الرئيسية » نقد » ادب » د. فيصل غازي محمد النعيمي : شعرية الدلالات الإنسانية في قصص أرض من عسل لـ هيثم بهنام بردى

د. فيصل غازي محمد النعيمي : شعرية الدلالات الإنسانية في قصص أرض من عسل لـ هيثم بهنام بردى

faisal alnoaimi      لا يمكن للناقد الأدبي أن يفصل بين الدلالات الموضوعاتية والصيغ الشكلية للنص القصصي إلا لأجل الأغراض الدراسية والبحثية فالحديث عن أحدهما يستلزم بالضرورة المرور على الآخر.. ولكني أجد نفسي في هذه الدراسة منساقاً نحو البحث عن قضية أساسية في مجموعة (ارض من عسل) وهي المقولات الإنسانية المرتبطة بمسألة شكلية ذات أهمية قصوى في النقد السردي الحديث وهي الرؤية التي تتحكم في إنتاج وصياغة المادة القصصية وعلى الرغم من أنّ الرؤية في هذه المجموعة لا تخرج عن دائرة الراوي كلي العلم أو الراوي المشارك في ما يسمى بالمحكيات الذاتية من خلال ضمير المتكلم.. إلاّ أنّ ذلك لم يمنع من ترشح دلالات ومقولات كثيرة ومتعددة.. ومن هنا يمكن لي القول أني لن أتوقف كثيراً عند مفاهيم الصنعة القصصية أو التقانات السردية بل سأحاول أن أوضح العلاقة الجدلية والتلاحم بين محتوى الشكل ومحتوى المضمون وكيف عبر الشكل القصصي عن الدلالات الإنسانية التي أراد المؤلف أن يعبر عنها.
ولا بد لي هنا من التأكيد على قضية أساسية وهي عدم سهولة دراسة مجموعة قصصية واحدة تحتوي على أكثر من قصة، لأن لكل قصة خصوصيتها المتمثلة بالمرحلة الزمنية/الكتابية ومن ثم الطبيعة الفنية الخاصة بها، ولا يمكن لأي مجموعة أن تحقق نسقاً تواصلياً ومعرفياً واحداً إلاّ إذا تقصد الكاتب ذلك. وفي مجموعة (أرض من عسل) هناك نسق شكلي ومعنوي يؤسس لما يمكن أن أسميه المقولات الإنسانية في هذه المجموعة…….
تجتهد قصص (أرض من عسل) في التعبير عن قضايا اجتماعية وسياسية وفكرية وفلسفية ويؤشر الظهور البارز للدلالات توجهاً فكرياً وفنياً للمؤلف، عمل على تحديد الملامح الخارجية والداخلية للنص القصصي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الإشكالية غير مستقرة ومتغايرة من نص إلى آخر.
في رأيي أن التصدير الشعري الذي قدّم به المؤلف للنصوص القصصية وهو نص شعري للسياب يعلن فيه انتمائه الدائم لهذا الوطن (العراق) على الرغم من ظلامه المستمر، شديد الالتصاق بمحتوى ومضامين هذه القصص وتحديداً القصة الأخيرة (أرض من عسل) فالنص التصديري كشف عن مقولات النصوص القصصية واختزل أفكارها وقدمها بطريقة مكثفة، وبذلك تحول نص القصيدة إلى مفاتيح قرائية وتوجيهية للنصوص القصصية.
