تابعنا على فيسبوك وتويتر

كريم الثوري: ((حوار مع ديك استرالي))

مادمت قد خربت حياتك في هذا الركن الصغير من العالم
فهي خراب اينما حللت – كافافيس –

إشارة : في مقالتين / حواريتين مع ديك ومع قطة يفتتح الكاتب ” كريم البغدادي ” جنسا جديدا في الكتابة الساخرة السوداء والتي تختلف عن كتابات الكتاب الآخرين المعروفين في هذا المجال ، بأنها تمرّر مواقف فلسفية ورؤى فكرية وتحليلات نفسية محكمة رغم أن كريم غير متخصص في التحليل النفسي . وليس عبثا أن معلم فيينا كان يقول : الأدباء هم أساتذتي .

krem_althwreبعدما انتهينا من طرد القطة سادت الرتابة والسكون بيتنا الصغير فثمة حركة مُباغتة كانت تسترعي انتباهنا وتستدرجنا لخلق معادلات تنتمي الى عالم البراءة والبدائية‘ لم يكن سهلا علينا التخلي  عن طيف القطة سمنون بحركاتها الذكية ومتابعاتنا المتعلقة بمحاكاتها لنا مستغلة طبيعتها لبعث البهجة في نفوسنا لذلك كان ابني سلام ذو العشر سنوات بحاجة الى صديق يقيم في بيتنا تحديدا ينتمي الى فصيلة الحيوانات.
لم نستطع تفهم ميله الطفولي الى عالم الحيوان لا انا ولا امه ولم نجد بُدا في تلبية رغبته بطريقة ما ازاء اصراره المكابر لذلك عقدت العائلة المكونة من خمسة افراد اجتماعا وتوصلنا الى قرار شراء ثلاث دجاجات بياضات وديك مَهيب ففصيلة هذه المدجنات قريبة لحد ما من طبائع العوائل العراقية لكون الدجاج يَبيض  ويتكاثر  علاوة على انه ياكل كل شيء بما فيه اصناف الديدان والحشائش……
في اليوم التالي  تحقق ما اتفقنا عليه وقمنا ببناء قفص متواضع بامكانيات البيت المتوفرة وقد اعلمت اطفالي وهم فرحين أن لا داعي بعد اليوم لساعة توقيت اذان الفجر فالديك سوف يهم بالتبشير الروتيني بميلاد الصبح متخطيا منقاره الاحمر……
فرح الاولاد بهذه البشارة فالبطاريات الصينية الصنع كانت تباغتنا بين الحين والاخر لاستبدالها فهي سريعة العطب و الاستهلاك .
نمنا على يقين ان يَفي الديك بوعده التاريخي بايقاظنا فجر اليوم التالي لذلك اهملنا ضبط موَقت الساعة عند الخامسة فجرا لكنها كانت المُفاجأة إذ لم يَف بوعد عهدناه  في اعرافنا ففاتتنا صلاة الفجر  تاملني سلام بنظرة خَبَرت مضمونها وكأنني لم اصدَقَهُ القول فبعثتُ الطمانينة الى قلبه كون الديك يجب ان يتالف مع المكان ليوم او يومين ليستقر نفسيا ويتعاشق مع المكان وفعلا في اليوم الثالث اطربنا بقيامة صلاة الفجر عند سطوع تباشير شعاع الفجر الصادق فقمت على فوري اوقظ  اهل بيتي وانا في غاية السرور فقد اوفى الديك بعهده وهكذا سادت الفرحة تمام البيت لولا عَارض  غير مألوفٍ لدينا احالها الى مُنغص لنا ولجيراننا الذين قدموا شكاوى ضدنا كون الديك قد تمادى كثيرا فهو لم يكتف ب- عيعوا- واحدة وانما صار كلما يباغته الهيام يكررها المرة تلو الاخرى.
اختليت به ذات صباح بعدما انصرف اهل بيتي خارج البيت ودار بيني وبينه الحوار التالي:
–    هل انت ديك حقا؟
أبتسم َساخراً ثم قال :
–    وهل تراني غير ذلك ما هذه الاهانة المقصودة في هذا الصباح الجميل؟
–    لا عفوا ارجو ان لا تُسيءالظن بي فما زلت ضيفا كريما بيننا  ولكني اراك مختلفا عما الفناه عن الديوك؟
–    الديوك هي الديوك في مشارق الارض ومغاربها ما الغريب فيَ؟
–    الديوك في العراق مختلفة تماما اسمح لي…؟
–    كيف هل لها قرون مثلا او اذان كالبشر؟
–    لا طبعا ذهبت بعيدا اقصد الطباع….؟
