تابعنا على فيسبوك وتويتر

قراءة في مختارات الشاعر عبد الكريم كاصد

بعد ثلاثة وثلاثين عاما يعود الشاعرالعراقي عبد الكريم كاصد الى قرائه العراقيين بمختارات شعرية صدرت حديثا عن وزارة الثقافة / دائرة الشؤون الثقافية العامة في بغداد بعنوان ( نوافذ)

تضم هذه المختارات ( 68 ) قصيدة اختارها الشاعر من احد عشر ديوانا كان قد اصدر معظمها خارج العراق ودفع بها الى الوزارة في اثناء مجيئه الى العراق .

وبهذه المختارات سيتعرف القارئ العراقي على مجموعة من قصائد هذا الشاعر التي كتب معظمها في غربته التي تستمر منذ واحد واربعين عاما .

تبدا المختارات بثلاث قصائد عن السفر من ديوانه الاول ( الحقائب ) ، ووتنتهي المختارات بقصائد لم يضمها ديوان هي ( نوافذ جديدة ) .

يفتح الشاعر نوافذه على عالم ضاج وحياة شاقة تديمها غربة موحشة وتطلع نحو ماض آفل محكوم بالزوال ،هذا الماضي يقبع في ذاكرة يقظة تعمل على ادامة حضوره في هذا النزيف الوجداني العالي ، في رحلة مستمرة نحو ذلك الماضي الاليف والجميل .وبهذا الحضور المشخص للغربة والاغتراب يطلق نداءات واسئلة ضاجة عن تلك الرحلة الطويلة باصوات ونداءات تبدا منذ ابدايات ولا تتوقف وكأن ذلك الماضي يستعيد عافيته في حاضر غربته المستديم . يقول الشاعر في قصيدته الحقائب التي كتبها منتصف السبعينيات :

لماذا نشد السلاسل عبر الوف من الكيلومترات ؟

نرتاح في غرف مر فيها الوف من الناس ….

نبصر اوجهنا في الوجوه …..

ونمضي …..

وهي اسئلة تتكرر في مشاهد زمنية متفرقة حين تجد لها في حاضر تجربته اصداء في الذات وهي تتحرى مدن العالم وقطاراتها وشوارعها عبر هذا الرحيل الذي لا فكاك من اساره ، وتتكرر هذه الاسئللة والاندهاشات والحزن المستديم لتصبح احد السمات الاساسية في شعر هذا الشاعر المرهف الحساس .

ان اذى الغربة والاغتراب واضح في تداعيات الذاكرة وفي غربة المكان الاليف الذي اصبح اطلالا ، لتجد الذات book_nwafeth نفسها وحيدة في حوار مقطوع مع اخر لايستجيب ولا يجيب :

تنهض الان وحدك …تنقل كفيك في الضوء

تنقل كفيك في الظل …..

تفتح نافذة وتغلق اخرى ….

ولا يتوقف كابوس الغربة على ضياع اثار ذلك الماضي من خارطة الوطن بل ان الذات وهي تستقصي حاضر الوطن ترى كابوسا مرعبا اخر يحيط بالذات العراقية الجمعية يعمل على افناءها ، ويبدو ذلك جليا في حضور الذات عبر ضمير الانا في التعبير عن هذه المعاناة بالضياع والغربة وبالشكل الذي يوظف اصواتا مشابهة تعيش نفس هذا الواقع وتشقى به وتاسى عليه ، وهذا الهاجس الكابوسي يتجسد في القصائد التي انتقاها الشاعر من مجموعته الشعرية ( ولائم الحداد ) التي مثلت اصداء عودته المؤقتة الى وطنه بعد التغيير وما رآه من خراب كبير في الذات العراقية وفي ما يحيط بها ، يبدو ذلك في قصائد ( اسد بابل ، ساحة ، الجسر والجسر 2 ، مرثية في بابل وغيرها من القصائد ) .

في قصيدة ( اسد بابل ) يتخلى الشاعر عن الوزن الذي صاحب معظم مختاراته ، محتكما الى الايقاع الداخلي لصوت اسد بابل وهو يجلس وحيدا غريبا في موطنه ياسى لنفسه وللاخرين من الناس :

( على بعد امتار من النهر، يجلس اسد بابل ،لا مصاطب تحيط به ولا اطفال

لا جنائن ولا ابراج ، وحين يمر به الناس ، ولا يلتفتون، يهز راسه اسفا

مرددا جملة واحدة ،لا يسمعها احد ، وان سمعها لايعيرها انتباها :

انا اسد بابل

انا اسد بابل )

وازاء هذه المعضلة المحيرة يبدو الخلاص عصيا ،والغربة تطبق على الجميع في الشتات وفي داخل الوطن ، وليس هناك من امل سوى تلك النداءات التي يطلقها الشاعر بضمير الانا الجمعي وكانه يحشد صفوفه ليتخطى الغربة والاغتراب والامهما حين ينشد نشيده الغاضب ( عراقيون ):

( عراقيون ، ناتي من مغاورنا السحيقة ، نقضم الاعشاب ، والموتى نقلبهم ، ونسهر حولهم في الليل ندفئهم ، وعند الفجر نوقظهم ، ونبتدئ الرحيل بعصرنا الحجري تصحبنا الكلاب وضجة الانهار ، الهة سبقناها ستأتي والدواب توقفت للطلق … جاءوا من مغاورهم …اتى من وحشة المنفى العراقيون ..)

اتساءل اخيرا هل ستكون مختارات الشاعرهذه نهاية لذلك النزيف الدامي ولتلك التساؤلات المحيرة الحزينة ، لينهض الشاعر من آلامه الممضة باتجاه حوار مع الاخرالاليف والمعادي بالتخصيص يتامل فيه هذا التغيير العاصف في الحياة العراقية ؟

class


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"