تعتمد القصة الأولى والتي تحمل عنوان (الحكاية) على أسلوبين سرديين معروفين، الأول مأخوذ من التراث السردي العربي القديم وهو التضمين، أي إدراج حكاية فرعية أو حكايات داخل حكاية إطارية، وهذا يذكرنا بحكايات ألف ليلة وليلة، والأسلوب الثاني حديث أفادت السرديات فيه من السينما وهو العرض المتوازي (مع ملاحظة الاختلاف الزمني في هذه القصة) لأكثر من خط سردي، وأعتقد جازماً أن التوليف والجمع بين هذين الأسلوبين بما حققاه من بنية قصصية ذات شكل متفرد، إلاّ أن قصدية المؤلف كانت واضحة للتدليل على الانفتاح المكاني haitham bahnam 3والزماني، فالحدود الزمكانية في هذه القصة لا تحدها الأطر التقليدية، وبذلك نكون إزاء وعي جمالي وفكري من قبل المؤلف، هذا الوعي الذي أدى إلى الموازنة الفنية والموضوعاتية بين الشكل السردي من جهة والقضايا الإنسانية من جهة ثانية، فالقهر والظلم والطغيان والبحث الأزلي عن الحرية كل هذه المقولات الإنسانية ممتدة من الماضي السحيق إلى راهننا المعاصر، هذا الراهن الذي يبدو أنه أطّر فضاء القصة حتى تبدو واضحة المقاصد، ولكن مع هذا انفتحت الطاقات الإيحائية والدلالية للعالم القصصي على الموروث الحكائي الشعبي (في قصة إبنة الفلاح والبلبل) ذات المرجعيات الشعبية والعوالم الفانتازية متواشجة مع ذاكرة الطفولة البريئة التي لا تحمل في ثناياها إلاّ ألوان الطهر بعيداً عن الحاضر المعبر عنه بفضاء الزنزانة والتعذيب… هذه الوحدة والغربة التي أدت بالقصة أنسنة ما هو غير إنساني (وهذه ظاهرة بارزة في مجموعة أرض من عسل) فالحيوان الأليف (القط) يتحول إلى معادل موضوعي للوجود الإنساني المغيب قسرياً عن عالم الأنثى الوحيدة في منزلها بسبب غياب الزوج… إن عملية التماهي الزمكاني بين حكاية الجدة وحكاية المرأة وحكاية القهر والتعذيب تنتهي بتماهٍ كامل بين الشخصية التراثية لابنة الفلاح وشخصية المرأة في الزمن (الحاضر) وتصبح عملية ولادة الطفل (وعد) موازية في دلالاتها الإنسانية والفنية لعملية ولادة القصيدة في الزنزانة وللتدليل على استمرارية الأمل بوجود الحرية والتخلص من القهر المستمر.
ويمكن أن نتلمس في قصة (الرسالة) أطروحة فكرية /إنسانية انسابت برأيي من مجموع قصص هيثم بهنام حيث التأكيد على الشخصيات الهامشية ودورها في إبراز الجانب الإنساني في الحياة. يلتقط قلم هيثم شخصية (ليث) الرجل/الطفل المصاب بلوثة عقلية وفي الوقت نفسه يحمل مرضاً خبيثاً يعجل بموته بعد فترة قصيرة، ولا يستند القاص عند مروره على هذا العالم على رؤية ضيقة تختزل هذه الشخصية النمطية والمكررة في الأدب الإنساني بل ينفتح التمثيل الإنساني لديه عبر التعبير السردي والتعدد في الرؤى القصصية والتماثل الذي أقامه القاص بين شخصيات عالم هذه القصة وتحديداً (الراوي/عامر/ليث/الطفلة/الأطفال) وهذا التماثل لا يقتصر على الشخصيات الإنسانية بل يتعداه ضمن رؤية فنية/جمالية وقصدية فكرية إلى تماثل بين الشخصية الهامشية (ليث) وعالم الدمى التي يصنعها للأطفال فضلاً عن الطبيعة عندما يتحول ليث إلى شمس تضيء العالم الداخلي والخارجي للراوي وكما نقرأ في المقتبس الآتي الذي أوردته لأهميته ولبيان قدرة الكاتب الفائقة على استثمار التقانات التعبيرية ((والسيارة إذ تمرق من ساحة مشجرة فسيحة تنساب أمامي أجساد الناس وواجهات المخازن وأضواء الشوارع ثم تتماوع تدريجياً متصاغرة أمام صورة ليث وهي تلتصق بصميمية مذهلة على زجاج السيارة الأمامي، أتأمل الوجه.. وجه كالبدر تقتحمه عينان سوداوان محاطتان بهالتين متفتحتين (….) راقبت ليثاً منذ زمن، لاحظت الفرح اللامحدود الذي يحتويه كلما نظر إلى طفل حيث ينطق وجهه بالبشر وتتقد عيناه ثم ينشأ يدندن بصوت خافت))”1″
تشتغل قصة الرسالة في أفق حكائي واحد لكنه يشتمل على مقولات ذات أبعاد ثلاثة أولها تركيزه والتقاطه للشخصيات الهامشية في المجتمع ضمن رؤية سوسيو- إنسانية والثاني يدعم المنطق الفكري/الفني الذي قامت عليه القصة عندما يجعل من الموت وجهاً آخر للحياة والطفولة وبذلك تتعمق الصورة الإنسانية للموت بعيداً عن صورته التقليدية المخيفة، ومما يعزز هذا البعد الإلتفاتة الذكية من الكاتب في البعد الثالث للأفق الحكائي عندما يماثل بين التشكيل السردي المتقطع وبين مقولة أن جنون العالم وقسوته لا يواجه بعقلنة الأشياء بقدر ما يواجه بالبراءة والطفولة واللامنطق.
