تابعنا على فيسبوك وتويتر

mostafa ebadaفي روايته الجديدة “الحياة لحظة” التي صدرت حديثا عن الدار المصرية اللبنانية، يرصد سلام إبراهيم، رحلة المعاناة العراقية، والشتات والنفي والتشرد، والسجون والتعذيب التي طالت كل الفصائل العراقية، كما يقف بكل جرأة عند الأخطاء البشعة التي ارتكبها الثوار في الجبال، وعن شكهم في كل جديد عليهم أو متضامن معهم، شك وصل حد القتل والتنكيل لتصبح الحالة العراقية كلها جوا من الإرهاب والنفي والإقصاء،
— فحتى الثوار تورطوا في فخ تعذيب معارضيهم، وفي النهاية يضغط النظام الصدامي علي الجميع مؤيديه ومعارضيه، فيهرب الجميع إلي معسكرات اللجوء السياسي في إيران وتركيا، ثم موسكو والنرويج والدنمارك، وفي اللحظة التي يصل فيها العراقيون إلي خارج وطنهم وفي المطارات نفسها يكون هناك يهود قادمون إلي الشرق الأوسط ليستوطنوا في فلسطين في تواصل مع تيمة التهجير التي يعانيها العرب منذ خمسينيات القرن الماضي، وكأنما الأمر يتم وفق مخطط كوني لإخلاء المنطقة برمتها من سكانها تمهيدا لاحتلال واسع، تقف فلوله علي الأبواب.
يسقط بطل الرواية إبراهيم السلامي وهو في منفاه في موسكو في لحظة التنوير والإدراك، وهو يراجع تاريخه الشخص في النضال والثورة ولحظات التعذيب في الأقبية التي تمت علي يد شرطة صدام حسين، وهي اللحظة التي تسقطه في فخ العدمية وهو يتذكر زملاءه الثوار وأخطاءهم في تعذيب المختلفين معهم لتصل به العدمية إلي منتهاها هاتفا: “كل شيء عدا خيانة الضمير جائز” فيغرق في الشرب والجنس، ويرصد في لحظات سكره مصير الثورة والثورات كلها التي صيرتنا في نهاية المطاف إلي لاجئين حتي في أوطاننا، حين يهتف في غمار السرد مناجيا العراق: يا بقعتي الدامية. فيك كنت في العلا رغم القسوة.. وهو يعاني ويلات التشرد في المنافي حالما بلحظة راحة، حيث “الجنة فراش متعب”
وإذا كانت هذه التيمة المحور أو الأساس في الرواية التي تقع في 510 صفحات، فإنها تكتب عبر عديد من التميمات أو الأنهار الصغيرة التي تغذي بحرها الكبير، بحر القمع والبؤس الإنساني الذي يشمل أغلب سكان الكرة الأرضية، ففي جزء “المتشردة الروسية”. يقف السرد طويلا أمام معاناة الروس أيام salam ibrahim 7سقوط النظام السوفيتي القديم، حتى اضطرت بنات روسيا إلي بيع أنفسهن مقابل وجبة أو مكان للمبيت. الروس الذين كانوا يتبرعون لكل العالم، صاروا يقفون في الطوابير منذ الفجر للحصول علي زجاجة بيرة أو فودكا. يتعاركون حتى الموت، وانتشرت بينهم المافيا التي تقتحم المساكن للحصول علي الطعام.
