الرئيسية » نقد » ادب » علي حسن الفواز : محمود سعيد يصطاد البط البري؛ سرديات الواقع والحرب والهوية

علي حسن الفواز : محمود سعيد يصطاد البط البري؛ سرديات الواقع والحرب والهوية

ali fawaz يضعنا الروائي محمود سعيد امام مشهد  محتدم بالصراعات، وامام محنة الذات العراقية  وهي تبحث عن وجودها ازاء مهيمنة الحرب ومهيمنة المنفى، اذ تلعب هاتان المهيمنتان دورا ضاغطا على ترسيم ملامح المسار  الواقعي للاحداث، وعلى ترسيم  بنية التخييل  السردي  الذي  يسبغ على الرواية تلوينات مفارقة، ويضعها ضمن تشكلات  تعبّر عن  رؤيا الروائي  للتاريخ والحدث والصراع والاحتلال، مثلما يرسم  لشخصياته مستويات  بنائية تتمثل لموجهات السرد، ولطبيعته الخطابية القائمة  على ابراز تمظهرات التعالق الحسي والنفسي مع الاحداث التي تجري ضمن زمن واقعي، مقابل وجودها  ضمن زمن سردي تتكشف مستوياته داخل المبنى الحكائي  للرواية. العتبة العنوانية للرواية تحمل ايحاء مفارقا، يستدعي البحث عن محركه الدلالي، فـ(صيد البط البري) ليست فعالية للنزهة العابرة، بل هي الصورة (التي ذكرتها  اذاعة مونت كارلو: وكما قال  الضابط الامريكي بالضبط، هذه هي  المذبحة) ص23 ايحائية العنوان تقدم سردية الرواية من منطلق استغوار اعماق الاحداث والشخصيات، اذ تضعنا امام لعبة سردية تقود  الى تمثل ما تتيحه التراجيديا الوصفية من غموض ورعب وموت( ظلت الطائرات تلقي بالقنابل، بالمتفجرات، بالوقود حتى بداية الفجر المنبجس في اقصى الشرق، عندئذ بدأت مئات الطائرات السمتية تقتنص من بقي حيا: جنود، مدنيون، نساء، اطفال، كما يقتنص الصياد ضحاياه) ص23 افاضة العتبة العنوانية وامتلائه بالدلالة، تنحو بالروائي الى تقديم راو يعرف الاحداث، ويرسمها بدون حيادية، لانها تمثل عوالمه وحياته وشخصياته الحميمة، فمفردة(صيد) تقود الى نوع من التبادلية بين الفكرة ومحمولها الدلالي، اذ يكون(البط البري) خارج الواقع، وباتجاه التمثل لحمولتها التعبيرية والدلالية، لانها توحي الى الانسان العراقي الذي تحول تحت المنظار الامريكي الى بط بري، وهو مايوحي بعيشه تحت مهيمنة الحرب كائنا مرعوبا، وخضعا ل(شفرة) الصيد القاتلة… الشخصيات واوهام السيرة شخصيات الرواية لاتقدم نفسها بوصفها وحدات سردية خالصة، بل هي الاقرب لان تكون حمولات  لسيرة الحدث الواقعي وابراز mahmood saeed 4ثيمته الجوهرية، وهذا التعالق مابين الشخصية والسيرة يجعلها اكثر فاعلية في  التوصيف التمثيلي، وفي ابراز المعنى الذي يتكأ عليه الروائي كثيرا لخلق مشهد يقوم على المعاينة البصرية، وعلى مقاربة الواقع بوصفه مادة جاهزة للسرد، اذ  تعبّر الشخصيات الروائية عن تصميم سردي، يجعلها منحازة الى مركزة الحدث، بوصفه خاضعا لمنظور البطل الرئيسي غير الحيادي، او لمنظور الراوي الذي يسردن الواقع ليؤكد على اهمية منظوره في التقاط الكثير من التفاصيل في المعمار الروائي.. شخصية منصف او علاء في مفصل غامض تمثل المركزة الرئيسية التي تهمين على سيرة الحدث، وتستقطب الشخصيات الاخرى ليس بوصفها شخصيات ساندة، بل هي شخصيات تكميلية للمعجم السردي من جانب، والى تقوية فعالية المنظور السردي الذي اراده الروائي ان يكون بؤرة لتعزيز موقفه السياسي والاجتماعي والنفسي من جانب اخر. اسم منصف حمولة دلالية لفكرة(الانصاف) في تسجيل مايراه، وفي ان يكون عنصرا ايجابيا في مواجهة سلبية الاحداث- الهروب، الموت، الهجرة، القهر النفسي، الخوف، الفقدان- اذ هو  شخصية وسطية، يصلي ويصوم، لكنه لايتواني من العشق، والنظر الى العالم بعين واقعية( الحياة قذرة تعلمك كيف تخون وانت مرتاح الضمير، ابعد الاحكام الاخلاقية، فكر في الانسان المعاصر ترى امبريالية لااخلاقية تسيّر عالمك كله، سكير معتوه لامبادىء له يرأس دول العالم كلها من دون استثاء) ص62 حمولة الاسم  تتحول الى طاقة مفتوحة لاصطناع الوجود الضد، والذي لاتقيده الاحداث، بقدر ماتدفعه لان يكون  شخصية ولودة، ومؤثرة على الشخصيات الاخرى، فهو يجمع بين بطل جبرا ابراهيم جبرا، وبطل الطيب صالح، مع بطل فؤاد التكرلي، وهذا الجمع يجعله اكثر انحيازا للتفرد، واكثر قدرة على تسجيل ماجرى، لانه سيكون الشخصية/ الشاهد والرائي، رغم ان الروائي قد ورطه  بتصريحات تحتاج الى شيء من الدقة الوثائقية، مثلما فيها شيء من المبالغة واللاوضوح.. كما ان شخصية سناء او مسز تاتشر تتمثل الى اكثر من محمول دلالي، اذ هي  الشخصية المتحول داخل الفضاء السردي، وسيمياء التحول من (مسز تاتشر) الصارمة والقوية وصاحبة اللصقتين على خديها، تتحول الى سيمياء تعبيرية مع تحولها  الى سناء الفلسطينية الرقيقة التي تبحث عن الحب، والانحياز الى الذات العربية المستلبة، مثلما هو تحولها من مسؤولة صارمة في  شركة للسيارات  الى مترجمة مع الجيش الامريكي في سجن ابي غريب لتفضح مايجري في السجن عبر تهريبها لصور تعذيب السجناء العراقيين.. يظل وجود الشخصيات الاخرى في المبنى السردي على علاقة تفاعلية مع  الشخصيتين الرئيستين، فحليمة هي العشيقة رغم زيجاتها الثماني، والايمن الصديق القريب لمنصف، فجر  الابنة التي تمثل حضور الجيل الجديد الرافض للتدجين، واوليفر اليساري الذي يحمل روح الروائي القديمة، والاخت المعادل النفسي kh mahmood saed 5والحمائي لوجوده في المكان المعادي، وام رياض ورياض والاخرون يمثلون المقابل المتني لتأكيد مهيمنة الفكرة السردية للرواية والقائمة على ابراز ثيمة  الرفض والاحتجاج على الجريمة الامريكية بدءا من القتل المجمعي للعراقيين في طريق الموت، مرورا بقتل الاب والام في ملجأ العامرية، وانتهاء بالتعذيب المذل للعراقيين في سجن ابي غريب.. الزمان الاستعادي والمكان المعادي تنتمي رواية(صيد البط البري) الى روايات الواقع المسردن، لانها تخترق الواقع والحدث والتاريخ باتجاه الغوض في سرائره، وفي ابراز عناصر المفارقة، عبر فنطازيا الحرب بكل مستوياتها الظاهرة والعميقة.  هذه الرواية تضعنا امام زمن استعادي  يصنعه الروائي عبر مونولوج طويل، يرتبط بشخصية المنصف المضطربة والتي تعيش رعب مهيمنات الزمن، وهذا الزمن لايعتمد فقط ابراز الجانب التعاقبي، بل جعلنا امام وقفات يتجوهر فيها التزامن بوصفه زمنا نفسيا، او زمنا ايهاميا يضع الشخصية امام رعب وجودها، واما هوس صراعاتها الداخلية، تلك الصراعات  التي تستند الى الحدث نفسه، والذي يرتبط من عام 1991 والى مابعد احداث 2003، اذ يتحول هذا الزمن الواقعي الى باعث لتوليد زمانات نفسية داخلية، تربك الروائي في تحديد ملامح غير واضحة له، ولاصطناع معادلات  تحتاج الى شيء من المراجعة، لاسيما  مع دلالات لاسماء معينة يتهمها بالخيانة.. المكان الرواية في اغلب تمظهراته يظل مكانا معاديا، اذ هو باعث على الكراهية، وعلى اثارة الرعب النفسي والكوابيس في لاوعي البطل، فالطريق من الكويت الى البصرة والى بغداد هو جلجلة اخرى، كما ان الطريق الموحش الى بغداد موغل في الغموض، وكذلك البيت بعد مقتل الاب والام  يتحول الى مكان موحش لايطيق البقاء فيه، والمقهى يفقد اطمئنانه مع حديث العميد  في الجيش السابق عن محاسبة الذين تخلوا عن اسلحتهم( جاء صوت العميد قويا مباشرا من زاوية المقهى، هتف: انت مازلت جنديا. اين سلاحك؟ ارتج  على منصف: لاادري، تركته في قلعة صالح لماذا؟ ستستدعى وتسأل عنه، ستحاسب انت وغيرك..) ص34 وحتى المهجر يتحول الى مكان معادي في لاوعي البطل، لانه مكان استعادي لرعبه الشخصي ولكوابيسه، واحسب ان سجن ابي غريب بوصفه الواقعي، او ضمن  سياق المبنى السردي  يمثل قمة العداء المكاني الذي يثير الكثير من الاشكالات النفسية والانسانية حول طبيعة الاحداث وتعقد مسارتها  في الواقع العراقي، مثلما يسهم في اعادة تشكيل العديد من الاحداث ومواقف الشخصيات وعلاقتها  بالمكان/ المهجر، والمكان النفسي.. يمكن  وصف هذه الرواية بانها رواية حرب بامتياز، لانها  تتحدث عن تداعيات هذه الحرب وتأثيرها المرعب على الحيوات العراقية، مثلما هي رواية(هوية) لانها تقارب الحيثيات الصراعية التي تهدد وجود الهوية العراقية، وتضع كينونة الانسان العراقية امام رعب الاحتلال والموت والشتات، والتي تمثل لحظة انسحاق تاريخي وانساني، ولحظة تهديد لمحمولها الدلالي والتعبيري على مستوى مقاربة الفكرة/ الثيمة، وعلى مستوى الخطاب.. كما ان هذه الرواية هي نص احتجاجي على الحرب، بكل حمولاتها، ورفض لتداعياتها التي  اسهمت في وضع الشعب العراقي  تحت مهيمنة التوصيف العنواني الرهابي، والدافع لتحويلهم من شعب تاريخي عريق، وبلد غني بالنفط والخلود عبر الاشارة الى بابا كركر وكلكامش، وتحويلهم الى  جزء من لعبة صيد البط البري  التي قالهـــــــــا  ضابط امريكي  في لحظة المذبحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *