تابعنا على فيسبوك وتويتر

hussein 7# الشعر وليد المعاصي الجليلة وابن الخطايا الخلّاقة :
—————————————————–
قلت إن من أهم الأسباب التي تجعل قلق الموت يستولي على هواجسنا ، يؤرقنا ويقض مضاجعنا هو ” الشعور بالذنب – guilt feeling ” . فالخوف من الموت والتفكير بأنه يطاردنا في كل لحظة ، وأنه من الممكن أن ينبثق أمامنا حتى في نومنا بصورة تجعل البعض يقرأ الفاتحة على روحه قبل النوم كل ليلة ، هو عقاب مكافىء لإحساسنا بالإثم الذي يترتب على كم الذنوب التي اقترفناها . شعور عبر عنه الشاعر الإيطالي ” فرانكو لوي ” بقوله :
( رأيت الموت يركض
ورائي
كان يبحث عني
قلت له : سلاما
واختبأت
كان يبحث عني
وأنا كنت وراءه
قحبٌ بشعٌ
يبحث دائما عن
مأوى ……… )
هذا الشعور المُنهك يمكن أن ينغص الحياة النفسية للفرد ويوصله إلى هاوية الإكتئاب والتمزق النفسي . هذا الفرد سيكون في حاجة ملحة جدا لمعاونة أمينة من محلّل نفسي يقوم بنقل الآثام والمشاعر المرتبطة بها من ظلمات اللاشعور إلى سطح الوعي ليدركها الفرد ، ويحاول فهم جذور الإحساس بالإثم الذي يمزق ذاته . لكن الشاعر هو – في كثير من الأحوال ، وإن يكن ذلك بصورة جمالية جزئية – هومحلّل ذاته . لا يتردّد في الغوص في مجاهل أعماقه لكشف تلك الآثام التي هي الحي الذي لا يموت كما يقول المبدع ” محمد خضير ” . وفي نصّين فريدين يقدم ” جوزف حرب ” معالجتين عميقتين ونافذتين لهذه الحالة ؛ الأولى في قصيدة ” صور كحليي ” التي يستهلها بإعلان جسور عن أن دواخله مزحومة بخطايا لا أحد يغفرها له .. وأن تعاقب صورها على ذهنه يجعله يختنق بالبكاء :
( بتمرق على راسي صور ، بتحرّك
غيوم البكي ْ
بتدقّ فيّي
جراس حزن ْ
بتفتح مراياتْ ملياني خطايا
مرتكبها
وما حدَا قِدران يغفرها إلي ْ – ص 234 ) .
jozef harb 3والخطايا التي يستعيدها هي من نمط ” الأخطاء ” اليومية التي يرتكبها أي إنسان .. فالإنسان بطبيعته ” حيوان خطّاء ” إذا جاز الوصف . وبسبب هذا النزوع المتأصل انبنت في جهازه النفسي سلطة محاسبة ومعاقبة هي ” الأنا الاعلى – superego ” الذي هو ( سلطة داخلية ) تقوم مقام الوالدين حتى في غيابهما فيما يقومان به من نقد وتوجيه وثواب وعقاب . هو مستشار خلقي يرشد الأنا إلى ما يجب عمله وينهاه عما لا يجب عمله . ما يقره الأبوان يشكل ( الذات المثالية – ego ideal  ) المكافئة للفرد ، وما يعتبره الأبوان سيئا يشكل ( الضمير – conscience ) الذي يحاسب الفرد . إنه الفرع القانوني الأخلاقي في الشخصية . وهذه السلطة هي التي تسبب ما نسميه عادة بـ ” وخز الضمير ” الذي هو الشعور بالذنب . والشاعر بدافع من هذا الشعور يراجع حسابه من خطايا اقترفها قبل سنوات طويلة :
( بتمرُق على راسي صورْ
خلفا صورْ
صورةْ صريخي بوجّ إمّي
الّل انشغل بالا عليّي ، وهاتبتني ، وعينيَا فيهن بكيْ .
صورة عرسْ لأختي الْ قنَعْتا تاخُد الشبّ اللّ حبّا ،
وسافرو وما عدتْ شِفتا . صورةِ اللحظة المرِض بيّي
فيا وطوّلت تيشوفوْ الحكيمْ . وصورةِ السهرة الكنتْ
واعد فيا إختي الزغيري وِسهِرت مع غيرها . وحدي
بيمرّ لسانها عَ َ شفافها حدّي ،
وتِلمعْ حُمرِتا
وإختي ، لوحدا ،  وناطرا ،
وبالبيت تلمعْ دمعتا – ص 235 ) .
ومن الواضح أن لا أحد منّا لم يمر بموقف من هذه المواقف خصوصا في مرحلة المراهقة المحتدمة بالإنفعالات الضاجة والتغيرات المفاجئة والسلوكيات النزقة . وليست عملية استعادة هذه ” الأخطاء ” والنظر إليها كخطايا هو الذي يثير الحيرة حسب ، بل جسامة الشعور الذي يترتب عليها أيضا . فحجم الإدانة التي يصدرها الشاعر على ذاته الآثمة لا يتناسب أبدا مع حجم الأخطاء / الخطايا . هذه الإدانة تصل حد من يصدر حكما بالإعدام على شخص ارتكب خطأ بسيطا . فالشاعر يحس أولا بأن ” رائحة خطايا ” تفوح من جسد . وفعليا فإن بعض من يعانون من الوجدان الآثم يشمون رائحة غريبة تنطلق من أجسامهم قد يسقطونها على آخر . والشاعر يرى أن روحه متعفنة .. وأن وصمة عار قد انطبعت على جبينه تذكرنا بما يسمى بـ ” علامة قابيل ” التي كانت جبهة القاتل توسم بها لدى الشعوب البدائية . لاشيء يمكن أن يطهّره أبدا : لا الندم ولا الصلاة .. لم تبق وسيلة تغسل هذه الخطايا الفظيعة ، إذن ، غير الموت !! :
( بتمرُق على راسي صورْ
خلفا صورْ
وبحِسّ في ريحة خطايا طالعة منّي .
وعَفَن أسودْ ع َ روحي . وصوتْ لعني متل قصّ
البرق ع َ جبيني
أنا
الخاطىء
الّل م َ بيغفر خطيتو لا الندم
عندوْ ،
ولا
شمع
الصلا .
يا
ريتْ م َ بتشرق عليّي الشمسْ .
يا
عتمي اطرديني من سوادكْ .
يا
هَوَا ، يا ريتْ روحي يابسي حتى م َ تحمُلْ ريحتا – ص 236 ) .
kh jozif harb 1إنه يشعر بأنه يجب أن يُطرد .. بل هو مطرود فعلا من الفردوس الأرضي .. هو أسوأ من اللصوص والمجرمين ، فهؤلاء لهم مستقر مكاني حتى لو كان سجنا ، لكن شاعرنا الخطّاء لا يحظى حتى بمثل هذا الملتجأ . هذا الإحساس بدونية الذات التي انتُزع منها اعتبارها لا يحصل إلا في المعاصي المصيرية الهائلة . ومثل هذا الشعور بالطرد يحيلنا على الإعتقاد بأن قصة الخطيئة الكبرى التي تتداولها الأساطير والأديان ما هي إلا تصوير درامي لإحساس الإنسان بأنه ” حيوان مذنب “:
( مطرودْ
من إنّي خْلِقتْ .
مطرودْ
من إنّو إلي مطرح ع َ وجّ
الأرض . مطرحْ بالسنين
اللصّ والمجرمْ
إلن حبسنْ .
أنا بتِرفُضْ هـ َ المرايات حتّى
يكون عِندي حبسْ
بمراييْ !
وانْ كنتْ كلمي يا دنيْ
بتقرفْ
من حروفي
المحاييْ – ص 237 ) .
حتى الشاعر نفسه يدرك هذه المفارقة الشاسعة بين الجُرم والحكم .. بين التهمة والإدانة .. هو نفسه يقرّ بأن هذه الخطايا من النوع ” الصغير ” .. هي في حقيقتها أخطاء .. أخطاء لا تستحق مثل هذا القلق والإكتئاب وسياط الندم الجارحة .. لا تتطلب مثل هذه الحاجة العجيبة للقصاص .. إذ ما معنى أن يؤنبك ضميرك وقد صرت رجلا راشدا عن ذكرى طفلية سرقت فيها شيئا من الحلوى ( الملبّس ) وانهممت بأكله بشهية بالغة أمام عيني أخيك الصغير الذي لم تعطه شيئا منها .. وأن ترتبط رؤية الملبّس بطريقة شرطيّة – conditioned ” على الطريقة البافلوفية بمشاعر التقصير والإثم الموصل إلى الشعور بالغصة والبكاء .. وأن يلاحقك الشعور بالخزي بسبب فعلك الصغير ذاك حدّ الإحساس بأن دموعك التكفيرية أخذت شكل الملبّس .. يا لعظمة هذه الصورة يا جوزف !! :
( بتمرق على راسي صورْ
خلفا صورْ
خلفا صورْ
بذكرْ
سرقت ملبّسْ وخيّي معي
كِنّا
زعارْ وكِنتْ آكل هـ َ الملبّس مِتلْ
عمْ ياخُد دوا ، وكتير مرّه طعمْتو حتى م َ خيي
ياكلْ ملبّس معي
وخيّي دموعوْ ينزلوْ
وخايف عليّي من مرارة هـ َ الدوا
ولليوم ، ببكي ، والملبّس لا بدوقو ،
وبكرهوْ . ووقتْ الَلِ بذكرْ كيفْ ما طعميتْ خيّي حبّة
ملبس بنقهر ، وبغُصْ ، وبرغرغ بِكي .
ولليوم ، لا قلبي غفرْ لي هـ َ الخَطيّي
الطعْمتا مرّة
ولا راسي نسيْ
ودمعه بتنزلْ من عيوني طعمها
مالح ، معو
مرورهْ ،
وشكلا
ملبسي – ص 239 و240 ) .
وفي دراسة نقدية عن رواية ” الأحمر والأسود ” لستندال ، قال الناقد الفرنسي ” روجيه نيميه ” وهو يتحدث عن إحدى صور ستندال الفنية التي حفلت بها الرواية الشهيرة والتي ملكت عليه لبّه :
هنا .. يجب على المخرج أن يضرب رأس الممثل بقطعة من الديكور ..
فبأي قطعة من الديكور عليك أن تضرب رأسك وانت تلاحق الصور الشعرية الرائعة لجوزف حرب ؟!


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"