تابعنا على فيسبوك وتويتر

mokdad  masoudشخصيا استوقفتني التظاهرة الثقافية المتنوعة في مهرجان نينيتي الثالث ،فقد تنوعت الابداعات
وكسرت المألوف في انشطة المهرجانات الثقافية، وأعطت نموذجا جديرا بالاستفادة من اجراءاته ،هذا الامر يجعل الكتابة عن هذا الكرنفال الثقافي، محاولة لاتخلو من صعوبة، ولايمكن تجاوزها إلاّ بجهد مشترك، أو جهود فردية، يمكن توحيدها من خلال ورشة عمل، قراءتي هذه تصب في الرافد الفردي، وتحتاج مساهمات أخرى مني او من سواي ربما يمتلك قدرة أكثر سعة لكتابة شاملة عن الانشطة..بعيدا عن التعاطف التقليدي، وخارج مجاملات منظمات المجتمع المدني، حاولت ان ارصد جهدا يستحق كل الاهتمام ،من هنا جاءت قراءتي المنتجة كقراءة مجاورة لنصوص خمس شاعرات عراقيات وشاعرة بلغارية..
ترى قراءتي ان هذه النصوص، تجعل الشاعرات ينتسبن دون قصد منهن الى سلالة الشاعرات والشعراء الاعترافيين ، فلا تخلو قصيدة من السييري المستعمل شعريا، وهذا الاستعمال يلتقط اليومي المعيش وينفخ فيه  الشعري ، وهكذا يتسامى المألوف الى جمالية النموذج الشعري الحي الفاعل..
1-7

الشاعرة..أزهارعلي حسين     
(1)
في قصيدة( ميلاد الله)..تستعيد ذاكرتي، قصيدة كتبها الشاعرالعراقي الراحل مصطفى عبد الله(الولد يبيع الماء البارد/ص134) .في منتصف سبعينيات القرن الماضي.. في قصيدة أزهار يكون الكلام موجها للطفلة ذاتها، ونحن القراء ،سنكون تاليا، وفق المأثور الشعبي( الكول ألج ياخالة والمعنى ألج ياجارة)..وقصيدتها ليست نداء استغاثة الى من يهمه الأمر، فهو بدوره لاوقت لديه للقراءة،دع عنك قراءة الشعر، لكن الشعر يحاول ادانة مايجري، بعيدا عن المنبرية، من خلال أحوال طفلة عراقية تبيع العلكة في الشوارع، وقد تتحول الى بيع ماهو أفدح ..اذا أستمر الشارع لاالبيت أو المدرسة، مكانها الأهم..لكن ثمة عطل لغوي سيحدث ويتسبب في عدم الموازنة بين الميداني الشرس وبين اللغوي الشعري، لذا تعلن القصيدة اعتذارها..
(أخشى بأني لاأمتلك لغة
أمام سرك الصغير
وأنت تودعين براءتك
وتبعين العلكة
على قارعة الطين )
azhar ali  husseinمن هذا الباب ستتكشف لنا ملامح الطفلة بين الوداع/ البيع، ثمة قانون جائر هنا، لايمكن للطفلة ان تبيع..دون ان توّدع البراءة، وهكذا تكون الطفلة أمام عرض وطلب مغاير للقنونة الاقتصادية !! وهذا الجور، سيومىء له النص بشبه الجملة
(على قارعة الطين)..وستدخل هذه الطفلة في الضنك، بشحنة عالية من اللاأدرية،
فهي تدخل بطفولة أحاسيسها، لذا يحاول النص مخاطبتها بوعييه هو، ليهتك مايجري، وهنا يرسل النص شفرة أخرى، ليضيف ابعادا لملامح بائعة العلكة
(تفتتحين فوضى العالم
بصباحات الرماد
ونبض لم تسكنه طفولة)..
تستعين بعاملين لأختراق مغاليق الفوضى الكبرى :
*صباحات الرماد
*وغياب الطفولة
وكلا العاملين يحملان شحنة سالبة، في النقلة الثالثة في القصيدة، سنكون أمام نسق احالة ثلاثي :
*فيك من الورد لون متبخر
ووجه يعطل الشرود
*فيك من الأرض
رائحة النكبة
والناي المفقود
*فيك وكل مافيك
أعتراف صريح
لوطن يجاهر بخيبته
ويلبس طعم السواد..
في هذا النسق الثلاثي تكتمل ابعاد الصورة الشعرية للطفلة وفي نفس الوقت تتفعل اتصالية بين الخاص / العام ..بين الإنسان والوطن..
هنا تواصل الشحنة السالبة بثها وتزيد فيه لتعمّق في مأساوية اللحظة الوطنية المتجسدة في الطفلة ،وهي بالطريقة هذه لاتنفي، بل تعيد المحذوف الى موطنه
تخلص الورد من التبخر، والوجه من الشرود والارض من النكبة وتعثر على الناي
ان الاعادة ليست افتراضية، بل فعل تحريض وهذا يقع ضمن وظائف الشعر..
والضربة الاخيرة هي الاقوى شعريا..