kh haitham 3تفارق قصة (النبض الأبدي) من حيث التعبير اللغوي والصنعة القصصية القصتين الأولى والثانية، فالصنعة القصصية ترتكز هنا على القول الشعري المتدفق والغزير الدلالات والايحاءات إلاّ أنّ النسق الدلالي الذي يطبع هذه القصة هو ذاته الذي يسري في قصص المجموعة حيث المقولات الإنسانية المندمجة مع محتوى الشكل، فالمؤلف يتوسل الإنساني والجمالي معاً ويوظف شعرية القص للتعبير عن وجود الإنسان في الكون واندماجه مع عناصر الطبيعة. إن قصة النبضالأبدي بمقولاتها ودلالاتها لا بشكلها تذكرني بقصص ومقالات وإشعار جبران خليل جبران عندما يتحد كل شيء في الكون ضمن رؤية دينية /صوفية/فلسفية، حيث يضفي الكاتب الصفات الإنسانية على الأشياء والموجودات ويتحاور معها، وتصبح هي الملاذ لبقائه وهذه الأشياء تتحدد في قصة (النبض الأبدي) بـ (الجبل والشجرة والمهد) وتتحول هذه الأشياء الجامدة إلى علامات كبرى في القصة محملة بالدلالات ومثقلة بالمرجعيات التاريخية والدينية والاجتماعية. ومن المفارقات في بناء القصة أنّ هذا الثالوث التشيؤي هو من يؤطر القصة بالدلالات الإنسانية وأعتقد أن المؤلف تقصد أن يختار هذه العلامات الثلاث حيث التواصل بينها على المستويين الديني والتاريخي أمر لا يمكن إنكاره.. ((خطا على طوله، دون أن أي إجراء احترازي وحواسه مأخوذة نحو الأم التي تجلت أمام ناظريه، والتي ما عاد يتذكر من ملامحها إلاّ هذا الوجه الحبيب المتجلي أمامه بوجه أبيض موشوم وقدٍ ضامرٍ رشيق، فاجأته رغبة بالعودة إلى أربعة عقود ونيف، والركض بأقصى ما يملك من سرعة، والقفز نحو رقبة أمه، ثم تقبيلها من خديها وعينيها وشعرها الأسود الناعم لاهجاً بصوت طفولي:
– أنا أحبك يا أمي….
وتقول له.. كما كانت تفعل…
– إلى أي حد ..؟
ويفرد ذراعيه على طولهما ويقول بخيلاء.
– إلى هذا الحد.
فتحتضنه ثانية وتقبله ثم تشيله إلى صدرها وتدلف إلى الكوخ… لقد جمد كل شيء في بؤبؤيه.. السماء إلى كائن كتلوي ملون لا ملامح جلية له، فقط، الوجيب… يسمعه بوضوح ينطلق من نقطة جلية غائرة في قلب الشجرة/الأم ويتموسق مع وجيب قلبه ، قالت له الشجرة.
–    لا تخف.
قالت له الأم
–    تعال يا فلذة كبدي.
قالت له الشجرة/الأم ، بحرارة.
– هلم بنا توحد بي))”2″
في قصة (عروة بن الورد وما جرى له في أحشاء الغولة) يتمسك المؤلف بقضيتين فنيتين الأولى العودة إلى التراث العربي من خلال العنونة وشخصية (عروة بن الورد)، والثانية اشتغاله بمهارة تقانية على مفهوم اللوحات السردية المتقطعة والمتواصلة في الوقت نفسه، وهذه القضية الشكلية ذات ارتباط وشيج بدلالات القصة التي تهتم بهذا الانقطاع ومن ثم الاتصال. ويمكن لنا أن نلاحظ أن المفارقة الزمنية هي الأساس في بناء القصة، والتي نشأت من خلال أزمنة ثلاثة (الماضي البعيد) حيث الزمن الحقيقي لشخصية عروة بن الورد (والزمن الراهن) هنا هو راهن النص حيث عام (2584) أي أن الحاضر هو المستقبل، وتتجلى القيمة الإنسانية للشكل السردي من خلال التداخل بين الأزمنة الثلاثة وتوظيف شخصية عروة بن الورد الفارس المدافع عن فقراء الصحراء، ولكنه وفي تدليل سردي مفارق وفي زمن الكلاشنكوف فقدت فروسيته قيمتها لأنها فقدت الفضاء المعبر عنها (الصحراء) مع ملاحظة أن الفقراء موجودون في كل زمان ومكان.
((الصوت الخارق يأمر عروة بالعودة ولكن ..؟
وفجأة لعلع صوت صم أذن المسلح الذي حسبه قصف رعد رغم أن سماء المدينة كانت صاحية.
–    عروة..
وصدر عن جسد عروة، الواقف كالتمثال على الرصيف، صرخة.
