تابعنا على فيسبوك وتويتر

hussein sarmak 5في مجال البهجة الكونية والسُكرة العراقية “العالمية” هناك قصيدة مهمة جداً ، من بين قصائد كثيرة ، هي ” زفّة شناشيل ” التي تكتسب أهميتها من أن الشاعر لم يوسّع فضاء الابتهاج والفرح لينطلق في آفاق الطبيعة المنفتحة والمتوهجة ، يلتحم بها وتنسرب روحه في أوصالها كما فعل في قصائده السابقة التي أشرنا إليها ، بل نجده هنا ” يضغط ” الكون ومباهج الطبيعة و” يحصرها ” في حجرة صغيرة ، حجرة عشق ختل فيها مع حبيبته التي يمهد لخلوته معها بوصف حركة زفّة تمر في الشارع :
( زفّة شناشيل مرّت بالعگد …
والدف يرشرش فرح ..
والدشداشة گمره .. )
وهنا ، في هذا الاستهلال يتجلى جانب كبير من العبقرية النوابية تحدثنا عنه في مواضع سابقة ، لكنه يتجسد هنا بصورة صارخة مدروسة وموحية على مستويات متعددة ، ويتمثل في الحس الحروفي الدقيق الذي يظهر هنا في أعلى مستوياته في استخدام حرف ” الشين ” ، نحن في زفّة يتدافع فيه الأحبة المحتفون ، وتتنافس فيها الألوان ، وتتعالى فيها الأصوات ، فلا يجد طريقة للتعبير عنها سوى أنها ” زفّة شناشيل ” ، يصدح فيها الدف الذي لو تنبهنا إلى طبيعته الإيقاعية والصوتية لوجدناه فعلا ” يرشرش ” ألحانه ، والصورة تتحمل ، بل هي مصوغة وفق هذا التصور ، النظر إلى فعل الدف مثلما ننظر إلى الطريقة التي يرش بها ماء الورد على المحتفين . إن صخب الزفّة هو ” شين ” النفس المنفلتة من قيود الضوابط اليومية القاهرة ، وسوف نرى أن القصيدة كعالم مضغوط من الفرح الغامر تقوم على المفردات التي تضم حرف ” الشين ” ، فهو عمودها الفقري . ولا أتردد بعد شوط التحليل الطويل مع نصوص مظفر في القول : أن ” القصدية ” النوّابية التي تقف
وراء كل حرف ، كل كلمة ، كل حركة ، كل صورة مهما كانت بسيطة ، اختارت – حتى لو كانت لا تدري لأننا ننطلق من حقيقة أن لاشعور الشاعر هو شعوره – أن تشبّه الدشداشة بالقمر المكتمل – مفردة ” الگمرة ” العامية تعني شدة سطوع القمر واكتماله الدائري – ، لكي تتوافق بنيتها الدائرية مع الدف المدوّر . ولكن في هذه القصيدة هناك لعبة إيهام يمكن أن نسمّيها ” لعبة الإيهام النوّابية ” وهي سمة ثورية من سمات منجزه لأن الشاعر القديم قبله كان حريصا على ميثاق شرف الوضوح وصرامة سرد الوقائع مع القاريء بصورة تسلسلية ” أمينة ” يحسب فيها السبب المنطقي المفضي إلى نتيجة منطقية . وسبق للنواب أن استخدم تقنية الإيهام هذه في قصائد كثيرة أخرى ، لكن ليس بمثل هذه ” القسوة ” والبلاغة . الشاعر يتحدث عن زفّة تجري في الشارع – العگد ، بصيغة المراقب المنفصل على الأقل عن صخب الحركة وتلاطم الحشد ، وكأنه يقف لـ ” يصوّر ” ، ويصف بصيغة الغائب – ولا اعتقد أن اللغة موفقة هنا وقادرة على التعبير لأن الضمير يبدو وكأنه مخاطب والزفة حاضرة أمام عيني الشاعر فكيف هي ” غائبة ” – لكنه ينتقل إلى مخاطبة حبيبته :
mothaffar 9( وگلبچ كليچة تمر ..
