تابعنا على فيسبوك وتويتر

naser kotلأنه بيت الوالدة الطاعنة في السن ، ولأنني كنت أصغر إخوتي فقد كنت قليل الكلام وميالا إلى العزلة والانطواء ، وبالرغم من أنني تعديت العقد الثالث ببضعة شهور ، فلم أسعَ أو أحلم بتكوين أسرة مثل إخوتي ، الذين شتلوا باحة الدار ، وغرف السطح ، بالعديد من الزوجات والأطفال ، الذين كانت صرخاتهم تخدش السكينة التي كنت أنتظرها حتى يجن الليل ،لأقتنص تلك اللحظات الفاصلة وأختلي مبحرا مع أحد أصدقائي الكتّاب ، من الذين كانوا أشد مايؤرقهم هو سماع طفل يبكي أو مرأى فأر يُقتل . كنا نختلي معا في أشد الحالات صمتا واغترابا ، ونبدأ نتحاور عن الكيفية التي يمكن بها إزالة القشور القاسية من الأدران عن روح الكائن ، الذي أخذ جبينه يطأ الأرض وراح يدب على أربعة ، بعد ان كان يسير منتصبا على قائمتين . كنا نحاول جاهدين حتى نصل إلى نسغه البكر .. تلك الطيبة التي مازالت بعذرية بذرة لم تلوثها أرض . كانت كلمات صاحبي الآسرة التي تبدد الوحشة والظلمة من حولي ، تدفعني وتدعني أستشرف آفاقا مضيئة ومبهرة ، تعلمني أن في قلب الحقيقة الدامي هنالك دوما روحا معذبة تستصرخك ، وهي بحاجة الى صوتك وكلمتك ، فلا تتردد .. شد قبضتك اليمين ، ضم خنصرك وبنصرك والإبهام ، وباعد بين إصبعيك الأخريين ، أفرجهما كعلامة نصر لاتعرف الهزيمة ، ارفعهما عاليا ، وبعيدا نحو كل المدارات والأقطاب ، اغرزهما في عيون القبح والظلم أينما كان لتنقذ تلك الروح من أسرها . .. كنت أنصت له كما لو إنني في غيبوبة تامة ، حتى إذا ما أحسست بالتعب من الإصغاء له دفعته برفق ، متوسلا بغفوة عنيدة تهزم براثن الأرق التي تنشب في عيوني ، ولكن رغم إحساسي بالدوار، فسرعان ما كنت أستفيق على صراخه هو الآخر ، استغاثاته التي لايسمعها أحد غيري في البيت ، فلا أملك لحظتها إلا أن أدعه يحلم بعوالمه القزحية ، العصية والبكر ، التي كان يسعى للوصول إليها ، وأنا الذي كنت أشاطره ذلك الإصرار العنيد والسعي المرير في كل خطوة وكلمة ، قد تخليت عنه أخيرا ، ولكن لي عذري وذريعتي إذا ما القى الحجة عليّ ، فللنوم سلطان كما يقال ، وهاأنذا أغفو…. أغـفـ…

**********
kh naser kotiكما لو كنت في حلم ، تناهى لسمعي طرق خفيف على الباب ، نهضت مسرعا وأنا نصف نائم ، فيما ثمالة ليلة أمس قد خلفت في رأسي خدرا لذيذا ، فتحت الظلفة بتكاسل ، كان ثلة من الكتاب يقفون عند عتبة باب الغرفة . أناس أعرفهم أكثر مما أعرف إخوتي ، أعرف رأفتهم وتسامحهم وحبهم الجارف للانسان ، وسعيهم إلى بناء جنة عدن على الأرض ، كان أول ما أدهشني وأفزعني هو مرأى القاص الأرمني ( وليّم سارويان ) بشاربيه الأبيضين الكثين ، ذلك الرجل الذي قضى ثلث حياته في محل لبيع الطرشي ، وهو يكافح ويدافع عن الأطفال والفئران ، حد إنه خاض عدة معارك مع شقيقته الأرملة التي كانت تدس السم في الجبنة لتتخلص من تلك الفئران . أطل عليّ ، فسألته مستغربا ( ما الذي أفقدك عينك ياصديقي ..! . ألم تكن معي ليلة أمس ، وأنا أقرأ قصصك ..! ) . لم يجبني إنما أومأ برأسه فقط وكشف لي عن عينه العوراء النازفة ثم تقهقر بأدب جم وانزوى خلف الكاتب ( بورخيس ) .. ( البصر ليس البصيرة يابورخيس ..! ) . أوشكت أن أبادره بسؤال هو الآخر إلا إنني أحجمت عن ذلك وهمست في ذات نفسي .. (لأحترم شيخوخته وبصيرته .. ) ورحت أحدق في عيون الآخرين، كان هناك ( إدغار آلان بو ) يبصبص بعين واحدة ، لوّحت له بكفي وناديته .. ها إدغار مابك تقف حائرا ، ألم تقتل الشيخ العجوز لأن له عينا كامدة في قصتك ( القلب الذي كشف السر) .. ماذا تقول الآن ان نظرت في المرآة..؟ .. قلت ذلك بينما راح يطأطيء رأسه خجلا ، أما تشيخوف ، وموباسان ، وفرجينيا وولف . كانوا كلهم مزنرين بالصمت وقد سملت عيونهم ، فارغة كانت من أي سؤال .. صرخت بهم ( ما الذي حل بعيونكم .. وأنتم المبصرون ..!) . كان صمتهم المريع يترك ضجيج صراخه في داخلي . وجوههم التي يستفزها قبح العالم ، خساراتهم في الحياة ، وعيهم المتفاقم ، نظراتهم التي كنت أعرفها وهي أشد بريقا من النجوم ، والأعمق نفاذا واختراقا للثوابت .

***********
بعد أن خلصت من قراءة ( وليم سارويان ) برقت في ذاكرتي أحداث رواية ( بلاد العميان ) لهربت ويلز ، ورحت أتخيل نفسي المبصر الوحيد في العالم ، ولا أحد سواي حتى غفوت ثانية ، ولم أصحُ إلا على صوت أمي ملعلعا وهي توبخ أخي الكبير، الذي كان يصالب ذراعيه ويقف حافيا على سجادة الصلاة التي تآكل نسيجها الصوفي تحت ثقل قدميه المفلطحتين ، وهو يهمهم ويجتر بضع كلمات مبهمة كان قد حفظها عن ظهر قلب ، مثل بقية إخوتي الذين لايجيدون فك حرف في خطاب . ولأنني كنت الوحيد الذي يقرأ في بيت الوالدة فقد نشبت عداوة مضمرة بينهم وبين الكتب وكتابها ، فكنت أتحاشى الجميع ، لذلك فمن الطبيعي أن أضرب حول نفسي طوقا من العزلة ، فلطالما كنت أعتقد بأنني الوحيد القادر على فك المغاليق مهما كانت عسيرة وعصية ، هذا الاعتقاد قد قادني إلى الاستخفاف بكل من حولي ، كنت أتخيل بأن لاأحد غيري يمتلك عينين تبصران ، ويتمتع بنظرة ثاقبة ، تفرز صور الجمال عن القبح المستشري في كل مكان ، حتى إنني فوجئت بهذا الاعتقاد الساذج حين انتبهت إلى نفسي وتفحصت عيون المحيطين من حولي ، خاصة أخي الكبير الذي تعدى عقده السادس ، دهشت حين نظرت له وكأنني أكتشفه لأول مرة ، كانت له حدقات لاتوصف ، فنظراته الوامضة المتسائلة عبر بياض عينيه تشيان بالكثير من الرؤى التي لم يفصح عنها والتي لم أكتشفها من قبل ، وأنا الذي كنت شغوفا ومغرما بعيون الكتّاب ، خاصة عيون كتاب القصص الإنسانية ، من الذين لا أمل قراءتهم ، مثل سارويان و تشيخوف ، كنت أتخيل عيونهم عيون ملائكة تطل على عالمنا الأرضي ، من سماء بعيدة ترى لتعرّي كل مخبوء من البؤس وتفضح القسوة ، والغل الكامن في صدور البعض ، كانت عينا أخي الكبير تومضان ، حين اكتشفتهما صبيحة ذلك اليوم . كان قد فرغ توا من طقوس صلاته المعتادة . نهضت متثاقلا ، وكعادتي كلما كنت أنهض ألقي نظرة خاطفة نحو صور الكتاب التي رسمتها كبورتريهات بالحبر الشيني والتي كنت قد ألصقتها بجانب مكتبتي الصغيرة ، ألقي التحية همسا . عمت صباحا يابورخيس .. عمت صباحا ياإدغار .. أمسية جميلة ياسوريان ، غير انني صدمت ولم أنبس ببنت شفة .. كانت الصور على غير ماعهدتها ، فلم أر أمامي إلا ثلة من العور والعميان ، فقد خدشت عيونهم بأداة حادة ( ترى من فقأ عيونكم ) لم أسأل .. غير أن أمي راحت تولول بصوتها الشائخ ( ماالذي فعلته الصّور..! ) كنت صامتا أمام مايحدث ، وكان أخي الكبير بكرشه المندلق وجمجمته الضخمة وجبينه الموسوم إثر الانحناء ، يقطب حاجبين قاسيين ويرمقني بنظراته الحادة الشامتة ، ثم يتحول في التفاتة خاطفة باتجاه الصّور المعلقة على الحائط ، ظل ينقل نظراته بيني وبين الصّور متلذذا .. منتظرا ما الذي ستكون عليه ردة فعلي ، وفي التفاتة أخيرة منه نحو أمي ، راح يهمهم ويجتر ذات الكلمات المبهمة فيما شفتاه تنحرفان بتكشيرة امتعاض .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"