تابعنا على فيسبوك وتويتر

aisa hassan alyasiri*يشكل العثور على الموضوع الثيمة الأساسية في المنجز الإبداعي لكاتب النص شعرا ً أو نثرا ً ..وبدونه يلجأ الكاتب إلى التعكز على لعبة اللغة .. وافراغ المخيلة الخلاقة من وظائفها الأدائية التي تؤسس لبنائية نصية ناجحة .. ولعل إمساك الروائي – عبد الهادي السعدون –في روايته – مذكرات كلب عراقي –  بموضوع لا أقول لم يسبقه إليه غيره كما ذكر هو في تهيئة وعينا لدخول عالم روايته .. بل لأنه جعله موضوعا متميزا ً من خلال مزجه المدهش بين ماتقترحه الحداثة من تقنيات كتابية مؤثثة تأثيثا ً عصريا ً .. وبين الإستعانة بروح المورث لا بشكلانيته الظاهرة .. سواء أكان هذا الموروث محليا اختزنته الذاكرة الشعبية ام عالميا ً.
ولأن الكاتب – عبد الهادي السعدون – عاش بيئتين متغايرتين ..وتشبع بثقافة وتعقيد واقعين ضاغطين على وعيه ً.. لذا فقد توفر له هذا النجاح الإبداعي في اختيار الموضوع الذي ساعدت على نجاحه طاقة معرفية موروثة ومكتسبة خاضعة إلى وعي تشريحي .. لاينقاد آليا ً إلى ما ينتجه مركز بعيد يفرض هيمنته على الآخر . لذا جاءت رواية – مذكرات كلب عراقي – رواية عراقية عبرسلسلة افعالها المحركة لوعي شخوصها وإنسانية منفتحة على خلق تعادلية متوازنة تؤاخي بين معاناة – الكائن – فوق هذا الكوكب .. وبالرغم   من  أن الرواية تبدأ بشخصية بشرية  توهم المتلقي  وكأنها هي المحرك الرئيس للأحداث .. الا أن هذه الشخصية سرعان ما تتبدى هامشيتها حتى تضمر وتتلاشى .. ليتخذ مكانها ذلك الجرو الصغير المسمى – ليدر – الذي يحتل مركز الأحداث .
abdulhadi sadon 3وقد يتبادر للقارئ أن الكاتب اعتمد مسرحا – أرستقراطيا ً – تتحرك عليه أحداث روايته .. وذلك من خلال شاعرية المكان الذي يشرف على – دجلة –  .. المحزمة ببساتين النخل والفاكهة .. والراقصة على الأمواج التي تندفع متعانقة مع شطآنها الرملية .. وخفق أشرعة زوارقها .. اضافة إلى الدور الجميلة المحاطة باشجار الفاكهة .. وشتلات الورد .. إلا أن المكان في الرواية يشكل وجودا افتراضيا ً ومتخيلا ً..أنه علامة إشارية ترمز لزمن أقل ألما وخرابا ً.. ويعتبر الماء سر الحياة الأول هو المرتكزالأساسي – لفعل المكان المتحرك – .. لذا يحاول الكاتب أن يتمسك به كشرط يضفي على عمله الروائي عمقا ً فاعلا ومؤثرا ً
وبهذا يتحول الماء إلى ثيمة مهمة في عملية دفع الصراع في البقاء او عدمه إلى أقصى مدياته .. مما يجعل الصراع بين القوتين غير المتكافئتين .. القوة المتمثلة – بالقائد- المدجج بقوى خارقة ..وبين المعلم صاحب – سلالة ليدر – ورغم ضراوته صراعا ً ثانويا ً حتى وهو يهد – مملكة المعلم – القائمة على الجمال والفن والثقافة التي تؤثر حتى بالكلب – ليدر – .. الذي يقرأ الشعر .. ويتذوق الفن .. ويتصرف كأي كائن بشري مسلح بعدة الذكاء والفطنة الخارقة .. ونحن كقراء إذ نتلمس هذا الأمر لايتولد لدينا أي استغراب .. أو نتوهم أن الكاتب يمارس عملية كتابية ميلودرامية لاعلاقة لها بفن الرواية .. لقد جعلنا نتقبل هذا الأمر منذ مدخل الرواية .. بل منذ مفتتحها الأول حيث ضمير المتكلم ..وكيف يروي لنا الكلب – ليدر – مكان ولادته :
” ولدت ُ – كما علمت ُ فيما بعد – عند حافة نهر دجلة .. في بيت سيد الدار الذي كان الجميع يطلق عليه لقب المعلم .. “
من هذا المدخل .. نحسنا نتجول في منطقة الموروث الإنساني القادم من ابعد عتبات التاريخ ..وأكثر الأماكن غرابة .. ولكنه وبقوة مبدعه تحول إلى إرث إنساني كلي .. إننا نعيش مع – ليدر – زمن – كليلة ودمنة – حيث الحيوانات تتكلم .. أو نعود إلى عصر جداتنا الغائبات اللواتي يجعلن حتى الجمادات تتكلم وتحزن وتحس بالألم .. لذا فنحن نتعايش مع شخصية روائية مختلفة .. انها شخصية – كلب– يمكن ومن خلال عملية رياضية هندسية تحققها لعبة حذف حرف او حرفين واستبدالهما بحرف بديل يتحول – كلبنا – إلى شخصية مؤنسنة ذات وعي ثقافي متميز ..لذا فإنه يسرد لنا معاناته عبر رحلة طويلة .. رحلة – أوديسية – تحتشد بكل ماهو غريب وأسطوري ولا معقول .. مع هذا نتابع جميع أفعال هذه الشخصية دونما احتجاج أو تخل عن رفقته اللامعقولة .. لأن الكاتب أدخلنا في عالم شخصيته ..بل وجعلنا جزءاً منها .. وحملنا حتى على تبادل الأدوار معها .. لأننا شئنا أم أبينا ننتمي إلى – ليدر – في هربنا ومعاناتنا وتغربنا .. بعد أن وجدنا كل ّ مايشدنا إلى المكان قد تفتت وتلاشى ..وتركنا مكشوفين لمصائرنا المجهولة التي قد لا تقل عن مصير – المعلم – ومملكته الصغيرة الباذخة الجمال .. وكما يتوجع  لرحيلنا أحبتنا الذين تركناهم يتكئون على جدار الحزن والأنتظار.. يتوجع – ليدر – بعد أن وهب المعلم أشقاءه الذين ولدتهم أمه معه لأصدقائه ويظل  يبحث عنهم ولا يجد منهم أحدا ً:
” أصبح البيت فارغا ًبعد رحيل أشقائي .. كل ٌ إلى وجهة لم أتبينها .. ولم يخبرني عنها أحد … “
kh abdulhadi saadon 2ولأن ّ – السياسة – صارت فريضة أكثر أهمية حتى من فرائض السماء ..وعلى الجميع أن ينقادوا لها فلن نستغرب أن يتعلمها – ليدر – .. حتى أنه أخذ يعرف ما الذي تعنيه لفظة – دكتاتور – وغيرها من المصطلحات التي تتردد على لسان سيده .. ولم تكن السياسة وحدها هي التي تعلمها – ليدر – عن سيده وانما صار السيد يأخذه معه ..سيما عندما لا تكون هناك – رحلة صيد – بعد أن احترف مهنة والده الذي اصابته كلاب – القائد – بجراح لا تبرأ إلى أماكن تثير فيه الدهشة :
” الأوقات الأخرى التي لا نرغب فيها بالسفر بعيدا ً .. كان يحملني معه إلى أقرب معرض فني أو قراءة شعرية أو رؤية فيلم أو مسرحية .. أو زيارة المتحف الوطني … ” .
وكما في الكوابيس تبدأ نذر أحداث غامضة .. وكل ليلة تظهر كائنات على مقربة من البيت .. أضواء سيارات خافتة .. رجال مدججون بالاسلحة .. وأخيرا ً ينهد كل ّشيء .. ويوضع سيده في سيارة لانوافذ لها .. ويؤخذ إلى جهة مجهولة .. حيث يهبط ليل ثقيل على المدينة .. ومعه تبدأ رحلة تشرد – ليدر – لأنه هو الآخر ليس بمنجى من العقاب الذي أنهى حياة سيده .. ومصادرة البيت .. ولم يجد أمامه سوى مرافقة قطيع من الكلاب الهاربة هي الأخرى :
” كنا نمضي بلا هدف .. شيئا فشيئا بدأت أشعر بأن الكلاب الأخرى قد بدأت تعتاد على تنفس الهواء الطلق .. مع تقدم الوقت صرنا نفتقد لأثر واحد منها بعد أن تركنا وراح يتسلل لبيت او مزرعة ..أو يقرر فجأة بأن مصيره يقوده حتى وجهة معاكسة تماما ً لوجهة تقدمنا فيتسلل مغادرا ً دون نباح … ” .
كان –ليدر – يعرف أنه من سلالة نادرة ..لذا فهو الأكثر خوفا ً من اكتشاف هويته .. وهنا يمرر الروائي – عبد الهادي السعدون – استعارة ترميزية جعلها تتخفى وراء – سلالة ليدر – النادرة .. ليعبر بها نحو مصائر أولئك – الذين ولدوا بعيون مفتحة – .. إنهم النخبة الفاضلة في البنية المجتمعية .. والتي تشكل خطرا على السلطة .. كونها ترى ما لايراه الآخر الذي ولد بعيون مغلقة .. ورغم كل ما احاط به الكاتب نصه من التخفي .. وتحييد الكائن البشري بعيدا ً.. إلا أن هذا كله لم يمنحه الحصانة التي تبعد عنه شبح الأبادة .. لأنها شرط أساس يمنح – الدكتاتور – المتسلط فرصة الخلاص من – أصحاب العيون المفتوحة – المتمثلة في شريحة – المثقفين – من أجل أن تمتلئ المدن بحشود الرعاع الذين يصلحون كأدوات تنفيذية مخلصة بيد – السلطة – .
إن رواية – مذكرات كلب عراقي – هي رواية تجسيد محنة المثقف .. ومحاولة مسخه كما هو الحال في – مسخ كافكا – الذي يرتدي جسد – صرصار – .. ومشاعر وأحاسيس كائن بشري استثنائي سجين في شرنقة – صرصار – مشوه .
ولكي يزاوج الكاتب بين موروثه الأول .. وحاضنته الجديدة بكل منجزها الحداثوي ..فقد لجأ إلى إضفاء لمسات شاعرية منحت اسلوبيته السردية شفافية قريبة من ذائقة المتلقي .. وفي الوقت ذاته عمقت الفعل المتحرك ليكون قابلا للتأويل ..ومبتعدا ً عن المباشرة والأنكشاف الظاهر .
كما أفاد الكاتب من الموروث البنائي من خلال تقطيع النص إلى كتل مستقلة بعناوينها ..وكأن كل كتلة مستقلة بذاتها ..وتتحرك وفق منطقتها الخاصة .. ولكن هذا لا يعني أن الكاتب قد أضعف من بناء النص وتقنياته الملزمة .. بل أبقى ..وببراعة الروائي المتمرس على تلك العلائق التي تشد ثيمات النص بعضها إلى الآخر .. وصولا الى نقطة النهاية .. النهاية التي تشكل عودة إلى نقطة البدء .. حيث تحول البلد البعيد إلى أكثر مناطق الحنين قربا من القلب .. وذلك الأرث الثقيل الذي حمله – ليدر – معه ..والمتمثل في – مذكرات سيده – التي لا يريد لها أن تختفي عندما يعانق اغفاءته الأخيرة ..ويركن إلى راحته الأبدية بعد رحلته – الأوديسية – التي لم تنتظره عند نهايتها – بنلوب- المخلصة لتزيح عنه أشنات سفره الطويل .. بنلوب ليدر – اغفاءة أبدية تقترب ..فاتحة الطريق أمام نص روائي ينهض بتدوينه المتلقي ذاته ..وليس كاتب الرواية الذي أنهى دوره ببسالة لا تخلو من ندوب غير قابلة للشفاء .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"