والحنّة تركضلچ .. اگبالچ
تفرش السجّادة خضره )
– ولاحظ تلاحق المفردات التي تضم الجيم المعطشة : گلبچ ، كليچه ، تركضلچ ، اگبالچ – أي أن الراوي الراصد وأنثاه لا علاقة مباشرة لهما بالزفّة ، لكنه يخلق صورة موازية للزفّة ؛ له ولحبيبته ، متحدثا بضميرهما المشترك :
( واحنه عصفورين …
لمّينه الوكت .. حجرة عرس
والنومه يمّچ دفو حضره … )
هذه الصورة تدفع لعبة الإيهام والتمويه خطوة أبعد ، حين يستذكر الشاعر كثافة هموم الماضي القريب الخانقة ، حيث يتسيّد حرف ” الشين ” من جديد على هامة البيت القصير الذي يضعنا فيه الشاعر أمام تصوير نادر لما هو مجرّد ؛ الهمّ ، الذي حوّله إلى مطر تزخّه الدنيا على رؤوس المحبين ، فينبري العاشق لحماية رأس حبيبته من ضرباته :
( شكثر زخّت همّ أمس …
واركضت شمسية عشگ .. )
يذكرني هذا البيت بصورة أشد قساوة قالها صديقي الشاعر الراحل – مات منتحرا – عبد الصاحب الضويري :
بعيد الماي وآنه بعمر الورود عنّي وردت أشوف غيوم باچر
بس يا حيف باچر يمطر حجار
أتذكرها لأن صاحب – المتأخر تأريخيا عن النواب والذي يحاول الإقتداء به فنيا – كان يقول أن هذه الصورة من عطايا المعلم مظفّر النواب . هكذا سمّم النواب أجواء الشعر العامي فأنعشها ، ومن سمومه هو امتصاص رحيق المفردة وإلقاؤها قشرة حروفية خاوية كما قلت ، وقد وصفت جهده التوليدي في الدراسة السابقة عن قصيدة ” حچام ” بأنه جهد سيزيفي لغوي يحمل حجارة المفردة ليضعها على قمتها الدلالية والتصويرية العالية ثم يعود بها إلى الأسفل ويصعد بها من جديد ، ليضعها على قمة دلالية جديدة وهكذا . لكنني أجد أن هناك وصفا أشد تعبيرا عن حالة النوّاب في هذا المجال وهو صورة سيزيف التي رسمتها البوذية الصينية لسيزيف الأغريقي – وانظر إلى الفرق الهائل بين عقليتين – حيث تصوّره شخصا يكسر الحجارة ويبكي ، فتسقط دموعه على الأرض متحوّلة إلى حجارة ، فيكسرها ويبكي . النواب تنطبق عليه حالة سيزيف الصيني هذا ؛ فهو يحب المفردة ويبكي حين يقشّرها . يعود الشاعر إلى استخدام مفردة التكثير “اشكثر” :
( اشكثر دگّت ايدي …
بنهيدچ البرحي …
واشتعل جدّ العثگ … )
والفعل ” دگّت ” شائع بين الشباب في العراق لتصوير الروح التحرّشية التي تحصل على اشباعها وكأنها تنغرز في لحم النهد اللدن العصي المعاند ، وخصوصا في صخب الالتحام في فوضى حركة الأسواق .. وهذه الحبيبة التي نهدها مجبول من ثمرة ” البرحي ” – وهما متشابهان كبنية عضوية تقريبا – وهو ألذ أنواع التمور العراقية على الإطلاق ، الذي يضعه العراقيون في قدح الشاي بدل السكّر أحيانا ، والتي وضعها الشاعر العاشق لبّاً لقلب حبيبته : ” گلبچ كليچة تمر .. ” هي التي يتحدث عنها العاشق – لاحظ حظوة حرف ” الشين ” في حديث الناقد أيضا – . وتـأتي الشتيمة ” الإيجابية ” : ” واشتعل جدّ العثگ ” لتعبّر عن أقصى مستويات شهقة اللذة وحرارة الإنبهار المصاحب للإشباع المراوغ . وهنا يستخدم النواب مفردات للتشبيه مستلة من مكونات النخلة وصفاتها ، ومن المؤكد أن القاريء لا يتساءل عن المعنى الرمزي الدفين لـ ” العثگ ” ، والأوسع هو مغزى اجتماع القمر والبرحي والكليچه والنار والمشمش والقنطرة والماء والنهر …. إلخ مع حبيبين في حجرة العرس . الشاعر يجعل القاريء يذوب متعة ونشوة وكلاهما – الشاعر والمتلقي – يشتركان في عملية يبعدها الكبت عن عبور حاجز الرقابة والدخول إلى ساحة الشعور ، لكن الرغبة تلوب وتُشبع على المستوى اللاشعوري مستترة تحت أغطية اللعب الجمالي ” البريئة ” الرائعة . أتحدث تحديدا عن الرمزية الجنسية . و ( أريد أن أستشهد هنا بنص طويل لـ ” فلورنوا الابن ” ويزيد هذا النص عمّا تعارف الناس عليه في الاستشهاد ، ولكنه بدا لي أن من المستحيل قطعه وفيه من أسلوب التفكير وطريقة العمل ما يستحق معهما أن يُعرف : كان فلورنوا يدرس في مقال عنوانه ” سيفا أندروجين – civa androgyne صورا مختلفة تمثل ألوهية هندية والأشياء المستخدمة لعبادتها ، وقد أوّل ذلك كله تأويلا جنسيا . وعندما أنهى دراسته شعر بالحاجة إلى تسويغ تعليله فسوّغه بالكلمات التالية : ” ما هي الفائدة في العثور على دلالة جنسية مفردة أو مضاعفة لمختلف أوصاف ( سيفا ) ورموزها ؟ ولمَ – إذا كنا باتجاه صورة متخيلة – كصورة نهر يتفجر من شعر الرأس – لمَ لا نكتفي باعتبارها مجرد ابتكار خيالي ولا نبحث عن أكثر من ذلك ؟ وهل هنالك معنى ما في إقامة علائق غير متوقعة تجرح شعور الناس بالجانب الفيزيولوجي الفج فيها ؟ وعدا ذلك فإذا نحن وصلنا إلى نتائج من هذا الموضوع ، أفليس تحليلنا نفسه هو kh mothaffar 1الذي يشوّه الموضوع المحلّل بدلا من أن يجعله أقرب إلى الفهم ؟ ونحن نقبل ولاشك – أن الخيال وحده يمكن أن يخلق كل شيء ، حتى الأساطير والأعمال الفنية واللوحات العجيبة جدا . ولكن ملكة التخيل هذه ، مع ذلك ، جزء لا يتجزأ من الإنسان ، بمعنى أن على العناصر التي تعمل فيها أن تكون بشكل أو بآخر مستعارة من مجال التجربة الإنسانية . ويحاول جهدنا التحليلي أن يكتشف هذه العناصر الأساسية ، على أن تكون أبسط العناصر الممكنة على الرغم من التغيرات العديدة التي أضافها الخيال الجمعي والفردي . وليسمح لي حبّا بالوضوح في أن أقدم أيضا بعض الأمثلة المشخصة البسيطة جدا ، إنها قد تجرح – ولاريب – بفجاجتها ولكنها تجعلنا أقدر على فهم ما نريد . فالنهر الذي يسقي الهند ويخصبها يخرج من شعر ( سيفا ) . إن هذه فكرة خرافية واضحة – ولنقل أسطورة – ومن جهة أخرى فإنه توجد في ( بروكسل ) عين ماء معروفة جدا باسم ( مانكن – بيس ) يجري ماؤها من الطرق الطبيعية لغلام يبدو عليه أنه يتبول . إن هاتين الحالتين تشتملان على فكرة أساسية مشتركة منها استوحى رجل الفن عمله : أي إخراج السائل من الجسم الإنساني . ولكن أي هاتين الحالتين تعبر عن الفكرة بأقل تشويه ممكن ؟ فمتى رأى الرسام أو الشاعر الهندي أن الماء يتدفق من شعر امرأة ؟ إنهما لم يريا ذلك أبدا،فيما أظن – وأقرب ملاحظة إلى أسطورتهما استطاعا القيام بها – شعوريا أو لاشعوريا – ثم حرّفا فيها كما شاء لهما الهوى ، عندما أنشئا عملهما الفني – لا يسعها أن تختلف اختلافا كبيرا عن ملاحظة مهندس عين ماء ( بروكسل ) . وإذا نظرنا إلى ( سيفا ) من حيث أنه إله الطاقات الخلاقة والمنعم الكبير بالحياة والمعبود على صورة الـ ( لينغا ) ومطلق مياه الغانج المخصبة من ضفيرة شعرها فإننا نستطيع أن نتساءل عما إذا كان الخيال المبدع – عندما أخرج السيل المقدس من شعر ( سيفا ) – لم يموّه بكل بساطة فكرة ما وراء ذلك هي أوضح وأقرب إلى الفهم . وفي إحدى متاحف الآثار يوجد قطعة موزاييك فاجرة تمثل رجلا يقذف بذارا غزيرا – هذا ما يقوم به الإله ( إنكي ) وهو يقذف منيه في نهر الفرات في أحد الأساطير السومرية ، الناقد – وقد عبر النحّات هنا بشكل فج ومن دون أي لف أو دوران عن فكرة القوة الخلاقة ، لكن الأسطورة الهندية – على العكس – تفجر المياه من شعر ( سيفا ) . فأي هذين التعبيرين ينبغي اعتباره الأكثر بدائية والأعرق أصلا ؟ وأيهما تلقى التمويه والتحريف ؟ أهو ذاك الذي يثير التقزّز إلى الدرجة التي تغرينا بمدافعته وكبته أم هو الآخر ؟ ولنضرب مثلا أخيرا : إننا نلاحظ في أجد وجوه ( سيفا ) أن الخيال الاسطوري يُخرج مخلوقا صغيرا من رأس الإله الخنثى . وتلك واحدة من هذه الولادات ( اللاتناسلية ) على مثال تلك التي تُعزى لحوّاء لدى خروجها من أحد ضلوع آدم . فهل نرتكب خطأ إذا نحن اعتقدنا أن وراء هذه الأساطير عنصرا أجنبيا مكبوتا ؟ وهل أتاحت التجربة الإنسانية يوما ما بأن يخرج إنسان جديد من جمجمة أو ضلع ؟ ولئن وصل الخيال إلى تصورات خرافية إلى هذا الحد ، أفليس الأصح أن نرى فيها غاية الطريق – أي إنضاجا ثانويا – بدلا من أن تكون بدايته ؟ إن هذه الامثلة القليلة تكفي لجعلنا نفهم لماذا يبدو لنا أن من المشروع – في دائرة العلم الموثوق – ردّ التعابير الرمزية إلى دلالاتها الأبسط والأقرب إلى الطبيعة والبحث عن نقطة البداية فيها – مهما تكن مبتذلة – حتى لو جرحت أحاسيسنا ؟ إن هذا المبدأ يبقى هو هو سواء أطبّق على الفن أو على الخرافات أو على أي نتاج خيالي مرضي أو عبقري إذا نحن حاولنا – النفاذ إلى سرّه واكتشاف ما وراء تعقيده . وقد لا يكون ضروريا أن بحثا من هذا النوع لا ينطوي على أية فائدة ولا على أي خطر يختلفان عمّا ينطوي عليهما أي بحث علمي آخر . والحق أني لم أعثر في أي مكان على نص يوضح لنا بصورة أفضل روح التحليل النفسي الفرويدي . ولا يزيد ( فلورنوا ) على أن يعود من جديد إلى موضوعة التجريبيين الأولى : لا شيء في العقل لم يوجد قبل ذلك في الحواس . وقد كانت أمثلته واضحة جدا ، وسواء كانت الصورة تمثل رأس امرأة يخرج من جمجمة ( سيفا ) أو كانت – إذا شئنا – ( مينرفا ) التي تولد من رأس ( جوبيتر ) فأي معنى لهذه الاسطورة ؟ إن كلمة ( المعنى ) هنا يمكن أن تُفهم بصورتين : فقد تعني الصورة : إما هذا الشيء الذي تتجه إليه ، أي ( الأثر ) بالمعنى الواسع ، أو المفهوم المقبل الذي سيصدر عنها ، وأما بالعكس هذا الشيء الذي تُشتق هي منه ، أي سببها أو الإحساس الذي تصدر عنه . أما من وجهة النظر التركيبية أو الغائية فإن ولادة ( منيرفا ) تعني أو تدل على الأصل الإلهي للحكمة . وأما من وجهة النظر التحليلية أو السببية أو الإرجاعية ، فإنها انتقال للولادة من الأدنى إلى الأعلى ، أي من الفرج إلى الرأس . ويصر التحليل النفسي إصرارا كبيرا على أن المشروط هو إشارة للشرط ويطلب إلى المعترضين عليه ما إذا كان في وسعهم أن يتخيلوا لحظة واحدة أن فكرة الولادة ( اللاتناسلية ) يمكن أن تكون هي البدائية أو ألا تكون مشروطة بفكرة الولادة التناسلية . ونحن ندرك وفق قواعد التحليل النفسي أن الحلم في ما يرى ( فرويد ) ليس بإشارة إلى موضوعه المزعوم ، بل هو إشارة إلى أسبابه . وهذا هو المبدأ الذي يطبقه الدكتور ( فلورنوا ) على تأويل الأسطورة .. ) ( 4 ) . كان هذا الاقتباس طويلا لكنه ضروري جدا لاستيعاب جانب مهم من جوانب الثورة النوابية والذي يتمثل في تفعيل الرمزية الحسّية – الجنسيّة في بنية القصيدة العامية لغة وصورا . هنا يتجلى المكر النوابي في أبهى صوره جلالا وهيبة . فالشاعر إذ يمعن في تعزيز تجانس الصورة الشعرية ؛ فهناك التمر ، البرحي ، والعثگ ، وكلها مستلة من النخلة فإنه ” يمرّر ” الحفزات الشهوية خلف أستار الرمزية الشعرية التي تبدو ” متعادلة ” و ” محايدة ” . ومن عادة مظفر أن يجعل الركيزة التي يتأسس عليها فعله الشعري من حرفين أو ثلاثة تتكرر في مفردات القصيدة ، وهي هنا : الشين والكاف الفارسية والجيم المعطّشة ، ولو راجعنا الوقع الموسيقي لكل حرف ، ومصدره من التركيبة العضوية التي ينتجها الحلق ، لوجدنا أنها أحرف تنطلق من “مناطق” متجاورة قريبة أو بعيدة من اللهاة ، وكلها توصل إلى حالة من ” إشاعة ” الهمس وتحويله إلى زفة ” شناشيل ” حروفية مضخمة . هذا اللعب الحروفي يتعكز وقتيا على الجيم المعطشة التي لا تخل ببنيان البيت اللغوي ، والأهم النفسي ، لأنها تحمي الشحنة اللذّية نفسها وتسخّنها ، فالجيم المعطشة ، تعني الاستعادة وإعادة الاحتضان ، فعكس ما يتصوره بعض الحروفيين من أن هذه ( الچيم ) تفلت وتنطلق من أسار ممكنات الحركة العضوية ، ولهذا نجدها تقابل الشين المنطلقة المرشرشة والمنفتحة إلى الخارج ، إلى الفضاء الحبي الواسع ، إنها ( ترشرش ) في الداخل ، فتلهب حرقة عالم الداخل ، المعزّز بـ”چ” الإصرار الرغائبي والوقفة الملتهبة والإلحاح النفسي ، والـ “چ ” هذه يجعلها مظفر جزءا من عملية تأجيج النار ، اشتعالة النار هي بدء معاند على الجيم المعطشة :
( نار بمرايه شيكمشچ ؟ ,,
من أجيلچ
أنطبج آني ولهيبچ
نحترگ
طعمه ، يا برحيّة الله
وعنگچ معيبر گمر … )
إن الإقتباس الطويل الذي قدّمناه يجد تطبيقه الحي في الصورة التي يرسمها الشاعر لحبيبته كشعلة نار في مرآة .. يعز الإمساك بها ، هكذا يتساءل الشاعر ” ببراءة ” حائرا في الكيفية التي يظفر بها بالمعشوقة ، لكنه سرعان ما يشخّص ” الإلتحام ” المتمنى – وهذا ” الإبعاد ” جزء من لعبة الإيهام – من خلال تصوير ما سيفعله بها حين ” يأتي ” إليها حيث سيحترق مع ” لهيبها ” – أين يكمن ” لهيب ” المعشوقة الذي سيحترق ” معه ” العاشق ؟ وفي حركتين شعريّتين تحرّشيتين : ” النومه يمّج دفو حضره ” و ” برحيّة الله ” يعيد إلى أذهاننا الدهشة التي يؤججها الشاعر ” المارق ” .. الشاعر هو الذي يجرأ على أن ” يسمّي ” الأشياء ” الملتبسة ” بأسمائها الشعرية التي نخشاها عادة بفعل الإرادة المهادنة . ( فمن بعد أن خلق الله آدم من ” تراب الأرض ” ، وبعد أن جعل مقامه في جنة إلى الشرق من عدن ، تابع خلق جميع حيوانات الحقل وجميع طيور السماء ، وجعلها تحضر أمام آدم ليرى كيف يمكن له أن يسمّيها ؛ فالاسم الذي جعله آدم لكل كائن حي ، أصبح هو اسمه . ولقد حيّر هذا التعامل المثير للفضول الراسخين ، على مدى قرون مديدة . فهل كان آدم موجودا في مكان كل شيء فيه لا اسم له ، وأن عليه بالتالي ابتكار الأسماء للأشياء والكائنات التي هي أمام ناظريه ؟ أم أن الدواب والطيور التي خلقها الله كان لها دون أدنى جدال أسماء يُفترض بأن آدم يعرفها ، وأن عليه أن ينطق بها كالطفل الذي يرى كلبا أو يرى القمر لاول مرّة ؟ ) ( 5 ) . وأعتقد أن الجواب الشافي لتساؤل ” ألبرتو مانغويل ” المحيّر هذا هو أن آدم ” سمّى ” الأشياء لأنه شاعر ، هو أول شاعر ” تورّط ” الله في خلقه ، أول من سمّى كل شيء من الموجودات في الكون ، وأوّل من ” اخترع ” اللغة كان شاعرا ، وهو العراقي السومري الأول الذي انحدر من صلبه مظفر . وحين تسمّي فأنك تمتلك إمكانات خلق .. تصبح إلها .. ولهذا ” مرق ” آدم في الجنة لأنه اكتشف المعنى الرمزي الدفين لاسم ” شجرة المعرفة ” – وليس عفوا أن من معاني الفعل ” عرف ” في اللغة المواقعة الجنسية – ، فبعد أن ” عرف ” آدم الأسماء ، ” تعرّف ” إلى حوّائه ، معشوقته رغم وجود السلطة الكونية المعاقبة فوق رأسه ، أحسّ أن وجود إلهين في الجنة أمر مستحيل . يقول نابليون : ” قائد سيء واحد ، أفضل من قائدين جيدين ” ، وتحكي إحدى الأساطير الإغريقية عن شخص مات لأن إلهين أحبّاه !!. ومظفر من نمط هذا الشخص الممتحن مع فارق أن أكثر من إلهين أحبّوه . وهي تورية عن القدرة التعرّضية لدى الشاعر على أن ” يُسمّي ” الأشياء ” بأسمائها ، وخصوصا كشف الأصل الجنسي للمسمّيات المخاتلة :
( وآنه فارش حضني .. أنطر
بلكي نسمة ليل تلعب بيچ ..
وتصيرين حصتي
وگبل ما تملي شليلي …
وگلبچ أيام المطر … )
نعود الآن إلى لعبة الإيهام ، مراوحة بين الإبعاد اللامبرّر ، والتقريب الموغل في الإفراط . لقد انكشفت خدعة : ” إحنه عصفورين .. لمّينه الوكت حجرة عرس … والنومة يمّچ دفو حضره ” ، فلم نعد تأسرنا ” دگة ” يد الشاعر بنهد حبيبته ، مادام قد تعرّى من فروسيته الجنسية وظهر الآن وهو يتوسل بالنسمة الليلية كي تتلاعب برغبات الحبيبة العصيّة على المنال وتلقيها في أحضانه . لكن الشاعر الذي ” يُسمّي ” بقدرة إله يتلاعب بنا من جديد حين يتحدث عن زفّة الشناشيل وكأننا نبدأ من نقطة صفر الشهوة بعد أن سار بنا ، مغيّبين ، في طريق متاهة طويل نسبيا – ليس أطول من الإقتباس التوضيحي الذي قدمناه – خدعنا أنفسنا فيه بالإشباع الخادع ، خادع لكنه منعش ومفعم بالغبطة :
( زفّة شناشيل …
وآنه وياچ …
ختّيله بحجرة النوم
مخاديد ودواشگ .. وظلمة …
الظلمة حلوه …
الظلمه ما تترك أثر .. )
إننا في هذه الرجعة نكون كمن يمارس مرحلة ” اللذة التمهيدية ” التي تسبق ” اللذة النهائية ” في العملية الجنسية ، ولكن بصيغة مضافة ومضاعفة رغم جوهرها ” التكراري ” السرّاني الذي يجري عادة من وراء أستار ظلمة الرغبة المسمومة . لكننا أُدخلنا الآن – بتعمد الشاعر – في مركز دائرة المشهد المكشوف ، نحن مع الشاعر وحبيبته وهما يختلان في حجرة النوم .. هذه العودة التي قد تبدو حركة فنّية بسيطة ، هي في حقيقتها تعبير عن سمة من بين أهم سمات الثورة النوابية وتتمثل في المسار السردي اللولبي الذي اخترعه الشاعر .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"