(فيك وكل مافيك
أعتراف صريح
لوطن يجاهر بخيبته
ويلبس طعم السواد)..هنا يتماهى الاتصال بين الوطن والمواطن.. تماه الحذف وخيبة السواد المفضوح.. فالطفلة محذوفة من طفولتها ومغروسة/ مغروزة في قارعة الطين بكل مافي الطين من شحنة توحيل البراءة وطمسها ،والوطن من خلال هذه المواطنة/ العينة الانسانية، يشير الى خلل ليس فيه، بل بمن يتحكم في سيرورته
الوطنية،التي من أهم خصائصها تطبيق مستحقات المواطنة لكل فيه..
(2)
في المفصل الثاني، يشتغل النص على الذاكرة التذكارية ،ومن خلالها يتسع الوطن كجرح..
: (تيبس الحليب
كبلور قاس
في ثدييك ايتها المدينة )
هنا البلور يفقد قيمته المعيارية، لأنه ليس بلورا،بل هو بلور بأنزياح الدلالة للحليب بفعل اليباس ،الذي لايومىء لغير القسوة الباطشة بكل شيء مديني..بكل مافي المدينة من قيّم حضارية.. وهكذا صارت الموت وحده بيضة المدينة ..
والموت هو اللاأكتراث بالقيميّ، فالموت أصم في هذا النسق..وهنا مسؤولية القصيدة في تشريج شخصية الموت ، وتشيد اتصالية بين الموت وبائعة العلكة
(لاترقص كضفدع يائس
فقد نقشت وجهك
على قارعة اللحظة مثل غول
مثل عاصفة دم )
ثم تشيّد القصيدة عبر معمارها الفني اتصالية بين الموت وبائعة العلكة

(وجهك الذي لازال يشبه كفها المهرولة
كسهم
في عيون العابرين)
ثم تخترق لاأدرية الموت بأخباره عن فاعلية بائعة العلكة..
(أنت لاتدري
بأنها أخمدت الليل بضحكة منفية
ووعدت الشواطىء
بأصابع تخيط أمواجها الهاربة) وهذه الفاعلية تشكل الحركة من نسق ثلاثي يشتغل على تكرار ضمير أنت الموّجه للمخاطب المفرد وهو هنا السيد الموت
ثم يجي النسق الثاني :
(أنت لاتدري
ان يوسف الصغير
صديقها
والبئر..رمانة النار
والثوب..آخر الخوف
ذئبها)
النسق الثالث
(أنت لاتدري
بأنك تفتق دوي هدية صاخبة
وتعلن ميلادك
ميلاد الله
عندها)..
من جانب آخر تحاول القصيدة في أسطرها الاخيرة ان تتغذى على نص مقدس ،وستكون التغذية وفق انتاجية الاقتصاد الاسلوبي بيين حكاية الطفلة بائعة العلكة
وبين النبي يوسف (ع)..
(3)

ميلاد الله
أخشى بأني لاأمتلك لغة
أمام سرك الصغير
وأنت تودعين براءتك
على قارعة الطين
تفتتحين فوضى العالم
بصباحات من رماد
ونبض لم تسكنه طفولة
فيك من الورد لون متبخر
ووجه يعطل الشرود
فيك من الأرض
رائحة النكبة
والناي المفقود
فيك وكل مافيك
أعتراف صريح
لوطن يجاهر بخيبته
ويليبس طعم السواد
……….
وأنت أيتها الصغيرة مثل شرنقة
تكتشفين الضوء بشتلات متيبسة
وتغنين بأخضرك قصير القامة
لطيف
لفراش
لألوان لن تكتظ يوماً بالزهور
…………
تيبس الحليب
كبلور قاس
في ثدييك ايتها المدينة
سيدي أيها الموت
لاترقص كضفدع بائس
فقد نقشت وجهك
على قارعة اللحظة مثل غول
مثل عاصفة دم
وجهك الذي لازال يشبه كفها المهرولة
كسهم
في عيون الآخرين
أنت لاتدري
بأنها أخمدت الليل بضحكة منفية
ووعدت الشواطىء
بأصابع تخيط أمواجها الهاربة
أنت لاتدري
ان يوسف الصغير
صديقها
والبئر..رمانة النار
والثوب..آخر الخوف
ذئبها
أنت لاتدري
بأنك تفتق دوي هدية صاخبة
وتعلن ميلادك
ميلاد الله
عندها
*مصطفى عبدالله / الاجنبي الجميل / دار السؤون الثقافية / بغداد / ط1/ 2004

الشاعرة ..مريم العطار..وقصيدتها (أستمنائي)
2-7

(1)
mariam alattarصدمة تلقي العنوان هي القسيم الاتصالي الاول بين قصيدة ازهار على حسين وقصيدة مريم العطار، وكلا العنوانين ينتسبان للعنونة الاشتقاقية،في قصيدة أزهار
( تعلن ميلادك، ميلاد الله، عندها)    وفي قصيدة مريم (استمنائي مهووس بقضم التفاح الاحمر) ،وعنوان قصيدة مريم العطار،يستقطب القارىء (الفحل) ثم يصفعه
بقوة!!..وعنوان قصيدة أزهار سيبث استفزازا،لدى المتلقي الاصولي أو سواه
لكن قراءة النصين قراءة موضوعية منصفة، ستبرر الانزياح الدلالي في ملفوظ
ثريا القصيدتين..
والقسيم الاتصالي الآخر هو النصف الثاني من قصيدة ازهار،يشترك بذات الفضاء النصي لقصيدة مريم والعكس صحيح ايضا، ولايعني ثمة تأثير قصيدة على أخرى، اي لاأعني ان قصيدة مريم متأثرة بقصيدة ازهار أو العكس..
بل أعني الاغتراف من ذات الهم العراقي العام ولكل قصيدة زواية منظور مختلف.
في قصيدة أزهار ندخل من خلال الخاص الانساني ،المتجسد في بائعة العلكة
وفي المفصل الثالث من القصيدة، نكون امام فاعلية الموت السالبة، الموت المصنّع
في الداخل، من خلال تصديره لنا، عبر قوى الظلام، في قصيدة مريم نكون مع الارهاب ذاته، وهو مشخصن ذكوريا، بذكورة مستلبة الطبيعة، متشيئة، ممسوخة بدءا بالعنونة( استمنائي).. ثم تبدأ القصيدة بتصويره تصويرا اندراجيا..
يتكىء على جدار بيتي
ثم يدخن أحلامي الضالة
يتسلى بمضغ قلبي
مغرور كابليس حين أبى
ينسخ بصمة أبي
يأكل ابتسامة أمي
يصرخ
ينثر بصاقه في هواء مدينتي
تحت جلده ثعبان أزرق ينبض
آثار أسنانه على عنق طفلي
تتوسع حدقتا عينيه على بنات الحيّ
حين يهرول بقميص النوم
تحت زخات الرصاص
أستمنائي مهووس بقضم التفاح الاحمر
حر كالسرطان
يعربد
لايفهم القرآن
لايحمل الانجيل
لايعرف بوذا
يضغط على الزر ويكبّر !
(2)
كقارىء منتج اقسّم القصيدة الى قسمين..
من السطر الاول الى نهاية التفاح الاحمر، اعتبرها متوالية شعرية، لها وظيفة المهاد النصي، ثم أدخل القصيدة من ( حر كالسرطان) الى فعل (ويكبر)
القسم الاول من القصيدة،منشغل بضرورات التفصيل، التي تحتضن كل الظلال المعتمة لذكورة ممسوخة، عاطلة عن تفعيل ذكورتها،بطريقة سوية..
القسم الثاني من القصيدة،منشغل بالأقتصاد الاسلوبي، بالأختزال الشعري..
وكان من الممكن ان يكون أكثر اختزالا، حين نقول:
أستمنائي مهووس بقضم التفاح الاحمر
حر كالسرطان
يعربد
يضغط على الزر ويكبر!
القصيدة هي قصيدة تتراكم سيرورتها عبر الفعل المضارع،بدءاً من الفعل الاول
في بداية السطر الاول الى آخر فعل في نهاية السطر الاخير، ومن خلال هذا أستمرارية المضارع، يكون الحضور المخرّب، الذي  يبدأ بالتجسس
(يتكىء على جدار بيتي) ثم يتسلل التفكير به الى الخلايا الدماغية، ليستقر في القلب(يتسلى بمضغ قلبي)..ليزّيف خصوصية الام والأب، ومن الخاص تنقله
سيرورة القصيدة الى العام..(ينثر بصاقه في هواء مدينتي)….

(الجثة)…قصيدة الشاعرة سمر قند الجابري
3-7
samarkandفي قصيدة(الجثة) ثمة سردنة شعرية لليومي الذي يشكل عبئا على المرأة العراقية، وسيرورة القصيدة قائمة على عملية إحصاء، للمسؤوليات العائلية الملقاة على كاهل المرأة وحدها،لكن فاعلية التجثيث، على مساوئها تبرز فاعلية المرأة / ربة البيت بكل مافي الربوبية من مركزية نسوية، وهكذا قامت القصيدة بدور معاكس لليومي النسوي فالمثبة في النص هي المرأة العراقية، والمومأ إليهم هم الذين حذفتهم القصيدة ولم تثبت منهم سوى سواد ظلالهم: (لكم)..(تنظرون)..(صحونكم)..
والمرأة تبقى في وحدتها المرهقة، رغم كل هذه الأشغال اليومي :(خبزت في البرد وحدي) ..(ووحدي قضيت ساعات الفجر في المطبخ)..وثمة اتصالية تضاد بين انشغالها العائلي واهمالها للذاتي :
(1)..(أهملتُ حياتي ..أنتظر كلمات الازدراء
ماذا تنتظرون )..
(2)(لي ان أضع يدي تحت الحنفية الباردة
وأحلم بدفئك)
(3)( لي مسرات لاتحصى
تتكاثر عند حوض الغسيل)
(4) (لي ان أعتصر نفسي مع ثياب سأنشرها
وأتصور عمرا سيفنى بلا ابتسامة شكر
فأبتسم)
هنا تتجسد قوة القفل في القصيدة..(بلا أبتسامة شكر..فأبتسمُ)..هنا نكون أمام فعل استباقي،لما سيجري مستقبلا،وثمة صورة شعرية عالية الجودة في استعارتها
(أعتصر نفسي مع ثياب سأنشرها)..ان كل هذه الافعال المحصيّة من قبل سيرورة القصيدة، لاتنتظر شكرا على هيئة، هدية تقدم في عيد الأم، أو في 8آذار يوم المرأة العالمي..ولاتنتظر قول كلمة شكرا..بل مجرد ابتسامة بكل مافي شحنتها من قوة امتنان وتقدير،لن تحصل عليها هذه المرأة المستلبة من داخل العائلة، أمرأة محذوفة من مثنوية التحرر، التحرر الاقتصادي، الذي سيخفف من عنائها أو التحرر الاجتماعي الذي يجعلها تكاشف الاسرة بما يجري..من أجل وضع بعض الحد لهذا الأغتراب العائلي الذي يجري من داخل العائلة، لهذه المرأة المستلبة روحيا وعقليا وجسديا لكنها متوقدة برهافة حس ،تجعلها في تميز عن كافة المتشيئين في العائلة..
أعني العاطلين عن الابتسام في وجهها!! حقا..(لايمكن تحرير المجتمع ونصفه في المطبخ)..كما قال لينين
الجثة
أنا الجثة تسوقت لكم
خبزت في البرد وحدي
ووحدي
قضيت ساعات الفجر في المطبخ أرتجف
أهملت حياتي..انتظر كلمات الازدراء
ماذا تنتظرون
أنا الجثة..
غسلت صحونكم وهمساتكم القذرة
أكملت لهذا الصغير واجباته المدرسية
وعلمت تلك الآنسة الخياطة
مع هذا، ثمة أشياء أخرى
لي أن أضع يدي تحت الحنفية الباردة
وأحلم بدفئك
لي مسرات لاتحصى
تتكاثر عند حوض الغسيل
وابتسم
وكجثة ايضا
اقف حزينة أكوي الملابس
لازال هناك الكثير
لي ان اعتصر نفسي مع ثياب سأنشرها
واتصور عمرا سيفنى بلا ابتسامة شكر
فأبتسم.

الشاعرة رؤى زهير شكر
4-7
(1)
roaa  zuhairتعاملتُ مع قصائد الشاعرة رؤى زهير شكر،كقصيدة واحدة ذات عنوانات فرعية
فالقصائد تتمحور، في حضرة العاشق والمعشوق..ربما شجعني على هذا التعامل الذي لايخلو من قسرٍ، الإهداء الذي يستقبلني كقارىء
(إليك أيها الشرقي العابر في
أوردتي..
لاأتوقع منك بطاقة حب..)
اضافة الى الاهداء،هناك خطاب شعري تنتجه مؤنث القصيدة وهو خطاب لايخلو من اشكاليات ذكورية..
(2)
في قصائد الشاعرة رؤى زهير شكر، تكون شكوى العاطفة، نوعا من رفاهية البوح
وتشبث ذات الانثى بذات المحبوب..(أبقى أحبك حتى تزهقني أنفاسي )..
تستقبلنا قصيدتها بمظلة نسوية عراقية مألوفة..(عزفتني الأيام جرحا)..ثم يتغذى النص على الفداء اليسوعي،حيث الجسد هو الخبز والدم هو الخمر وهذا يتضح
في نص رؤى من خلال..
(في لون نزفي يحتفل العاشقون بعيدهم
يلونون سماوات القلوب بنار اللهفة)..
هنا علاقة الكثرة بالواحدة ،أعني علاقة العاشقين  بالعاشقة، ولون النزف ليس أحمر بل أبيض بشهادة رؤى نفسها..(بياض دمي)..لكن ماينتجه العاشقون، لايوازي ما يقوم به العاشق (وأنت تلون فضاءاتي بغيوم وهم عابرة)(لتمطرني وتضاريس انتظاراتي خديعة)(وتبلل ظمأ أقماري بكأس جبك)..ثم تعود ثانية الى واو الجماعة
(تحرق أناملهم بتلات الوجد والجنون)(يمزجون أنفاسهم وعبق الورد)..
(المارون…
على أديم الجرح
يغازلون بوابة نزفي
يجدلون أقاصيصا لوجعي
ويّلبسون كل سطوري من مدلهمات
تأويلاتهم)
ثم تنفرد القصيدة بأحصاء ((مناقب)) العاشق:
*أنت تزرع لهفتي شوكا لتدمي أنامل
القلب
بدكتاتوريتك القبلية
*ترشفني نبيذا..وتسكر
ف..أتوضأ جراحك أملا..لأصليك أحلاماً
*تصلبني على لوح الوجع
وأرتل إنتظاراتك سكينا يذبح سفقي
(3)
نلاحظ هنا ان كل فعل قاس من العاشق، لاتتعامل معه العاشقة وفق علاقة الانداد
بل ترد عليه بقلب أم لايعرف غير المغفرة.. (أتوجك على عرش جرحي ملكا)(تمارس طقوس دكتاتوريتك)(ببراءة طفل)..ولاتكتفي بذلك هاهي العاشقة تخاطب معشوقها بأستسلام الفادي:
(إنحتني على أعمدة الفراق شمعاً)
(توضأ في أبهر قميص الروح إتقادا)
(أدفن صليب الزمن في تيه تضاريسي)
هذه الافعال:(إنحتني/ توضأ/ أدفن)وضمن السياق النصي لقصائد الشاعرة رؤى، ليست افعال امر بل هي أفعال رجاء.. هل ثمة سبب آخر للرجاء غير المغفرة؟
ربما تومىء إليه هذه الاسطر:
(أطيافك تُكبل معصمي)
(تدمي أجفان أحلامي)
(خناجر غدرك سيدي
المزروعة في أعناق حرفي
تستلذ بلون ألمي)..
(تتمرد على أفق النسيان
فأهذيك إنكسارا وخيبات…!)

الشاعرة البلغارية كابكا كاسا بوفا
5-7

(1)
البساطة لاالوضوح..فالثاني يجعل القصيدة بلا سقف  وهشة الجدران..أما البساطة فتبث غوايتها فينا وتنتج أسئلة الشعر الضرورية :في القصيدتين  عمق شفيف ، توصلنا إليه الكلمات الوجيزة المستعملة وفق الاقتصاد الاسلوبي ،تتشيد القصيدة لدى كابكا كاسا بوفا من افعال المضارع وهذه الافعال بدورها تشيد الحكاية القصيرة التي يتدفق منها النص الشعري وفي القصيدتين  فضاء عائلي ضيق مكرور رتيب ومن خلال هذا المثلث المتساوي الاضلاع، ومن جهامة هذا المثلث تشرق علينا انوار القصيدة، وكل قصيدة مستقلة في تلقيها، والانتهاء من القصيدة الاولى والانتقال الى القصيدة الثانية، يشبه الدخول الى نفس الغرفة لكن من باب آخر..ومن هذه العينة العائلية، يمكن للقارىء ان يتأمل ما يجري لشعب بأسره من عذابات وتهجير..ف(الأمان) مشروط بأغلاق مطلق يرافقه تعتيم مطلق.. والأمر هو هو حتى(بعد عشرين عاما)..(والأسوء يحدث كرة أخرى)..(أماكن قلنا لها وداعا)(وسنقول كرة أخرى وداعا).. ثمة اختلاف بسيط وحاد والاختلاف هو أحدى الاتصاليات بين القصيدتين ، يتمثل في الانصات كمسك ختام القصيدتين :
(يضطجعان باعتناء
وينصتان الى صوت
نمو الاطفال) قصيدة الأمان
أما في قصيدة (بعد عشرين عاما) :
(أضطجع أنا على سريري
بأعتناء
وأنصت الى صوت
الثلوج القصية)
(2)
الأمان
بعد اليوم الطويل
يغلق والدي الابواب
والنوافذ
وستائر النوافذ
إنه يغلق صوت الريح
وسؤال الأمس
تطفىء والدتي المصابيح كلها
في كل غرفة
في كل خزانة
وتطفىء التلفاز
والضوء الاحمر لوميض القلب
والنجمة الاخيرة
في هذه السماء الغريبة أبدا
يضطجعان بأعتناء
وينصتان الى صوت
نمو الاطفال ..
************
القصيدة الثانية..
(بعد عشرين عاما)
تنفس ُ والدي
يشبه كهف هوابط الستلاكتايت
والصدى
تنام والدتي في أحلامها
والأسوأ يحدث كرة أخرى
تحيط الجبال بنا
وتكتمُ
أنفاس حواف الأيام الشابة
وأسماء
أماكن قلنا لها وداعا
وسنقول كرة أخرى وداعا
حينها
أضطجع  أنا على سريري
بأعتناء
وأنصت الى صوت
الثلوج القصية.

الشاعرة جومان هه ردي/ قصيدة (مطبخ أمي)
6-7

القسيم الاتصالي بين الشاعرتين جومان وسمرقند، هو فضاء العائلة، مع الاختلاف في منظور التناول،تناولت قصيدة (الجثة) لسمرقند الجابري ضغوطات الاستلاب الداخلي الذي تمارسه العائلة ضد المرأة حين تكون ربة بيت..في قصيدة( مطبخ أمي) للشاعرة جومان هه ردي.. ستتناول البيت من خلال المطبخ..وسأدخل كقارىء لبيت القصيدة من خلال مطبخها..ثم اغادر المطبخ، لأدخل البيت ثانية متوقفاعند الباحة الامامية للبيت ،وهكذا سيكون الاول في المعمار الهندسي للبيت هو الاخير، وسيكون المطبخ هو الاول في القصيدة وفي العائلة..وهكذا شعريا سأكون امام مفصلين : مفصل داخلي احصائي، تسرد علينا القصيدة مكونات ذاكرة المطبخ
وهي جزء حيوي من ذاكرة الام، ويمكن ان أشكّل العنوان التالي للقصيدة ( ذاكرة مطبخ امي) .ان مفردات مطبخ الام هي ارشيفها الحياتي، ذكرياتها أو مذكراتها المعدنية، لكل: زجاجة، طبق، كوب، قدر،لكل هذه المسميات ذكرياتها المضفورة في ذاكرة، تاريخ الشراء، بمعية مَن اشتريت هذه الاواني، مَن استعملها؟
بأي مناسبة عائلية استعملت هذه الاواني، انها ليست جمادات بل اشياء مأنسنة عبر ذاكرة الام..وزمنها النفسي الذي لايتوقف عن الجريان،هل تعاني الام من(تثبيتات السعادة)؟!حيث يتدفق الزمن الى الوراء،ويتمحور في مهيمنة واحدة؟ وهي ام كوردية مظهدة دوما..
(في 69 أمي ينتابها القلق بابتدائها من الصفر،
إنها المرة التاسعة لها
إنها لاتتحدث عن أثاثها الضائع
حين تركت بيوتها وراءها
إنها لاتشعر بالندم لأي شيء)..
بعد هذه الاسطر الشعرية، ستأخذنا القصيدة خارج المطبخ، داخل الفضاء المفتوح الاخضر المسكر،الفضاء المتدلي عناقيد عنب،هذا الفضاء هو النصف الثاني، الحيوي من جسد القصيدة، الذي يبدأ من
( إنها لاتشعر بالندم لأي شيء
سوى لكرومها في حديقة الباحة الامامية)
وينتهي ب(أنا أعلم
أني سوف لن أرث أشجار أمي)
وعدم الحصول على الميراث ليس بسبب الام، بل بسبب الشتات الذي تعرض له الشعب الكوردي بين الحين والآخر بسبب الانظمة الشمولية القومانية..
في هذه القصيدة تستوقفني المثنويتان التاليتان
*اتصالية التضاد بين السطر الاول/ السطر الاخير
*سوف أرث مطبخ أمي / سوف لن أرث أشجار أمي
*توصفيات القصيدة لزجاجيات المطبخ/ توصيفاتها لكروم الحديقة وتماهي الام فيها
ألا يمكن اعتبار هذه القصيدة القصيرة،سيرة وجيز للشاعرة جومان هه ردي
التي(ولدت في كوردستان العراق، وترحلت وعمرها شهر واحد الى خارج الوطن،عاشت اعوامها الخمسة الاولى في مدينة صغيرة خارج طهران،ثم عادت الى السليمانية مدينتها الام، وتم ترحيلها مرة أخرى عام 1988 بسبب العنف السياسي الى كوردستان العراق، وصارت لاجئة بعد سنوات في بريطانيا..
(2)
مطبخ أمي
سوف ارث مطبخ امي .
بعض من زجاجياتها،طوال نحاف
والبعض الآخر قصار سمان،
أطباقها جمع من الاطقم البشعة.
وأكوابها أشتريت في مختلف المناسبات
على عجل،
قدور صدئة،
ليس في وسع أمي رميها خارجا