يستطرد السرد في خيط إنساني ليقف علي حقيقة وحدة البؤس العالمي وخصوصا في روسيا منشأ الشيوعية والاشتراكية في مفارقة تعمقها الرواية في كل صفحاتها، فكل الثورات فشلت، والنخب تهرأت وبحثت عن مصالحها الشخصية، انه النسيج الإنساني الذي يسري في نفوس البؤساء ويلم شتات الأحداث في رواية كبيرة ليلضمها في خيط وجودي عام، حيث “الحياة لحظة. فقاعة فصورها أو عشها قبل أن تنفجر” الجملة التي كان البطل يهتف بها في صمت الليل في مواجهة الفراغ، وفيها يخرج علي أو تدفعه إلي الإغراق في الجنس، حيث تبرز مرة أخري تيمة “القنص النسائي” فالراوي يتحول في لحظات إلي مجرد قناص يبحث عن امرأة لليل طويل، لنقف أمام تيمة أخري جميلة في “الحياة لحظة”هي تيمة الجنس التعويضي، الجنس الهروبي، ليتساوي السكر والجنس في لحظات الهروب من ضغط ذكريات فشل النضال وتفسخ الثوار، ورحلة طويلة من التشرد وتشتت المناضلين في كل منافي العالم.
لندخل إلي تيمة الاغتراب بشتى صوره، اغتراب العربي والروسي والأوكراني: أول مرة انتظر السفر غير قلق موعودا برؤية أمكنة وبشر مختلفين “قال لي عزيز في محاولة إقناعي بالسفر بصحبته: اسمع كلامي آخذك لجو راح تتذكره كل عمرك مثقفون عرب من تونس، المغرب، عرب 48 اسرائيليو الجنسية. دروز من الجولان، لبنانيون. أنواع وأشكال من شتي بقاع العرب. ومن مختلف المشارب والانتماءات. شيوعيون. يساريون. قوميون. يمنيون.” كلهم متشردون اجتمعوا في بقعة روسيا، بعضهم يهرب بالدراسة، وبعضهم فر من القمع، وبعضهم كان ضحية الدوجما اليسارية التي صفصفت علي لا شيء، والبطل في كل ذلك يسقط في هوة اغتراب مميتة، مرة في حضن امرأة روسية أو أوكرانية أو يهودية في قطار، يشعر وهو في هوة الاغتراب بحرية زائفة “هاأنذا أجلس حرا. لا أحد يسأل عن هويتي سائبا كندف الثلج التي أراها تهبط ببطء في مخروط الضوء الناري. حر، كالطبيعة كما هتف. “والت ويتمان” قبل قرن، أرنو إلي عمري العنيف باسما. ساخرا لسلامتي من ميتات أكيدة. كانت عربات قطار العراق تضمرها لي”
وفي قلب كل ذلك يبقي العراق حاضرا، والذكريات مطرقة من الجحيم يثيرها القطار وكأن رحلة العمر الضائع تشبه سير القطار لا تتوقف إلا في محطة اعتقال أو تعذيب، حيث “رفاق طفولة صاروا شرطة”.
kh salam alhayat lahdaوفي الدنمارك التي كانت آخر محطات النفي يري الراوي أصدقاء الطفولة الذين كانوا يخدمون في الأمن العام ويعتقلون أصدقاءهم ويعذبونهم، وبعضهم أصبحوا شعراء، يتحدثون عن قمع صدام وكانوا هم أدواته، لكن وجود مضيفيهم يمنحهم ثقة غير مبررة فقد لجأوا إلي هناك تحت زعم مقاومة نظام صدام وهم من كان يعتقل ويعذب، وأول من باع الوطن والصداقة، في مفارقة أعجب يصنعها الغرب نفسه يستضيف المناضلين كما يستضيف جلاديهم. عشرات الشخصيات تذخر بها الرواية، وكأننا في وطن عربي آخر مصنوع في الغرب حمل معه كل مباذله وقمعه وتخوينه.
في اللحظة التي يقع فيها البطل بشكل شبه نهائي ويعالج في مصنع للإدمان، يسقط النظام الصدامي فتعاوده لحظة الإفاقة ويصر علي العودة إلي العراق: هاأنذا أحلق فوق الغيوم. حلم عاشر طفولتي. حينما كنت أسقط غفوة بظلال نخلة تطل علي شط الديوانية في ظهائر الصيف. هاأنذا أعوم في الفضاء جالسا علي كرسي وثير احتسي البيرة وأغازل المضيفة الشقراء. سأراك يا شاكر ميم.
لكنه لن يري شاكر ميم المصور صاحب شعار الحياة فقاعة فصورها قبل أن تنفجر، ولن يري غيره، ففي اللحظة التي تطأ فيها قدمه أرض العراق يصدم بجندي أمريكي. مثل واحد غريب تجده في غرفة نومك يتصرف وكأنه أنت” فيهتف صارخا: لم أنا هنا يا إلهي؟” لكن لحظة لقاء الجندي الأمريكي أخف وطأة من قبضة خاطفيه، سيقع العائد في أسر مجموعة تجاهد في العراق تحت اسم الإسلام فتتعامل معه باعتباره من أعوان الاحتلال، وهو الذي عاش عمره يحلم بعراق حر، ناضل واغترب ونفي وتشرد في انتظار لحظة يعود فيها إلي أرض أمه، لكن أحد الخاطفين يهتف في وجهه: مرحبا بأعوان الاحتلال رافضي مشرك مرتد. أكسب بدمك ثواب”. أهلا بكم في بلاد الإسلام. ويساق إلي الذبح أمام الكاميرات وصوت كصوت أنثي يرد. بك نستعين ونتوكل. وأكف تمسك بشعر رأسه وتسحب إلي الخلف بعنف حتى التصق بركبتي الواقف خلفه تشنج متصلبا رائيا وجه شاكر ميم الزنجي مستكينا يقترب منه لحظة سقوط الحد علي عنقه. اعتنقه مخففا من ألم الحز. تحرر من الوجع حاسا بجسده خفيفا. يطير خارج الفقاعة. خارج اللحظة. هكذا تعود الرواية في بنية أسلوبية دائرية إلي لحظة القمع الأولي. مرة باسم النظام وأخري باسم الإسلام، وثالثة باسم مصالح الشعب، ومرة تحت النضال ضد الغرب الكافر، ونحن نقتل أنفسنا، لتستفيد التقنية الروائية من بني ألف ليلة وليلة. هيكل روائي باذخ ترفده أنهر صغيرة تخرج منه وتعود إليه، كما تستفيد الرواية من تقنية السرد المستقيم كما في السيرة الذاتية وبعض أجزائها تعتمد علي الأحداث التسجيلية في لغة روائية لاهثة حتى أن الكاتب يذكر اسمه الحقيقي في السرد، ليسرد بضمير المتكلم ـ فلا نشعر لحظة بأي مسافة بيننا وبين ما يجري علي الورق أو بين ما يجري علي الورق وما يعانيه علي أرض الواقع. حيث الوهم رب السرد وطريقة القول، ورسم الحدث بالكلام سر حكاية هذه الحياة. وشد السامع هو المفتاح
إنها حقا روايته الشتات والإحباط العراقي، تشرده وضياعه، برع سلام إبراهيم في وصف لحظته ورؤيته وموقفه مما جري لبلده، وهو الذي عاني ويلات الحروب العراقية كلها، حيث التحق بصفوف الثوار في كردستان عام 1982، وفقدت وظائف رئتيه قدرتها علي العمل بشكل طبيعي بنسبة 60% نتيجه للقصف بالأسلحة الكيماوية علي مقار أحزاب المقاومة في زيوة، وفي حملة الأنفال نزح مع جموع الأكراد إلي تركيا ثم إيران ليمكث في معسكرات اللجوء بأقصي الشمال الإيراني، ليلجأ بعدها إلي الدنمارك التي يقيم بها إلي الآن وهو من مواليد عام 1954، وبدأ بكتابة القصة القصيرة في أوائل السبعينيات وصدر له: رؤيا اليقين (قصص) 1994 ـ رؤيا الغائب (رواية) 1996 ـ سرير الرمل (قصص) 2000 ـ الإرسي (رواية) 2008.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"