تابعنا على فيسبوك وتويتر

sami albadriكان سيجموند فرويد (1856-1939) مهتماً بالفن والأدب كثيراً وما تركه لنا من إرث حول ما ثارته الأعمال الفنية والأدبية في نفسه من تأملات جدير بالدراسة والتأمل. كان مما اهتم فيه فرويد هي مسرحيات شكسبير حيث تقول المصادر أن فرويد كان قد قرأ شكسبير في عمر الثامنة وكان قد حفظ مقاطع طويلة منها غيباً (1).
وحين بدأ فرويد بعرض نظريته في التحليل النفسي كان كثيراً ما يستشهد بأمثال يستخرجها من مسرحيات شكسبير وغيرها من الأعمال الأدبية، فقد قال فرويد في أحد المرات: “إن الشعراء والفلاسفة من قبلي اكتشفوا اللاشعور؛ أما أنا فاكتشفت الطريقة العلمية التي بواسطتها نستطيع دراسة اللاشعور”. كان شكسبير قد كتب في مسرحية الملك هنري الرابع: “الامنية تلد الفكرة.” ان افكارنا تولد من رغباتنا وامانينا، مثلما قال شكسبير، لكن فرويد أضاف أن ذلك يحدث بشكل لا شعوري.
سنتناول في هذه المقالة بعض الدروس النفسية من إحدى مسرحيات شكسبير وهي مسرحية ماكبث.
تحكي مسرحية ماكبث عن القائد العسكري ماكبث وطمعه في أن يكون ملكاً على انكلترا فيقوم تحت تشجيع وإلحاح زوجته السيدة ماكبث بقتل الملك، ثم يرتب لسلسلة جرائم قتل للنبلاء القريبين الذين قد يستولوا على الحكم وقتل أبناءهم كذلك حتى لا يكون لهم وريث شرعي، لكنه في أثناء سلسلة الجرائم هذه يبدأ بالهذيان حيث تبدأ أشباح من قتلهم في الترائي له وسط المآدب التي يقيمها ويبدأ بالتكلم معها فاضحاً نفسه أمام الناس.
كتب وليم شكسبير (1564- 1616) مسرحية ماكبث في الفترة الجاكوبية لانكلترا وهي الفترة التي اعتلى عرش انكلترا فيها الملك جيمس الأول بعد وفاة إلزابيث الأولى حيث لم تترك إليزابيث الأولى وريثاً بعدها فلم تتزوج طوال حياتها ولقبت بالملكة العذراء ولحد الآن لا يعرف لماذا لم تتزوج. كانت الملكة إليزابيث الأولى قد أقرت في حياتها على مضض بأن جيمس الأول هو وريثها الشرعي الوحيد. كان جميس الأول هو الإبن الوحيد لملكة اسكتلندا ماري ستيوارت التي كانت إليزابيث الأولى قد أمرت بإعدامها. يبدو أن الكثير من الغموض يلف تلك الملكة العذراء وعلاقاتها بمحيطيها.
يؤكد فرويد المعتقد القائل أن مسرحية مكبث كتبت لتخليد ذكرى اعتلاء جيمس الأول العرش ويشير إلى موضوعة عدم إنجاب الأطفال كموضوعة أساسية في المسرحية، فالزوجين ماكبث لا ينجبان الأطفال مثل حال الملكة إليزابيث الأولى.
ومما يزيد العلاقة بين مسرحية ماكبث وذكرى اعتلاء جيمس الاول للعرش هو أن الملك جيمس الأول كان مهتماً بما كان يسمى وقتها (مطاردة الساحرات) وهي عملية مطاردة واضطهاد من كان يشتبه بهم انهم يمارسون السحر والكثير منهم كانوا في الحقيقة مرضى نفسيين أبرياء مما كانوا يتهموهم به إلا أن الكنيسة كانت تشجع هذه المطاردات وجرت الكثير من الاعدامات وقتها بدون أي محاكمة لهؤلاء الساحرات. كان الملك جيمس الأول مهتماً بهذا الموضوع ومؤمناً به حتى أنه ذهب للدانمارك في رحلة مخصصة لهذا الموضوع حيث اشتهرت الدانمارك وقتها بمطاردة الساحرات فكتب جيمس الأول كتاباً أسماه “ديمونولوجي” يدّعي أن فيه المعلومات الكافية لمن يريد مطاردة الساحرات وينجح في ذلك.
أما ما علاقة ذلك بمسرحية ماكبث فيشير بعض المؤرخين أن شكسبير استخدم كتاب “الديمونولوجي” ليستوحي منه المشاهد التي تتحدث عن الساحرات الثلاث في مسرحية ماكبث حيث تلعب الساحرات الثلاث دوراً أساسياً في المسرحية فهن اللواتي يزرعن تلك المطامع في السلطة في قلب ماكبث فعندما يكون ماكبث وزميله بانكو راجعين من إحدى المعارك وهما منتصرين تخرج لهما الساحرات الثلاث لتتنبأن لماكبث بأن يصير ملكاً، ولبانكو بأن يصير أبناءه ملوكاً.

رسم الكثير من الفنان مشاهداً من مسرحيات شكسبير، ورسم عدد من الرسامين مشهد الساحرات الثلاث وهن يتنبأن لماكبث وبانكو بالملك، وهنا نرى لوحة الرسام الفرنسي تيودور كاسيريو (1819-1856) التي تصور ذلك المشهد.

رسم الكثير من الفنان مشاهداً من مسرحيات شكسبير، ورسم عدد من الرسامين مشهد الساحرات الثلاث وهن يتنبأن لماكبث وبانكو بالملك، وهنا نرى لوحة الرسام الفرنسي تيودور كاسيريو (1819-1856) التي تصور ذلك المشهد.

وبعد أن يخبر ماكبث زوجته بنبوءة الساحرات الثلاث له تبدأ زوجته بالإلحاح عليه ليقتل الملك ويستحوذ على السلطة. وحين يبدأ ماكبث بالتردد تستهزء به السيدة ماكبث وحين تختلي بنفسها تكلم نفسها بحديث مخيف نرى فيه أفكارها الإجرامية تقول:
“… تعالي أيتها الأرواح
التي تعيش على الأفكار الفانية، غيري جنسي هنا،
واملأيني في رأسي إلى أخمس قدمي حتى الطفح
بالقسوة المرعبة! اجعلي دمي كثيفاً؛
سدي المدخل والممر للندم،
فلا تزورني أي عاطفة
تزعزع وقع مأربي، أو تضع الوئام
بين النتيجة والهدف! تعالي إلى ثديي المرأة مني،
وأبدلي حليبي بعلقم، يا سفيرات الجريمة…” (2)
في فكرة إجرامية غريبة تريد السيدة ماكبث ان تتخلص من أنوثتها فهي تقول (غيري جنسي)، و(وتعالي إلى ثدي المرأة مني) وكأن هناك منها مرأة ورجل، فهي تخاطب سفيرات الجريمة أن يأتون إلى ثدي المرأة منها و(أبدلي حليبي بعلقم) في دعوة غريبة في غضبها وقسوتها وتجعلنا نتساءل لم هي تريد أن تتخلص من أنوثتها، ومن حليب صدرها؟
لا تقول المسرحية إن كان لماكبث وزوجته طفل أم لا، لكننا نتعرف على أبناء أغلب أبطال المسرحية، وبذلك نستطيع أن نستنتج أن ماكبث أبتر، والسيدة ماكبث عاقر، أو ربما هم لا يمارسون الحياة الزوجية بشكل طبيعي. نتوصل إلى الاستنتاج بأن ماكبث وزوجته يعانيان من عدم وجود من سيرثهما حينما نعرف أنهما سعيا لقتل إبن (بانكو) ليقطعوا نسله في غيرة مرضية شديدة محاولين أن يحيلوا دون تحقق نبوءة الساحرات الثلاث في أن يكون أبناء بانكو ملوكاً.
في بدء المسرحية يعاني ماكبث شيئاً من الندم على فعلته، فيبدأ شبح الخنجر الملطخ بالدم الذي قتل فيه الملك دنكن بالترائي له، ثم بعد قتل أحد أصدقاءه النبلاء يبده شبح صديقه وهو ملطخ بالدماء بالترائي له، بينما تبقى زوجته السيدة ماكبث مصرة على إكمال خطتهما بقساوة غريبة، ثم يحدث إنقلاب غريب، حيث يبدأ ماكبث بالتصرف بقساوة وصلابة فيما تبدأ السيدة ماكبث بعدم القدرة على النوم ليلاً حيث تبدأ بالنهوض من النوم ماشيةً وهي فاتحة عينيها وتبدأ بغسل يديها بشكل متكرر متمتمة أنها تغسل يديها من الدماء. إن هذا التغير السلوكي غير مفهوم، وتمنى بعض النقاد، ومنهم فرويد، لو أن شكسبير كتب مسرحية ماكبث بشكل مطوّل أكثر مما هي عليه ليتسنى فهم نفسيات أبطالها، حيث تعتبر مسرحية ماكبث من مسرحيات شكسبير القصيرة نسبياً.
ومما أضاف على صعوبة تفسير التغير السلوكي لماكبث وللسيدة ماكبث أن من أهم جوانب المسرحيات أنها فن درامي تمثيلي، أي انها كتبت من أجل ان يتم تقديمها على المسرح، ولذلك فان هذه المسرحيات تعتمد على الحوار في توصيل الفكرة، ولذلك يغدو من الصعب ممارسة النقد النفسي عليها فكاتب المسرحيات، خلافاً لكاتب الرواية على سبيل المثال، لا يصف لنا العوالم الداخلية النفسية لأبطاله إلا من خلال الحوار مع الشخصيات الأخرى، أو من خلال مونولوجات توضح لنا طريقة تفكير البطل المسرحي.

بقي فرويد يحاول فهم سبب تغير سلوك ماكبث والسيدة الماكبث حيث كتب في رسالة لأحد طلابه المؤيدين الذين صاروا لاحقاً بمثابة زملاء له وهو ساندور فارنزي (1873-1933) عام 1914 يقول فيها: “لقد بدأت في دراسة ماكبث، ذلك العمل الذي عذبني منذ أمد بعيد، بلا أن أستطيع إيجاد حل لحد الآن.” (3)
ولحل ذلك الإشكال أوجد فرويد فكرة بديعة وهي أن شكسبير “أحياناً يشطر إحدى الشخصيات على بطلين”، حيث يقصد فرويد أن شكسبير يؤلف بطلين ما هما إلا وجهان لشخصية واحدة يمثل كل وجه رغبة تختلج في نفس الشخصية وتصطدم في الرغبة الأخرى المعاكسة فينتج الصراع. وفيما يخص مسرحية ماكبث يعتقد فرويد ان ماكبث والسيدة ماكبث ما هما الا وجهان لشخصية واحدة ويستدل فرويد على ذلك بمقارنة ما يحدث لماكبث وللسيدة ماكبث زوجته قائلاً:
“إنه هو الذي عانى من هلوسة الخنجر قبل الجريمة؛ لكنها هي من وقعت تعاني من المرض العقلي لاحقاً. إنه هو الذي سمع بعد جريمة القتل صرخة في البيت تقول: (لن تنام بعد الآن! لقد قتل ماكبث النوم..) ولذلك فـ(ماكبث لن ينام بعد الآن)؛ لكننا لا نرى أنه سيعاني من مشكلة في النوم، بينما الملكة، كما سنرى، تبدأ بالنهوض من سريرها، وتتكلم وهي نائمة، فاضحة شعورها بالذنب… ولذلك فما يخافه هو من وخز للضمير يتحقق فيها..” (4)
إن غسل السيدة ماكبث ليديها كل ليلة وبشكل متكرر بسبب ما تظنه أنه دم لصق بها هو أشبه بما يحدث في داء الوسواس القهري، ويبدو أن سبب ما تعاني منه السيدة ماكبث هو شعور بالذنب في لاشعورها. إن داء الوسواس القهري هنا يبدو كعقوبة من الله للسيدة ماكبث على إجرامها، وكذلك المشي أثناء النوم. لكننا اليوم نعرف أن داء الوسواس القهري اضطراب نفسي سببه قلة في الناقل العصبي السيروتونين في الدماغ وفي بعض الحالات يحصل بسبب اضطراب مناعي يهاجم ما يسمى بالعقد القاعديةBasal Ganglia  في الدماغ. أما المشي أثناء النوم فهو حالة طبيعية في الأطفال ويقل حدوثها مع العمر إلى أن تختفي في الكبر. لا نستطيع أن نلوم شكسبير الذي عاش في القرنين السادس والسابع عشر على فكرته في أن الأمراض النفسية تأتي كعقوبة على جرم ما، فهذه الفكرة التي كانت شائعة في حينه مثلما رأينا أن الملك جايمس الأول كان من المؤمنين بمطاردة الساحرات وأغلب من كن يتهمن بأنهن ساحرات ما كانوا سوى مريضات نفسياً مسكينات. كانت تلك العقلية السائدة حينها وتأثر بها شكسبير. وكذلك لا نستطيع أن نلوم فرويد في عدم اعتراضه على ربط داء الوسواس القهري والمشي أثناء النوم بالإجرام في مسرحية ماكبث فلم يكن السيروتونين قد اكتشف وقتها ولم تكن دراسات النوم المختبرية قد حصلت.