–    وما الغريب في طبعي؟
–    الم تلاحظ انك لا تكتفي بصيحة واحدة عند الفجر بل رحت تطلقها كما يحلو لك حتى صارت نشازا في غير مواقيتها؟
–    وما الغريب في ذلك افعل ما يحلو لي الا ترى انك تتدخل في سلوكيات غيرك؟
–    لا تنس انك مملوك لي ومن حقي محاسبتك اذا تجاوزت لدرجة احقية ذبحك واكل لحمك؟
–    هذا ما تقدرون عليه جنس ادم الذبح والقتل ؟
–    نعم فانت الان شرعا ملك يميني……
–    ارجوك سيدي لا تنس نفسك فانا انتمي لصنف الذكور عيب هذا الكلام يمكنك ان تخاطب الدجاج بذلك
–    مازلت لم تفهم قصدي بعد؟
–    وما هو قصدك او مقصودك؟
–    اليس الديوك مُذ عهدناها لها بشارة واحدة عند الفجر ؟
–    هل لي بطرح سوال عليك؟
–    تفضل فانا اريد أن اسمع ….
–    هل سالت نفسك يوما فيما اذا تغيرات كثيرة قد طرأت على منظومتك السلوكية والخلقية باختلاف الاوطان والازمنة؟
–    بالتاكيد  ولكني اختلف عن فصائل الحيوانات فقد حَباني الله با لعقل ومجاراة المحسوسات والتاقلم معها وفق ما تقتضيه المصالح الحاجات؟
–    ونحن مُحَرمٌ علينا؟
–    بالتاكيد فالغريزة هي ديدنكم فانتم بلا عقول …..
–    هل لي بطرح سوال آخر؟
–    تفضل فكلي اذان صاغية….
–    ما مدى تأثرنا بسلوكياتكم كحيوانات؟
–    وكيف لي ان اعرف فهذا السوال يعنيك اكثر مني؟
–    ساجيبك عن ذلك بسوال محاذ ؟
–    تفضل….
–    لِمَ الحيوانات في العراق مرعوبة ومستنفرة لدرجة لا يمكن تصورها بما فيها الديوك؟
–    ارى إننا ابتعدنا عن صلب موضوعنا كثيرا؟
–    ساجيبك لترتاح وتريحني من فجاجة اسئلتك….
–    ارجوك لا تتطاول والا…..
–    حسنا الديوك عندكم مقننة وتتبع  بالفطرة مناهجكم واصولياتكم  الآمر هنا مختلف تماماً
–    لم افهم ما تعني؟
–    اكتسبنا حريتنا من محيطنا الاجتماعي بما في ذلك ونحن نساق للمذابح فذلك قدرنا…
–    الغازك ياهذا لا تعجبني تكلم عربي؟
–    لاتنس انا لا اجيد التكلم باي لغة لكنه البوح….
–    طيب وكيف لي ان استفهم منك؟
–    تعلم…………
–    ماذا اتعلم ؟
–    لغة الحيوانات….
–    كيف؟
–    انظر في الاشارات والسيماءات واستنطقها ستصل حتما لمقصودك…
–    كيف لي ان استنطقها اتراني لا شغل لي؟
–    ماذا تريد مني فالبي رغبتك كفانا ثرثرة لا طائل يُرجى منها؟
–    كلام جميل انما ابتعتك لامرين مزاوجة الدجاجات ولايقاظنا عند صلاة الفجر
–    اما المزاوجة فهي جنسي ولونها شكلي واما ايقاظكم والفجر فلا افهم ما تعني؟
–    الم تسمع بالصلاة وإياقاظ الناس فجراً؟
–    لا ورب الحيوانات……
–    بالمناسبة يقولون انكم حينما تشربون الماء ترفعون رؤوسكم للسماء شكرا للرب
–     ربي زدني علما وصبراً وهل يحتاج الاله لدلالة رفع الرؤوس او ثنيها ليعلم اننا نشكره….هذه فهمناها وما الصلاة إنما لاستعلم لاعرف كيف أُجيبك؟
–    الركوع والسجود لله  جل وعلا فاطر السموات والأرض وباعث الحياة وخالق الانس والجن
–    وما دخلي بهذا …كلٌ يتعبد على شاكلته لم تقحموني فيما ليس لي بهِ دخل الم تقل لي بانكم بلا عقول؟
–    صحيح كلامك ولكن المعروف عن الديوك في بلادنا انها تؤذن حين الفجر مع  اطلالة تباشير الفجر الصادق
–    هل انت واثق من كلامك؟
–    كل الثقة طبعا لقد تربينا على ذلك منذ نعومة اظافرنا
–    تربيتم؟
–    نعم اقصد تعلمنا او هكذا وجدنا انفسنا…..
–    تعلمتم؟
–    اخي هكذا هو ديدننا ولا تزيد حرفا واحدا ها انا احذرك….
–    لكنك في بلد اخر يسمى استراليا  له قوانينه واعرافه واصوله المختلفة عنكم
–    ماذا تعني بلد آخر وهل الإله هنا غيره في العراق؟
–    اعني المخلوقات غير المخلوقات من جهة الطبائع المُكتسبة
–    أنت كافر ويجب اقامة الحد عليك
–    ماذا تعني كافر وما هو الحد استشعر لغة التحذير؟
–    لقد  ضيّقت افقي ياهذا اترك الصلاة وأذان الفجر فالديوك عندنا مُتفقهة اكثر منكم وحريصة على اعرافنا وتقاليدنا ومجبولة بمهمة التبشر وقت الفجر….
–    انا اغرد كلما داهمني الهيام هكذا تعلمت من  سلالة اجدادي الديوك
–    أتعصي امري؟
–    بل القنك دروسا لانك ناقل لعدوى الوطن لم يبارح خلدك انك في استراليا وليس في العراق  حتى في طريقة استجوابك لي هل لي ان اسالك سوالا محدداً؟
–    اسال اقترب اجلك؟
–    لماذا تقيم في استراليا إن كنت تعاني الامرين؟
–    أنا حر ثم من انت لتحاسبني اجبني سريعا فاما ان تلتزم بطريقتنا والا فقد ضاق خلقي بك؟
–    لا ورب الارباب لم ولن افعل شيئا مفروضا علي دخيلاً على سلالة ابائي واجدادي…
–    تعارضني اذن وتعصي اوامري
–    …………
–    انتظرني لحظة سارجع حالا………
–    ذهبت الى المطبخ واحضرت سكينا حادا  مخصصا للذبح فامسكت به فيما كان يحاول الهرب ترجاني فلم اصغ له طويت جناحيه تحت قدمي اليسرى ورجليه تحت قدمي اليمنى وبيدي اليسرى امسكت عنقه ومررت سكيني حتى تنافر الدم وتطاول فبلل دشداشتي البيضاء ثم عرجت على رجليه فحززتهما بالقرب من المنتصف وتركته يتطوح وانا انظر اليه بتشف . سخنت ماءً لدرجة الغليان والقيته فيه وهو يرفس انفاسه الاخيرة وبينما كنت انتف ريشه تذكرت باني لم اذبحه على طريقة قبلة المسلمين؟!
اصابني هوس ليس غريبا فرحت اتلعثم بكلماتٍ كانت تتطافر من لساني دون وعي مني:
زنديق….فاجر….كافر….عاصي….ناكر الجميل………..
لم افكر يومها ماذا ساقول لزوجتي واطفالي حينما يعودون الى  البيت لذلك رحت على طريقة كل ذباحي الغفلة اتحرى عن طريقة لدفنه لكني خشيت من مصادفة حمقى تكشف سوء فعلتي لذلك سارعت لمداراة عطبي بعطب اخر حينما صببت عليه سائلا يستخدم لزيادة اتقاد الفحم حتى اغرقته فيه وبدقائق لم يتبق منه اثر غير دخان ابيض مسود تصاعد الى  السماء واختفى شيئا فشيئا وانا انظر اليه بتشف وسرور وافكر بحواره العقيم معي ترى من كان منا اصاب كبد الحقيقية والاكثر قربا في منظور السماء………..
أنا ام هو………؟

•    في اليوم التالي ضبطت موقت الساعة المنضدية عند الساعة الخامسة صباحا لكي اقوم للصلاة غيرانها لم ترن كعادتها بالرغم من ان البطارية يابانية الصنع ولم يمض على شرائها غير يومين اثنين فقط اما بخصوص عائلتي فقد كذبت عليهم كذبة بيضاء وصليت سجدتين لطلب الغفران من الله تعالى بنية سجدتي السهو؟!
•    في ركن حديقة البيت الخلفية وعلى بعد امتار من شتلات الورود شبت نبتة برية نصف قوامها السفلي على شاكلة ريشة ديك والنصف العلوي يشبه لحد بعيد كائنا خرافيا بهيئة قرد ارعب الورود المحاذية حتى اخذت بالذوبان شئيا فشيئا ولم يتبق منها غير ارضٍ شديدة الملوحة تهرب منها الفراشات صارت مرتعا لعنكبوت يبعث الرعب ويناغي مخيلة الاطفال في كوابيسهم يسمونه هنا  في استراليا السبايدر القاتل Red back spider؟؟
( انتهى…………….


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"