تابعنا على فيسبوك وتويتر

من المؤسف أن سيرا عراقية وعربية كبرى مثل هذه تمرّ دون أن تحظى بالاهتمام الكافي بها إعلاميا ونقديا . لقد اهتم الإعلام الغربي بدور ” لورنس ” بصورة واسعة حتى صنعوا منه أسطورة هائلة ، في حين أن حياة الكثيرين من ضباط الثورة العربية من العراقيين – ومنهم السيّد ” عبد الجبار الروي ” – توازي حياة لورنس وتكاد تفوقها . حياة ملحمية زاخرة بالمخاطر الجسيمة والتضحيات وروح الفروسية والمعارك القومية والوطنية الهائلة التي تغطّي كتبا وأفلاما ومسلسلات . لقد قدم لهذه المذكرات ( 217 صفحة ) الأستاذ العلّامة ( محمد بهجت الأثري ) الذي وصفها بقوله : ( وواقع هذا السفر ، الذي بين أيدينا نقرؤه ، قد يجعله الفذّ أو الأول من مدونّات التاريخ المعاصر في بآبته وموضوعه ، وفي جملة متطلبات التاريخ المثبت الممحص ، التي تحدّث في النفس الوثوق به ، والاطمئنان إليه ، والاعتماد عليه …. وهو في إيماءاته هذه إلى مضامين سفره ، قد بالغ بتواضعه ، تمشيا مع فطرته الطبيعية السمحة ، فلم يخلع عليه من النعوت أكثر مما فيه ، واختصر واقتضب ، يل تسامح كثيرا فذهب يقول : إن ( كتابه ليس سيرة شخصية ، أو تاريخا للأيام التي عاصرتها ، وإنما هو سرد للأحداث .. ) ، وهنا مكمن تواضعه ، فما كتابه كما توهم عبارته بالسرد الإنشائي ، ولكنه ذخيرة ضخمة من مادة تاريخية وافرة وخصبة ، تولّدت عنده من المعاناة في ثلاثة عهود من عهود العصر الحديث ، تداولت الحكم والسياسة والإدارة في العراق . وقُدر له منذ نشأته الأولى أن ينغمس في جوانب منها ، ويشغل أنواعا من الوظائف العسكرية والإدارية والمدنية ، متدرجا في رتبها ، رتبة بعد رتبة ، ثم يقتحم بأخرة ميدان السياسة العامة في مضطربها الواسع ، وتستوي له من جملة أطوار حياته من التجارب هذه الذخيرة يودعها سفره في أصفى صورة ، وأصدق أداء ) . ولكن ما يقوله العلامة الأثري يكشف جانبا من أهمية هذه المذكرات وليس الأهمية كلها ، لان قيمتها الكبرى تتمثل في جوانب أخرى هامة منها : أنها تكشف الكيفية التي بني فيها العراق الحديث من خلال شهادة رجل عاش لهيب الأحداث وتسنم مناصب كثيرة جدا ، كما أنها تُلقي الضوء على متغيرات في الحياة العربية سياسة واجتماعا أحاطت بها شكوك وتناقضات مربكة . أضف إلى ذلك أنها وثيقة اجتماعية وأنثروبولوجية لا تقل قيمة عن كتب احتفينا بها طويلا كتبها باحثون ورحالة أجانب مثل ثيسيفر في كتابه عن الأهوار . لقد عاش الراوي وقائع ثلاثة عهود كان فاعلا في كل منها وشاهدا حيا على أحداثه وصراعاته  : ففي العهد الأول الذي كان فيه العراق تابعا للدولة  العثمانية كان الراوي من ضباط الجيش الذي كان يحاصر القوات البريطانية بقيادة الجنرال ( تاوزند ) في الكوت ، ويصد في الوقت نفسه هجمات القوات البريطانية الأخرى التي تحاول فك الحصار . ويعرض هزيمة تاوزند ثم اندحار القوات العثمانية ودخول الجنرال مود بغداد ويصف حالة بغداد آنذاك ومعاملة البريطانيين للضباط والجنود الذين تخلفوا عن الجيش العثماني المنسحب . أما في العهد الثاني الذي خضع فيه العراق للاحتلال البريطاني فقد تطوع كضابط في الثورة العربية وانتقل بحرا عام 1917 للالتحاق بجيش الثورة الشمالي ووصف أوضاع جيش الثورة منذ انضمامه إليه حتى دخوله دمشق ، وتتويج الأمير فيصل ملكا عليها ثم إسقاط الجنرال ” غورو ” هذه الحكومة وتشتت العاملين فيها وعودته الخطيرة عبر الصحراء . وفي العهد الثالث ؛ العهد الوطني وإنشاء الحكومة العراقية فقد وصف الوضع بعد ثورة العشرين وإعلان العفو العام ودعوة الضباط العائدين وهو منهم للتسجيل في وزارة الدفاع عام 1921 ، ثم سلسلة المناصب الطويلة التي تسنمها – وأغلبها هام عاش بفعلها خضم أحداث جسيمة منها : قيادة الهجانة الشمالية والخلافات العشائرية وولاءاتها وسلوكها ، قدوم عصبة الأمم إلى الموصل بعد مطالبة تركيا بها ، ثورة من سمّوا ” الإخوان ” النجديين أيام كان مديرا للبادية ، تمرّد عشائر الديوانية عام 1935 لما كان مديرا لشرطتها ، انقلاب بكر صدقي لما كان مديرا لشرطة بغداد ، تمرد الملا مصطفى البارزاني وعزيز ملو لما كان مديرا عاما للشرطة . وقد رصد تفصيليا التحولات الإدارية والاقتصادية في العراق من خلال ملاحظاته حول الزراعة والعلاقات الزراعية ، وقانون إدارة الألوية ونظام دعاوى العشائر والتدخل الحكومي في الانتخابات النيابية لما كان متصرفا للحلة ، وأوضاع السجون لما كان مديرا عاما للسجون ، وكيفية ترشيحه للمجلس النيابي وانتخابه نائبا عن لواء الدليم ، وأخيرا اختياره لعضوية مجلس الاتحاد العربي إلى قيام الثورة على الملكية في 14 تموز 1954 .  وعندما قلنا أنها وثيقة اجتماعية وانثروبولوجية فلأن الراوي يقدم وصفا تفصيليا لحالة كل مدينة كانت محطة في سفره الطويل ، فعلى سبيل المثال حين التحق بجيش الثورة العربية الشمالي فإنه يقدم وصفا لأحوال المدن من حيث عمرانها وأهميتها الاقتصادية والجغرافية وطبيعة سكانها وعاداتهم وتقاليدهم وأحوالهم المعيشية ، مثل بومبي وكراجي وبور توفيق والسويس والعقبة ومعان والقطرانة وعمّان ودرعا ودمشق وتدمر والسخنة ودير الزور ثم راوة . وقد قدم مثل هذا الوصف عن المدن العراقية التي تولى مناصبا فيها مضيفا إليها وصف أحوالها الديموغرافية وحالتها الإقتصادية وطرقها المهمة وأنهارها وعشائرها الرئيسية ومشكلاتها والحوادث المهمة التي وقعت فيها وسلوك الضباط البريطانيين وصداماته بهم لأنه كان يرفض تدخلاتهم . ومن المدن التي وصفها الموصل ولواء الدليم ولواء وديالى (خانقين وبلدروز والنفط خانة ومندلي ) والديوانية والبادية ( التي وضع كتابا مستقلا عنها طبع ثلاث طبعات ) والحلة وكربلاء . ومن المفارقات التي تثير الألم في النفس أن نجد المدن العراقية قي الثلاثينات من القرن الماضي أكثر ثراء منها الآن ، ففي إحصاء عام 1927 كان في ديالى ( 800000 ) شجرة نخيل و ( 82474) شجرة مشمش و ( 68775) إجاص و ( 60000) برتقال ، أما الماشية فالغنم (275032) والماعز ( 87643) والإبل (9461) والجاموس (2298) ، عدا ما يُهرّب ويُقدّر بالضعف . وفي شأن السلوك السياسي سوف تكتشف الكيفية التي يمزق بها السياسيون الإنتهازيون نسيج الشعب من خلال اللعب على المسألة العشائرية . يقول الراوي : ( مذكراتي التي دونتها قبل أربعين عاما ، وأستعرضها اليوم مملوءة بالشكوى والألم ، حتى أنني كنت أجهر بأنه يجب محاسبة السياسيين في بغداد ومعاقبتهم قبل معاقبة هؤلاء الذين تمردوا بإغواء منهم ، لأنها فتنة ليس من المصلحة إثارتها ، إذ هي تشبه اللعب بالنار التي قد تحرق صاحبها قبل غيره . إن مجيء وزارة تمثل كتلة عشائرية معناه إثارة الفتنة التي قد تؤدي إلى محنة في البلاد ، وهي حديثة عهد بحكم نفسها يجهل عامة الناس ألاعيب السياسة ومسالكها التي يحرص المتمرسون والمحترفون فيها على استغلال بساطة الناس وعواطفهم ، ولاسيما أبناء العشائر ) . وفي مسيرة الثمانين عاما سيدهشك السلوك المبدئي ؛ السياسي الذي لا يعلي غير مصلحة العراق والإداري الذي لا سلطة فيه إلا للقانون ، وهذا الأمر أدخل الراوي في مشكلات وصدامات كبيرة ذكرها تفصيليا . وفوق هذا كلّه فإن المسيرة الثمانينية بأكملها تترفع عن أي سلوك ميكافيلي يقوم على أساس أن الغاية تبرّر الواسطة . وهناك عشرات الأمثلة خذ منها ما يتعلق مثلا بسلوك الملك غازي . يقول الراوي أيام كان مديرا لشرطة بغداد :( عدّت وزارة ياسين الهاشمي بعض سلوك الملك غازي وتصرفاته الشخصية لا تليق بملك . وابتداء من 14 حزيران 1936 أقدمت الوزارة على أعمال للحد من تصرفات الملك . فأحدثت مخفرا للشرطة بجوار قصر الملح الذي اتخذه الملك قصرا ثانيا له يقضي فيه أكثر أوقاته . ولم تكتف الوزارة بذلك ، فأرادت أن تبعد عنه سائق سيارته إبراهيم ، إلا أنها اتبعت طريقة غير مألوفة ، فبدلا من أن تتبع الإجراءات القانونية ، طلبت من مدير الشرطة العام أن يهىء أشخاصا يتشاجرون معه في إحدى الليالي ، لاتخاذ ذلك ذريعة لتوقيفه وإبعاده عن الملك . ولما جرت محادثتي بذلك استنكرته قائلا : إنه من العار على الحكومة أن ترتكب مثل هذا التزوير الشائن ، ولكن في الإمكان القبض على السائق وزجه في السجن حين يكون في حالة سكر . وأصررت على مخالفتي هذه الأعمال وأمثالها ، وامتناعي عن المشاركة فيها ، لا لأن ذلك ضد الملك فحسب ، بل لأنه عمل مخالف للحقيقة والعدالة ، ولاعتقادي أن كل حكومة تزوّر الحقائق ، مهما كانت الغاية من ذلك العمل ، تمهد لنفسها الزوال ، فلما رأى مدير الشرطة العام إصراري على موقفي ، تجاوزني ، واتفق مع أحد المعاونين على غير علم مني ، ودبر للسائق ما أسلفت ذكره من الخطة لتوقيفه ) .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

تعليق واحد لـ “مذكرات ” عبد الجبار الراوي ” : شهادة رجل من بناة العراق الحديث”

  1. الدكتور قتيبه كافي جاسم الراوي يقول :

    لي الشرف ان وصلتني نسخة من كتاب المرحوم عبد الجبار الروي في وقتها وقد طبعت بأيعاز من ابنه سنان بعد سنوات من وفاة والده , حتى قرأتها بشغف كبير وقد انسجمت مع ما كتبه عن تأريخ مدينة راوه وعن سيرته المشرقة كانسان وطني شريف , وهو يعتبر أحد اقرباء المرحوم والدي , رحم الله هذا الرجل البطل الذي شرفنا بسيرته وشرف مدينة راوه .

    استاذ المناعة الطبية :قتيبه الراوي

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"