–    من يناديني ؟
–    عد إلى مكانك يا ابن الورد.
وأمام ذهول المسلح إختفى الجسد بغتة كفص الملح))”3″.
لم تقتصر قصة (أرض من عسل ) في بنائها الفني ومحتواها المضموني على تجربة هيثم بهنام الفردية، بل انفتحت نصوصياً على ثلاثة أعمال أدبية مختلفة قاربت موضوعة حيرة الإنسان وصورت عجزه أمام أشياء تبدو في الغالب بدون معنى، وهذه الأعمال هي (ملحمة كلكامش) ورواية (ليس ثمة أمل لكلكامش) لخضير عبدالامير، ورواية (الساعة الخامسة والعشرون) لجورجيو، حيث لا أمل للإنسان بالانتماء للمكان مهما بذل من مجهودات أسطورية أو واقعية أو حتى تخييلية، ألاّ من خلال حب الوطن. لذلك وكما يقول د . محمد صابر عبيد فإن((في القصة سعي حثيث لاستثمار ملحمة كلكامش في بعض مفاصلها المتعلقة بالمكان وتفاصيله ورؤيته، فضلا عن تشغيل طاقة المعنى السردي في عشبة كلكامش ووصفها قصصياً بـ (عشبة الأمل)، وتكبير صورة الوطن/المكان عبر التاريخ لتطغى على أجواء القصة وتسيطر على مجريات السرد فيها.
لذا نجد أن عتبة الإقفال في هذه القصة تعيد إنتاج إيقاع الصوت الطفولي النشيدي المستمد من روح الطفولة على النحو الآتي :
–    هيا نكمل النشيد.
فانشد الأطفال :
( أنا من العراق
أنا عراقي
العراق وطني ) “4”.
ولا يبدو لي أن هناك أي تعارض في تجاور ملحمة كلكامش ورواية (الساعة الخامسة والعشرون) على الرغم من الفروق الجوهرية بينهما من حيث الدلالات والمضامين، لأن هيثم تقصد أن يبرز روح المفارقة بين المكان بوصفه وطناً وبين الإنسان عندما يحمل وطنه في قلبه بعيداً عن ضيق المكان، أي أن حبّ الوطن مرتبط بقضية جوهرية وهي الحرية لذلك تتوافق خاتمة القصة مع هذه الرؤية الفكرية/الإنسانية فيبتعد الكاتب عن توظيف الملاحم والروايات ويعمد إلى نشيد طفولي بسيط التركيب عميق المعنى يعبر عن الارتباط الحقيقي بين المواطن والوطن ضمن رؤية تقترب في أجوائها من التجربة العرفانية (( وارتفع جسده بفعل قوة مجهولة، ونظر من عل، وهو مسكون تماماً بالنشوة، فهتف الأطفال.
إنه يطير ! ..
وهتف أكبرهم سناً.
–    كيف يطير بلا جناحين؟!
والقوة المجهولة تدفعه نحو الأعلى ،وهو يكمل النشيد:
(وأحب أهل العراق).
وتهتف المدينة بأسرها.
(العراق وطني).
ومن الحالق ، كانت آخر ما احتوته مقلتاه ارض من عسل يدرج فيها نحل لا يستكين))”5″.
ويجب هنا عدم إغفال القصدية الواضحة من المؤلف في إبراز نوعية العلاقة الجدلية بين التصدير الشعري الغيري للسياب وبين قفلة قصة (ارض من عسل) التي تشكل خاتمة المجموعة حيث الدلالات واضحة بين قصدية السياب ونشيد الأطفال…..
إن قصص أرض من عسل تعكس توجهاً فنياً ورؤيوياً وجمالياً وإنسانياً عند هيثم بهنام، فالمقولات السردية في هذه القصص كشفت عن انفتاح من قبل القاص نحو أجواء إنسانية ووطنية واجتماعية جماعية بعيداً عن ضيق الرؤية الفردية المعتمدة على تجارب أحادية. وهذا لا يعني أن تجربة هيثم في هذه القصص قد استلبت ايديولوجياً بعيداً عن جماليات الشكل السردي بل على العكس من ذلك فقد أجاد القاص في التوفيق بين جماليات التشكيل السردي والتعبير عن المحتوى المضموني لقصص هذه المجموعة التي تعدّ إضافةً حقيقية لمنجز هذا الكاتب العراقي المهموم بقضايا بلده …

الهوامش والإحالات :

“1”: أرض من عسل/هيثم بهنام بردى/41-42.
“2”: م. ن/61-62.
“3”: م. ن/74.
“4”: م. ن/13.
“5”: م.ن/87.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *