تابعنا على فيسبوك وتويتر

naser kotمدى مشرع نحو ذاكرتك الحجر … مدى أسود من غربان يطير إلى الشاطئ ويكفهر على زوارق الصيد الغافية بين أشباح النخيل . ظلام كثيف يطبق على الضفتين ويمنح كائنات الأعماق بما تتماوج به من معميات ، سرية فنائها وتفرد خلوتها في ذلك العمق الطلّسم ، فيما يبدو السطح كنصل من فضة وسط عتمة المكان . انه الشط أيضا ، رصيف شط العرب من عام 1991 … منتجعه الأثير ، كورنيشه الذي كان قبل سنين خلت ضاجا بحركة الناس من عشاق وأصدقاء و.. هاهو قفر وموحش عند الساعة العاشرة ليلا حين وضعت زجاجتي في منتصف الجسر ، فوق إحدى فواصله ، بعد ان قفزت السور الحديدي الذي لايتجاوز ارتفاعه نصف متر ويمتد حتى نقطة تلاشيه عند نقطة التفتيش . من هناك أسفل الجسر رميت صنارة صيدي محاولة مني لإيهام مفارز الشرطة التي تجوب المكان ، واتقاء لنظرات بعض العابرين المتطفلين ، ومع كل رمية صنارة رشفة حرى تلهب الأحشاء لتصاعد المخيلة ، ترتقي إلى سلالم مجدها ففيما تتضبب أمامي صورة الواقع الهزيل بيومياته الرتيبة وتنجلي نفايات زبد الشاطئ عن توهجات لونية ساحرة ، ترتعش كل ألوان الطيف من أضواء المصابيح التي تمتد خطوطا طويلة ، متوازية متعرجة اثر المويجات المنبثقة من السطح . كانت فواصل الجسر الحديدية تهتز بدوي هائل كلما مرقت ناقلة مسرعة محملة بالجنود المتعبين إلى الجهة الشرقية . والتفاتة خاطفة لتسقط نظراتي على كتل عملاقة مغبرة تشير نحوي ، إنها النُصب..!.. نـُصب جنود وجنرالات حرب الثمانية أعوام ، شواهد شاخصة للموت والتراب ، وذكرى لإفلاس عقول قادتها الذين أشعلوا أوارها كل تلك السنين المريرة . وعند الفاصلة الحديدية الأخرى التي تحمل الجسر والتي تبعد ثلاثة أمتار لمحت شبح إنسان يتحرك ، نظرت مليا وإذا به رجل بمريلة بيضاء يشدها حول وسطه ـ ماذا يفعل هنا ؟ . تساءلت وأنا أرمي صنارتي دون أن ألقم حافتها المدببة بالطعم . كان رجلا في نحو الخمسين يحمل فراشه بين يديه ويصفع به هواء الشط مرات عديدة ثم يعود ليضعه تحت جسده ويستلقي عليه ، يربض دون حراك ، يداه تحت رأسه وعيناه تجوبان السماء المنقطة بالنجوم وحين يحرك يده كان نصف جسده يميل..!.. إذن ، لقد كان يحتسي من زجاجة كبيرة كان يخفيها هو الآخر عن العيون المتلصصة عند حافة الطوافة الحديدية التي تحمل الجسر مع مثيلاتها . مددت يدي إلى زجاجتي الصغيرة التي رفعتني أبعد من النجوم ، رفعتها أيضا .. وعاليا .. كانت ويا للحسرة فارغة ، يلتمع بلورها تحت الضوء القمري وكان رأسي يدور . نهضت واقفا ورميتها قريبا بحيث سقطت بيني وبين الرجل الغريب فتناهى صوت صرختها من فقاعات متفجرة عبر فمها ، وصوت غرغرة اختناقها وهي تغوص بعيدا لتهمد وتستكين قي ظلمة الأعماق وسريتها ،وكانت ظلال العوارض الحديدية للجسر تختبئ لترمق القمر بنظرات وجلة حزينة ؛ ولربما هو الذي يلقي عليها تلك الظلال الطويلة الراعشة ليزيدها حزنا ووجلا . لملمت أغراضي ، غصنا صغيرا أخضر لشجرة بمبر لف عليه خيط قصير ينتهي بصنارة صدئة ، نصف سيجارة مطفأة دسستها خلف أُذني ، قفزت السور ورحت أغذ السير مترنما بلحن قديم محاولا التحرك والسير بثبات أكثر .. وخطوة .. خطوتان و.. استريح..!.. جفلت بادئ الأمر . كان الصوت ينبعث من أسفل السور ، اقتربت أكثر ، مددت نصف جسدي ، الرجل يومئ نحوي واستطعت أن أرى شفتيه الغليظتين والمنفرجتين عن ابتسامة عريضة أسفل أنفه الأفطس فيما تلتمع بقايا أسنانه وسط كتلة وجهه الكالحة السواد . عينان لامعتان دامعتان تشيان بحزن كبير ، وكأني انظر إلى صورتي التي كانت تنعكس في الصفحة الرصاصية لمياه الشط . حييته ، نزلت وأنا أهمس في سريرتي ” كلانا يشكو غربته فعلام التردد ، وانخرط الرجل في شكوى تطول ، كلماته المتلعثمة تتحشرج بين جرعة وأخرى.
ـ لاتعجب .. فأنا هنا منذ شهور ، أعرف كل حرس الشط من شرطة ومشردين و.. هذه المرة الأولى التي أراك فيها … !…
ـ صحيح هذا ، فلدي موعد مع صديق ويبدو انه لن يحضر . قلت ذلك وأنا أنظر إلى الضوء الساقط على حافة الجرف وهو يصبغ العمود المنخور عند تماسه بالسطح ، والذي ربطت حول جسمه المصلوب والمتآكل أنشوطات الحبال المتهرئة وكيف ينعكس ظله الأسود بين لازورد المياه .كنت مستغرقا بجمال الظلال التي تتراقص في كل مكان ، تحت سطوة ساحرة لأغنية مصابيح الشط التي لاتنتهي . استطعت ان أعرف خلال ذلك ، أنه يعمل في حمل البضائع ويتخذ الشط نزلا له بعد ان طرده زوج شقيقته الوحيدة بسبب إدمانه على تعاطي الكحول ، وإزاء ماكنت أسمعه منه من شكوى حاولت ان أواسيه وأُفهمه من أنه الحر الوحيد وأنه أكثر طمأنينة من أولئك التجار الذين يعمل لديهم . ـ انظر هناك .. قلت له آخر الأمر ـ انظر إلى تلك المحال الفخمة والمغلقة ، ان أصحابها يكدحون طوال النهار ثم يذهبون إلى عبودية أخرى تنتظرهم في مساكنهم ، ليصبحوا على نفس الوجوه ونفس اللهاث فلا تبتئس . ضحك ضحكة غامضة ومد يده بسيجارة فيما وهبته عدة صيدي المتواضعة وهمست يائسا..
ـ حتى الأسماك هربت من الشط ، أي بلد هذا .!.
ـ الأسماك كثيرة هنا..
ـ جرب إذن واصطد ، اثبت صحة ماتقول واعتبره رهانا.
خشخش في كيس كان يضعه قربه ، أخرج رغيف خبز واقتطع منه ثلمة صغيرة علقها في فم الصنارة ورماها بعيدا..
ـ وان كان عفريتا سأعلقه من شفتيه..!..
قال ذلك وقطب حاجبيه الكثين محدقا بعمق رجرجة المياه التي تتلاعب بخيطه المتراخي الغائر في الظلام .
ـ الأسماك لاتشعر بالأمان هنا ، لذلك تهاجر إلى الأعماق
سألته محاولا ردم الهوة التي اتسعت بيننا..
ـ إنها مثلنا تماما ولكن يقولون إنها لاترى ومن السهولة أن تقع في الفخ ، وكل شيء يعتمد على الصدفة لاأكثر..
ـ حقا كل شيء يعتمد على الصدفة..
قلت ذلك ورميت عقب سيجارتي إلى المياه..
ـ أنظر لقد علقت ، إنها سمكة كبيرة ، أعرف حركاتها جيدا ، إنها تناور الآن ولن تخدعني ، هيا ابتلعي الطعم ولاتتلاعبي بأعصابي.
كانت كلماته المتشنجة تخرج من بين شفتيه بين رشفة وأخرى من زجاجته التي وضعها الآن عند حافة السور ، وهو يلغو هامسا بأمور غير واضحة لايسمعها سواه ويلعن أحيانا ظلمة الأعماق التي لاتدعه يرى ملامحه المستفزة ويرى بوضوح صيده الثمين الذي بات واقعا .. لقد خلت لحظتها ان هذا العملاق المشرد بين أرصفة الشاطئ ، قد يكون نازحا من بلاد بعيدة وقد ألقته مراكب النخاسة فوق هذا الجرف المضاع وهو مازال يحبو ..إذن لقد أمسك بها أخيرا ، فها هو يهب واقفا مزمجرا بصرخات انتصاره الأخير.
ـ أمسكتها .. أنظر .. هه هه هه .. لقد خسرت رهانك .. هه هه هه .  وراح يسحب الخيط بخوف وحذر كمن يلمس جثة حبيب ولكن .. لا .. لقد ساد صمت البحور وانزلقت سفن لن تضاء ثانية ، بعد أن تلقفها الموج وغار بها بعيدا إلى الأعماق .. !.. سلحفاة بحرية ضخمة تحاول أن تنفلت جاهدة ، تحرك أطرافها بصعوبة بالغة وألم فيما الصنارة تنغرز في فمها الدامي ، سحبها إلى السطحة الحديدية بأصابع ترتعش ، نظر إليها طويلا وكانت حشرجات صوته تتناهى وقد خمنت لحظتها أن ثمة شيئا تمزق في أعماقه ، وأنه يبكي داخله بدون دموع على شيء عزيز قد أضاعه إلى الأبد . لقد خسر الرهان إذن وسقطت النجوم من الأعالي المظلمة لتومض ، تتلألأ على صفحة مياه الشط . نهضت دون أن أنبس بكلمة ، انسحبت بهدوء ، قفزت السور ولم ينتبه ، رفعها بين يديه وأعادها إلى المياه فيما التمعت زجاجته في الهواء لتسقط بعيدا دون أن يودع جوفها أي شيء .. أي شيء .. لقد غدا فارغا ومجوفا من الداخل وكانت فارغة أيضا ولكن عنقها الطويل ظل طافيا ، يهتز متضامنا مع المويجات الناعسة كما طفل يتهدهد في مهده . وقبل أن أحرك قدمي سمعت الضجة في المياه .. !.. لقد ألقى بنفسه في مياه الشط ، ربما يعود ـ تساءلت ـ وسيخرج أكثر صحوا من جرحه .. وربما يغتسل من أدران الأرصفة .. وربما .. لاأعرف . وفي حقيقة الأمر تلقفت الطريق بخطى عجلة متناسيا أن رجلا ما يغرق الآن ، وأنني أنسحب .. أهرب بكل خسة . مشيت الجسر ثملا ، مترنما بأغنية العمق حيث لاشرطة ولامشردين ولارجلا يغرق .. وربما … آه … كنت وحدي مع روح محطمة وثملة ، فيما ألهمتني الرؤى أن أرسم ذاتي المتضخمة وكل فضاءات الشاطئ بذهن محموم وقوى مستنفدة ، طافيا أخف من سدادة الفلين حتى آخر المدى ، هاذيا حتى نهاية الجسر ، مسحوقا أمرق تحت أحذية النُصب الضخمة وكان السياب آخرها يزرع فيّ فجيعته ويشير بذراعه إلى الطريق الذي انعطفت إلى جادته ، مضيت مترنحا وكانت ساعة يدي تشير إلى العاشرة .. لاأكثر …. العاشرة ليلا .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"