تابعنا على فيسبوك وتويتر

taha alabedفي مجموعته العامية  ” شارع واحد ” يقفز الشّاعر الليبي : محمد القذافي مسعود من غنائيّة النّصّ إلى موسيقاه الدّاخلية بإيقاعات النّثر المختلفة، الصّوتية والتّركيبيّة والسِّياقيَّة، كما أنّه يلاحق الإيماجيين أو شعراءَ الصورة في فتح الأبواب التَّخيليَّة على مصاريعِها المتعدِّدة الأحجام.
في مقاربة سيميائيّة بنيويّة صوتيّة، أحاول أن أطلَّ على المستويات العامّة التي أنتجتها سيميائيَّات اللّغة بما تشكِّلها من علامات أو نظام لغوي دلالي.
هي مجموعة عامّيّة نعم، لكنها  جاءت ممهورة بنكهة النّثر أو قصيدة النثر التي أرسيت دعائمها في خمسينيّات وستينيّات القرن الماضي، وإذا كانت الجِدَّة ابداعا فحتما خوض مغامرة الشّعر العامي النّثري، أشدّ إبداعية، فالمتلقي هو الأنسان البسيط الذي يتقن أبعاد اللهجة بما هي موروث ثقافي شعبي غير أنَّ المرسلة محملة ٌ بدلالاتها العميقة والمحاصرة  بسياقتها حدَّ التكثيف.
الشّاعر يستحضر المرئيّ بصور متلاحقة: [النهد سايل/ والمظلة تبحث عن ظل] وفي مكان آخر: [عقدت العزم/ وكتبت على صفحة السحاب/ بياض يواري بياض]  يكاد حضور الصّورة التخيلية يطغى على المجموعة، وكأننا امام بقع متناثرة من عدسات المصورين، يستكشف القارئ/ المتلقي حضور اللحظة أو الومضة الشعرية التي تقفز به إلى عالم النثر الشعري المكثف.
الطبيعة مكتنزة بالنّص العام/ الديوان من خلال تمظهراتها في النّصّ الخاص/ القصيدة وكأن الألفة الجميلة بين الشّاعر ومحيطه القروي/ البلدة الجبلية الصغيرة تأبى إلا أن تشفّ عن نفسها[يفتح باب ليلي وصله بالصبح/ يغمض عين الخضرة/ يموت يحيا … صار اسمه متعوشب] الاشياء في النصوص تتأنسن، فالمرايا لها وجدان، والموجة تجوع، والليل يطول بفراشه، والموسيقى تشارك الشّاعر قهوته، والشمس تعشق، وما إلى ذلك مما يضفي على المحيط لمسة بشرية تشخيصية بامتياز، وكأن تلك العناصر تحضر بنبضها البشري في مكونات النّصّ الدلالية والتعبيرية.
النزعة الرومانسية حاضرة دائما من خلال الذاتية المحققة بحضور الطبيعة الحاضرة كذلك من ايحاءات موسيقى الرحابنة وصوت فيروز الصباحي (سلملي عليه) يقول:[يبكيني حنيني/ وتشكيه الليالي/ الليل أرجوحة هزت داخلي].
عناوين النصوص بسيطة كمفرداتها، ورغم بساطتها تحمل دلالات المتخيَّل العميق المنسجم مع الوحدة التي تفرضها نزعة الرومانسية التي حكمت الأدب لقرون طويلة [ لون التنهيدة – شارع واحد- اسمه متعوشب – بياض – المرايا – جوع الموجة – قسمة … ] .
صيغة العناوين تجافي التعقيد وتشي بنكهة المعنى والبعد الدلالي، وتتماهى مع الطبيعة البدوية البسيطة التي تحن إليها النفس، وتتوق إلى كلّ ما تتضمنه من معاني الفروسية والبداوة والأصالة: [ سنابل الأحلام ـ لونه صار المرارة والليمون – مدت الحنية الشتلة ـ ما مد فيها النخل تنهيدة – يغالب سواقي الحلو – ابريق الشاي – أضراس القمح …. ] تكثر مفردات الوقت، وخصوصا الليل والفجر، وهما صديقا الشعراء، حضورهما بهذه الكثافة يدلّ على ميزان السهر المتقلّب عند الشّاعر، كما يفضح علاقته بالفرادة الوقتية، والحقل المعجمي لحضور الليل يواكب النصوص بغزارة المدلولات فهناك: [ الليل – القمر – الأحلام – ليل يوصله بالصبح – بياض يواري بياض – السواد لحن المعنى – ليل يمد ظلامه – الفجر ما يرتوي من واحة – ليل الضارب – لونه صار المرارة – ليل يطول بفراشه – يا صبح وردك يتكاسل – ونجومك باقية – فكك نجوم السهاد – محكوم السؤال بلون الفجر …. ] ما زالت التجربة مخيفة حين نقول (شعر نثري)، فما بالنا ونحن ننظر إليها قصائد نثرية عامية، وقد عرف عن العاميات اللهجية تعلقها الشديد بالإيقاع والقافية والأوزان، وهنا لا شيء من ذلك كله، ما يجعل البحث عن التمازجات الصوتية  في النصوص مخرجا منطقيا لاكتشاف سر الموسيقى الصاخبة خلف السطور، وتبدو بالتكرار اللفظي حينا والصوتي حينا آخر، [من يتسلطن على من]، نلاحظ التتالي الإيقاعي (من طن من) وايضا [سامع مع دقة القلب قطرة المطر] وبتكرار ايقاعي لصوت (ق)(دقة القلب قطرة) وتكرار المقطع (مع)، (سا .. مع  مع ) ونلحظ في قوله:[لا سراب من كأسي شرب/ لا أمل من يأسي تأهب] توالي صوتي السين الشجري والباء الشفوي في السطرين بتناغم الايقاع الموسيقي المستتر خلف المفردات والسياقات، فضلا عن تكرار النفي بـ (النافية للجنس) والمنفي في الحالتين التضاد (السراب / الأمل) وهذه موسيقى الطبيعة غير المصطنعة والتي تفرضها الألفة مع المكان والزمان غريان/ الليل حتى الفجر، فهي سقسقات العصافير ورقرقات الماء وحفحفات الشجر.
ما تقدم كان نتفا متفرقة في بناء المجموعة الدلالي والايحائي والصوتي، ومحاولة للإطلال على البنية النّسقية التي تسيطر على لغة الشّاعر وأسلوبه وايقاعاته الموسيقية وصوره الفنية، وما زال المجال متسعا لقراءات تأويلية عميقة من باب المناهج الأدبية الأخرى.
 ___________________________________________
*  شاعروناقد فلسطيني
** مخطوطة لم تصدر بعد ..نشرت اغلب قصائدها في الصحف والمواقع الالكترونية


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"