تابعنا على فيسبوك وتويتر

mothana altabagjaliإشارة :
قبل عام .. رحل الشاعر والكاتب الأستاذ “عبد الهادي الفكيكي” غريبا وبصمت كعادة موت العراقيين الذين يستميتون في محبة وطنهم .. رحل بعد مسيرة ثقافية ونضالية حافلة بالعطاء والمواقف الشريفة الصلبة . تنشر أسرة موقع الناقد العراقي هذا الملف البسيط للتذكير بعراقي مثقف غيور قضى عليه حبّه لوطنه .

المقالة : 
عن عمر ناهز 83 عاما قضاها مناضلا في كل الميادين ، لم يفت له ساعد بالكلمة الحرة ولم يضعف له صوت هادر معبر ، تمر اليوم الذكرى السنوية الاولى لرحيل ..اخي وصديقي ابو محمود المكنى بابي حسن عبد الهادي محمود الفكيكي الصحفي والاديب والشاعر والسياسي الذي رحل الى رحاب الله مودعا الدنيا كمدا قبل أوانه ..
اختط الفكيكي رحمه الله وأحسن اليه في مثواه ، النضال الوطني طريقا لايحيد عنه في دفاعه عن العروبة والعراق و كان رحمه الله منذ ريعان شبابه ، مناضلا صلبا حتى آخر كلمة نطق بها وكتبها بخط يده في مذكراته السياسية التي انكب عليها بعناية فائقة مستجمعا كل ما لديه من ارشيف وطني يعود لسنوات الخمسينات والستينات من القرن الماضي واستحضارات ماض عاش كل لحظاته ترقبا ومشاركة في لحظات الولادة للاحزاب القومية الاولى ،وانفعالات وطنية ليضيف عليها عصارة فكر نير، تناول ما عايشه من تجارب واحداث مرت عليه في خضم تاريخ العراق المعاصر ليقولبها في
فصول مذكراته التي لم تر النور بعد ..
ولانه كان يخشى نوائب الزمن واحابيله ،كنا نتابعه وهو يطرحها شذرات يومية عبر كتاباته في جرائد الوطن وكتيبات وخواطر يمخر بها عباب بحور الشعر وشعاب الادب وتراجيديا الالم العراقي والعربي معا ..منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى وفاته في العام الفائت..في بغداد ..، لكن القدر لم يسمح له ان يُتمها في زمن ملبد بالاحزان الثقال وليال من الظلمات الطوال ، وعسى ان يتم تجميعها اولاده من الخلف الصالح ..محمود وعمر وطارق .. واصدقاء ومحبين رافقوا مسيرته الادبية والسياسية ..جزاهم الله خيرا..
كان ابو محمود شاعرا قبل ان يكون كاتبا لمع نجمه في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته واكمل الكثير من كتبه في العشر الاواخر من حياته الزاخرة عطاءا لاينضب وحتى وافته المنيه العام الفائت في مثل هذا اليوم.. كان محللا بارعا سريع البديهة في استحضار الاحداث المقارنة عند النقاش والحوار وكان دائما ما يكرر ان الزمن في العراق يعيد نفسه نحو الاسوأ ، لان كل فصيل سياسي في العراق حينما يثِبُ للسلطة يمسح ما تقدم من مسيرة من سبقوه ويلعنها..؟
وهكذا لم تتبق للعراق برأيه المصيب تجربة سياسية يركن اليها ، ويمكن ان تكون قدوة نسير عليها ولان اهتماماته كثيرة ومتنوعة بين الادب والشعر والكتابة السياسية ،لم تسلم من انامله التي ابحرت كثيرا في بحور الشعر وامواجه العالية ،عطفا ومحبة حتى سعفات النخيل وجراح الوطن ودموع الاهل ، فكتب عنها كل جديد واسعف قامة عمتنا النخلة بكل ما يُطيب خاطرها بعدما قطعت رؤوسها ، في ازمنة القحط وابقيت “اجداث نخل خاوية ” ذكرها وآثرها بالكثير مما ورد حولها من سٌور في القرآن الكريم فكان كتابه “معجم النخيل ” ..

الراحل الأستاذ عبد الهادي الفكيكي

الراحل الأستاذ عبد الهادي الفكيكي

وفي كتابه الاقتباس من القران الكريم في الشعر العربي ، يشار له فيه بكل فخر أنَّ الفقيد الفكيكي احد الذين امكنهم استلهامه واستيحائه فيما راموا التعبير عنه من نوازع وخطرات راودَتْ وجدانهم ، ، وأقرنه بألفاظ من ابتداعه حيث يستوي معها البيت الشعري ويستقيم معناه ، مع معاني الزهد والتصوف والمدح النبوي ، أو التفاخر والهجو والإطراء والاستعطاف .. وهو الاقتباس الذي كنت اراه غالبا عليه ،وهو يضع كتاب الله عن شماله عند زياراتي المتكررة له ، مسترشدا متعمقا في معانيه وفصاحته فخرج كتابه الاقتباس بطبعتيه ما ابهر القارئين والمتابعين
متصدرا كل المكتبات العربية ..
كان رحمه الله كلما زرته في داره المتواضعة ، رايته غائصا على الدوام بين كتبه ووثائقه ومقالاته التي كان يكتبها لجرائد الزمان والمدى والعراق وصحف اخرى، تحت مسميات اخرى ولا يرتضي الا ان يوصلها بيده ..يكتبها بحرقة حتى مات كمدا على العراق الذي لم يبخل عليه بعلمه وواسع فكره وهو يكتب للاجيال ما فعله بهذه الأمة مؤخرا ساسة وبعض رجال دين ، ممن ماتت ضمائرهم ..
غادرنا الى غير رجعة ابا حسن ،وقد انطفأ ضوء معرفة وهاجة في سماء بغداد ، لم يعجزه كل ظلام العراق وإظلامه وظلامه من ان يكتب بالقرطاس والقلم على ضوء شمعة وآخر ضوء من النهار وأنبلاجة مصباح رباني ارجواني تصنعه خيوط الفجر.. كتب عن كل ما علمته الطبيعة عن انين جراح الضحايا وما كانوا وما كانوا يحلمون ، وعن كل ما يمس حياته وامنه وثقافته وانتمائه السياسي العروبي ..حاول دائما رحمه الله ان يجذر له رمزيا بجذر نخلة في كتاباته التي لم تستطع ان تهز سُعيفاتها ريح طائفية و شوفينية او شعوبية ..
في ستينيات القرن الماضي حينما تصاعدت وطأة المد الشعوبي القاسمي ، ترك الموت خلفه يلاحقه لاهثا ، حتى عجز ان ينال منه وسافر الى دمشق العروبة .الشام ..التي تئن اليوم من جراحاتها والتي تنهش اليوم لحمها كلاب الطائفية ومدعي الدين والمتاجرين به من المغالين من الدواعش وغيرهم …، ومن قلبها النابض عند جبل قاسيون ،اطلق صرخة عراقية مدوية عبر اذاعة صوت العراق الحر التي كانت تصل كل بيت إبان حكم الطاغية عبد الكريم قاسم ،مخاطبا فيها الوجدان العراقي والعربي. وبسبب قلة كادرها كان ابي حسن من يفتتح برامج الاذاعة ويغلقها بصوته، وهو
يرتل آيات قصار من القران ترتيلا جميلا ..
إنه صوتك يا ابا محمود .فهل عمركم سمعتم مديرا لاذاعة، كان يفتتح برامجها الصباحية بتلاوة للقران الكريم وينهيها ايضا بصوته مثلما فعل عبد الهادي محمود الفكيكي.. رحمه الله ..ووقتها كانت قصيدة الشاعر الشهيد عدنان الراوي تلعلع من على اثيرها وتدخل كل بيت عراقي ، في اربعينية شهداء أم الطبول الذين اعدم قاسم العراق ومفرقه بالامس ، خيرة قادة وضباط الجيش العراقي الشهداء: ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سري ورفاقهما في ثورة الموصل سنة 1959..ورددها العروبيون والناصريون في العراق والوطن العربي وحفظناها عن ظهر قلب :
قل للزعيم الاوحد
قل للكريم المفرد
قل للجلاوزة الطغاة
الراجفين من الغد
الظالمين الشعب في
ليل العراق الاسود..
لم يترك عبد الهادي الفكيكي العراق ، الا مضطرا ومسافرا لاكمال طباعة كتبه في دمشق وبيروت وعمان ، حتى حل ميعاد سفره البعيد الى رحاب الله ..وطنيا لم ار اكثر منه شغفا بوطنه وانتمائه العروبي ، وبرغم كل الظروف والتعديات والانتهاكات .. ، فضل ان يبقى ويموت بين جنباته نخلة واقفة متجذرة فيه على ان يموت كمدا متغربا في تراب غير ذلك التراب الذي احبه وانصهر معه في بودقة واحدة حتى الموت..
ومما عرفته عنه اثناء لقاءاتي الكثيرة به في آواخر ايامه إنه كان جِلدا صبورا رغم عصبيته وهو يلعن الظلام ..؟ ولكنه كنا نراه هادئا بشوشا على مسماه” عبد الهادي” ، وهو يحيط نفسه بكتبه ومصادره واقلام لا يمل من الكتابة بها و لا يكفي مدادها بحر ما يكتب، وترتيب اوراق مذكراته قبل ان يعاجله السفر الطويل ..
رحم الله الاستاذ عبد الهادي محمود الفكيكي وجزاه خيرا على ماقدم لوطنه وامته …. ووفاء منه لعروبته ووطنه العراق ..وحتــى النــفس الاخير..


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"