بستانٍ
على الأرضِ!
حدّثتُها، تبسمتْ!
ناغيتُها، تنهّدتْ!
وحين أوشكتُ أن أطبق كفي عليها
هربتْ إلى قلبي
أهي النجمةُ
أم الوردةُ
أم أنها
أنتِ!
الرباط
14-3-1997
* ’’سلا‘‘ بلدة تقع شمال الرباط، عاصمة المغرب، وتعتبر، إدارياً، جزءاً من محافظة ’’الرباط وسلا‘‘.

ذلك التغيّر!
في تلك الليلة التي ضممتكِ فيها إلى صدري
لم يتغيّر في الدنيا شيء!
ظلّ القمر يقبل خد الأرض
والقطارات البعيدة تنطلق إلى النهاياتِ البعيدة
ودجلة يوشح بالزهر خصر العراق!
ومع إطلالة الصبح لم يتغيّر في الدنيا شيء
ارتفعت الشمس من قاع الماء
ومسحت بالدفء السطوح والسَعَف
وعند كلّ رشفة ماء
تمدّ العصافير أعناقَها صوب السماء!
وتعلو لتحكّ مناقيرها بأعذاق التمر!
***

في تلك الليلة التي ضممتكِ فيها إلى صدري
لم يتغيّر في الدنيا شيء
ولكن شيئاً بين جوانح الصدر قد تغيّر
مضت أربعون عاماً
ولم يتغيّر هذا التغيّر!

كوربس كريستي
26-12-2003


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

تعليق واحد لـ “وتبقى الكلمة (6)
شعر: د. زكي الجابر
إعداد وتعليق: د. حياة جاسم محمد”

  1. Latifa halim يقول :

    يستحق الشاعر زكي جابر كل تقدير فقد استطاع قبل رحيله الى امريكا ان يحقق حضورا كبيرا في المشهد الثقافي المغربي
    وشكرا للشاعرة والباحثة الأكاديمية الدكتورة حياة جاسم لانها طالعتنا اعلى بعض قصائده الراءعة خصوصا التي كتبت في المغرب

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"