لوحة السيدة ماكبث وهي تمشي في نومها رسمها هنري فوسيلي 1741-1825 الرسام البريطاني الذي اشتهر برسمه الكثير من اللوحات التي تصور مسرحيات شكسبير. رسم الكثير من الرسامين لوحات تجسد نفس المشهد من بينهم الرسام البريطاني ريشارد ويستال (1765-1836)، وكذلك الرسام الفرنسي يوجين دولاكروا (1798-1863

لوحة السيدة ماكبث وهي تمشي في نومها رسمها هنري فوسيلي 1741-1825 الرسام البريطاني الذي اشتهر برسمه الكثير من اللوحات التي تصور مسرحيات شكسبير. رسم الكثير من الرسامين لوحات تجسد نفس المشهد من بينهم الرسام البريطاني ريشارد ويستال (1765-1836)، وكذلك الرسام الفرنسي يوجين دولاكروا (1798-1863

رغم أن العلم تطور في فهم داء الوسواس القهري والمشي أثناء النوم إلا أن مسرحية شكسبير تبقى درساً أخلاقياً عظيماً كتبت بلغة شعرية آسرة، واستطاع فرويد بأفكاره العبقرية أن يترك لنا تأملات في تفاصيلها تغني موروثنا الفكري وتعمق فهمنا للنفس البشرية.

هوامش :

1. Holland, N. (1960), “Freud on Shakespeare,” PMLA, 75(3), 163-173.
مسرحية ماكبث لوليم شكسبير، ترجمة: عبدالرزاق محسن الخفاجي، مراجعة: أميرة كيوان. دار البحار،  بيروت 2008 2.
3. Gay, P. (1998), Freud: A Life for Our Time, New York: Norton.

4. Freud, S. (1916), “Some Character-Types Met with in Psycho-Analytic Work,”  SE, Vol.14, 309-334


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

3 تعليقات لـ “سامي عادل البدري : حين قرأ فرويد مسرحية ماكبث…”

  1. يحي بن عمار يقول :

    شكرا جزيلا على هذا المقال الرائع و المفيد . تحية أخوية من الجزائر

  2. سامي عادل البدري يقول :

    شكراً لك أخي يحيى بن عمار على تشجيعك لك، وأهلاً بك وبكل أهل الجزائر.

  3. ٍSarah G يقول :

    مقالة رائعة.. لم أكن أعلم أن هناك علاقة بين فرويد والأدب
    شكرا لك .. لقد استمتع بقراءته :)

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"