إنها تقول(لاتشتري أي شيء بعد)
(قريبا سوف تكون كلها لك)
ترسم أمي خطة للهروب
هو البيت مأتاها لأول مرة
إنه دار ستعيد بناءها وستؤثثها
في 69،أمي ينتابها القلق بأبتدائها من
الصفر،
إنها لاتتحدث عن اثاثها الضائع،
حين تركت بيوتها وراءها
إنها لاتشعر بالندم لأي شيء
سوى لكرومها في حديقة الباحة الأمامية
المنتشرة على عرش رواق الدار
كانت قد اعتادت على الغناء كي تنضج
الاعناب،
تخيط الاكياس القطنية كي تحميها من
النحل،
أنا أعلم،
أني سوف لن أرث أشجار أمي..

الشاعرة إلهام ناصر الزبيدي ..في قصيدة (أبي)
7-7
(1)
elham naserأبي
غداَ يأتي العيد
وأنا
أنتظر طيفك
أترجى صوتك
القادم من الذكرى
أستسلم صوب حضنك
أضع رأسي على صدرك
فأغرق في دفء الامان
وأهمس
أبي..أبي
أيها الراحل
والقادم من بعيد
كل عام وطيفك هو العيد..

(2)
القسيم الاتصالي بين قصيدة إلهام الزبيدي وقصيدة(مطبخ أمي) للشاعرة جومان هه ردي: هو مؤثرية الماضي في اللحظة الراهنة، بحيث تذوب الراهنية في ماء أحلام استعادة الماضي..في قصيدة (مطبخ أمي) تظهر الام بقوة محتويات مطبخها، تلك المحتويات التي ستكون لها أهمية آيقونية..ثم بقوة الاخضر المثمر ثريات عنب
في قصيدة الهام سيكون العيد زمنا خاصا، بأختصار هو زمن استعادة الأب الراحل
والأب هنا،هو الفنان التشكيلي العراقي ناصر الزبيدي ( 1938-1992)
(غدا يأتي العيد
وأنا
أنتظر طيفك
أترجى صوتك
القادم من الذكرى
أستسلم لحلمي..)..
ومن جانب آخر ثمة قسيم اتصالي بين قصيدة إلهام وقصيدة لرؤى زهير شكر
والقسم هو العيد، فالشاعرة إلهام تنتظر العيد بصفته زمنٍ الأب ، أما رؤى
فعيدها يذكرني بعيد المتنبي (بأي حالٍ عدت ياعيد) ..عيد الشاعرة رؤى
يتواصل معها في تضاد( عيد (جرحك) حب)
و(إليك أيها الشرقي العابر في
أوردتي..
لاأتوقع منك بطاقة حب)..
أما بالنسبة للشاعرة إلهام فثمة اتصال مؤتلف بينها وبين العيد
(كل عام وطيفك هو العيد)..
*أعتمدت ُ في هذه القراءة المنتجة للقصائد المنتخبة على أصدارين من المهرجان
*الكراسة المطبوعة باللغات الثلاث : العربية /الكوردية/ الانكليزية
*الكراسة الاستنساخ من قبل ورشة الترجمة في المهرجان


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"