تابعنا على فيسبوك وتويتر

kasem alwan 1إشارة : رحل الأخ الحبيب الناقد والفنان “قاسم علوان” , رحيلا مبكرا (كان عمره 50 عاما) إثر نوبة قلبية مفاجئة      . لم يتح له القدر الغادر تحقيق أي شيء من أحلامه الواسعة الباذخة .. وطُويت صفحته بقسوة تعاون عليها الواقع الجائر ، ومحبّوه المتعبون . أرسل قاسم كتابه هذا قبل رحيله بأسبوعين .. وطلب عدم نشره في الموقع إلا بعد صدوره . وتطاول الزمن ولم يصدر . لهذا سوف ننشره كحلقات وفاءً لذكراه . ونتمنى على السادة القراء أن يتأملوا أي قدرة نقدية وثقافة موسوعية يتوفر عليها الراحل . ألا يستحق هذا الكتاب النشر والتدريس؟

النص :

تزدحم رواية فلاديمير ناباكوف المعروفة (لوليتا)(7) بإحالات كثيرة إلى المنظومة الإشارية للسينما، حتى من خلال قراءتها الأولى، وربما ذلك الإيحاء لدى القريبين أو المطلعين على الحقل المعرفي الثقافي لهذا الفن، وفعلا قد تولد لدينا ذلك الانطباع قبل أن نشاهد الفلم السينمائي المعد عن تلك الرواية، لدرجة انه بدا لنا بأن كاتب الرواية يعمل في حقل العمل السينمائي، ويمتلك إلماما كبيرا بمفرداته وآلياته..! إلماما يبدو أحيانا وكأنه إلمام المحترفين وهذا ما نجهله عنه، إذ ترد تلك الإحالات

نابوكوف

نابوكوف

وكأنها تأثر مباشر بالأساليب السينمائية أو بأدواتها التعبيرية في التصوير والمونتاج، وما إلى ذلك من المفردات المعروفة في اللغة السينمائية، وهي تأتي أحيانا على شكل إحالات أو تذكير بمرجعيات أو بثقافة سينمائية واسعة، مثلا يرد هذا الوصف على لسان الراوي حين ينظر الى زوجته على الشكل التالي (ألتفتت بوجهها الدياتريشي..) هكذا دون أن يفسر هذه الإحالة أو مصدرها أو حتى معنى الكلمة، ويتكرر ذلك مرات عديدة، كل هذا بجانب شكل آخر من التأثر التقني الواضح.. إذ احتوت الرواية على مشهد رئيسي وكأنه مشهد كتب أصلا كمشهد من سيناريو مستقل للسينما، وهو المشهد الذي تخرج فيه السيدة شارلوت هاز (أم لوليتا) زوجة الراوي فيما بعد وهي غاضبة من الدار لكي ترمي الرسائل في صندوق البريد القريب من منزلها عبر الشارع بعد شجارها معه، أو بعد ان كشفت ما كتبه في دفتر مذكراته.. الذي يفصح فيه عن عواطفه تجاه (لو…) ابنتها الوحيدة من زوجها المتوفى…. فتدهسها فجأة سيارة سريعة عابرة حينذاك، فأن هذا المشهد مثلا جاء في الرواية وفي تسلسل سببي كأنه جزء من سيناريو محكم البناء قبل أن يكون مشهدا في رواية عاطفية.
وعلى مستوى الرواية نفسها فقد جاء مقتل السيدة هاز بهذا الشكل الدراماتيكي وكأنه تحول مفاجئ وفريد في تسلسل السرد، لدرجة يبدو فيها الراوي السيد همبرت، هو الذي رتب ذلك المشهد أو الموت المفاجئ للسيدة هاز. إذ تخلو الرواية تماما من مشهد آخر يماثله في مثل هذه الحدة في الانتقال أو القطع المفاجئ الى حد يتمناه البطل من كل أعماقه. هذا حتى إذا ما جردنا حادث هروب أو اختطاف لوليتا من همبرت فيما بعد، من التمهيد الذي كان الراوي يهيء له أو يتوقعه، وهذا من طبيعة السرد الروائي الذي جاء على لسانه أي همبرت الذي كان يتوقعه ويمهد له كثيرا، فلم يرق هذا الحدث الى مستوى الحدث الأول الا وهو موت السيدة شارلوت هاز…
لقد قدمت الرواية شكلا سرديا غير مغر إلى السينما، أو هو أبعد ما يكون عنها، إلا وهو توالي سرد الأحداث، أو الاعترافات على لسان بطل الرواية نفسها من البداية حتى النهاية، إذ أن هذا الشكل قلما استخدمته السينما أو اتكأت عليه، فعندما تروى الأحداث في السينما على شكل مشاهد استرجاع (فلاش باك) فأنها تضعف التسلسل الدرامي الذي تحتاجه الدراما في نموها وتطورها بشكل عام سواء على المسرح أو في السينما، إذ أن التذكر يقع خارج سياق التصاعد الدرامي المفترض للأحداث ومسبباتها، وإذا حدث ووقعت مشاهد الاسترجاع تلك ضمن ذلك السياق فأنها ستكون الحلقة الأضعف في ذلك التصاعد، أو أنها تكسر حدة ذلك النمو المفترض، فالتذكر هو حالة استرخاء.. أو على أنها لا أكثر من إشارات أو معلومات أضافية عن أحداث وقعت في الماضي، وخاصة عندما تتقاطع تلك المشاهد (الاسترجاع) بأحداث آنية أخرى، لذا تخلص كاتب سيناريو الفلم ومخرجه أدريان لين من تلك المشكلة.. بأن جاء الشريط كله كإطار سردي استرجاعي استهله مع المشهد الأول وكلمات الراوي/البطل بصوت من خارج الكادر بالكلمات نفسها التي تبدأ بها الرواية كما هو في النص الأدبي.. عن دلالة أسم لوليتا بالنسبة له (أي الراوي) ثم ليخاطب في الصفحة نفسها من الرواية (سيداتي وسادتي القضاة) وهذه مسالة في غاية الأهمية، فالقضاة الذين لم نرهم على شريط الفلم، لم يتمتعوا بأي شكل من الوجود السينمائي وحتى الروائي في النص الأدبي، وهذا ما سنتعرف عليه فيما بعد من خلال السرد وتكرار تلك الكلمات في بعض الأحيان (سيداتي سادتي) كل هذا مع لقطات عامة لسيارة (فورد بوكس) التي سنتعرف عليها فيما بعد في الرواية، فهي سيارة (مدام هاز) بعد أن قتلت في حادث الدهس المفاجئ الذي أشرنا إليه، وهي تسير بشكل مترنح على طريق ريفي متعرج، ومن ثم للبطل/الراوي بلقطات كبيرة وهو يقود تلك السيارة، حينها كان يبدو بحالة منهكة مزرية، ثيابه ملوثة بالدم، شارد الذهن وبجانبه مسدس مرمي على المقعد الجانبي يتأرجح مثله بلا أي اهتمام، يتأرجح مع السيارة وترنحها على ذلك الطريق، والتي يقودها كما يبدو وهو يائس وبلامبالاة واضحة، مع توالي اعترافه بصوته الخارجي (أي من خارج الكادر) من النص الروائي.
kh nabokof لم يكشف الكاتب أبدا عن تقنيته هذه بوضوح أو بمباشرة فجة.. (أي مشهد الاعتراف أمام المحكمة وهيئة المحلفين غير المرئية.. أو غير الموجودة أصلا بالنسبة للمتلقي حيث يتلو المتهم/الراوي اعترافه أمامهم…! وهو الشكل السردي الذي اتخذته الرواية) إلا بشكل ملتو.. ملتبس غير مباشر، إذ إننا لم نسمع أي صوت غير صوت الراوي وذكرياته وهو يبرر لجريمة القتل التي سيرتكبها في خاتمة الرواية…!! وهذا على شكل مونولوج طويل أمتد من بداية الرواية الى نهايتها، فابتدأ مخرج الفيلم من ما بعد ذلك بالضبط.. أي من نهاية ذلك المشهد الختامي أو نهاية الرواية… أي هروب البطل/الراوي المفترض بعد مشهد القتل أو الإعدام الذي نفذه بغريمه شقيق طبيب الأسنان.. الذي اختطف لوليتا…! الرواية كذلك لم تكشف كل حبائلها مرة واحدة، أو توضح بشكل جلي تلك الإشارات المتفرقة التي وردت من خلال سرد تلك الاعترافات، إلا في الصفحات الأخيرة من الرواية وبالتحديد نهاية فصلها الأخير.
أما المشهد الثاني في الفيلم الذي جاء في نص الرواية، وهو أيضا جزء من ذلك الاعتراف، وهو ما يرويه الراوي همبرت همبرت عن ذكريات مراهقته الأولى وبصوت من خارج الكادر أيضا، مع تجسيد سريع مقتضب لتلك الحوادث على الشاشة عن قصة غرامه الأول مثلا، الغرام الذي ترك أثرا حسيّا ونفسيا كبيرا في حياته فيما بعد كما يرويها البطل في الرواية وليس الفلم. وهو يسهب في تقديم ذلك التمهيد في الرواية كمبرر لسلوكه (المشين..) فيما بعد، أي التعلق بالفتيات الصغيرات، وكما قلنا كنا نقرأ في الرواية أو نسمع ذلك الاعتراف في الفلم السينمائي فقد كان بلغة أدبية منمقة معتنى بها، هي أبعد ما تكون اعترافا شفويا أو كلاما عفو الخاطر أمام هيئة المحلفين غير الموجودة في المحكمة، أو إجابات عن أسئلة القضاة أو الادعاء العام، إذ يرد في الرواية وفي خضم ذلك الاعتراف الطويل فيما بعد، أن الراوي طلب من هيئة المحكمة ورقا وقلما ليدون دفاعه أو اعترافاته…! هذه التي يتلوها علينا وعلى هيئة المحلفين منذ البداية سواء في الرواية أو في الفلم…!!! وذلك عبر جملة مقتضبة ترد خلال ذلك السيل من الاعترافات في منتصف الرواية، لكنه يشير الى ذلك بشكل واضح في الصفحات الأخيرة من الرواية..(8) ولكن هذا ما وقع ضمن ما تخلصت منه السينما عندما أعدت الرواية في كتابة السيناريو.. من دون أي أشارة لهذه الثيمة الأساسية التي أشتغل عليها كاتب الرواية ولكن تركتها السينما من دون أي تذكير…!
يبدأ المشهد الثالث سينمائيا.. المشهد الذي سيدخلنا في الثيمة الرئيسية للرواية أو الفلم، مع استمرار ذلك الصوت/الاعتراف لوصول همبرت بالقطار إلى رامسدال المدينة الصغيرة في ولاية نيوأنغلند، التي سيلتقي فيها فجأة بالجنية…! التي يحلم بها ويبحث عنها بشكل دائب طيلة حياته الا وهي.. لوليتا وابتداء من هذا المشهد سيقتصد المخرج تماما وبشكل ملحوظ في استخدام الصوت من خارج الكادر الذي يسرد أحداثا سابقة أو يعلق عليها كما جاء في المشاهد الأولى من هذا الشريط، ففي المشاهد التالية يهيمن استخدام الصوت من داخل الكادر.. أي الصوت الطبيعي والحوار بين الشخصيات، ولكنه يعود إلى تلك التقنية الصوتية لاحقا عندما يكون هناك حوار داخلي للبطل/الراوي أو في تعليق له على حدث ما من خارج الكادر، أو عندما يعود ليخاطب هيئة المحلفين والمحكمة أحيانا.
أما كيف تجسد الأعداد السينمائي للرواية في مواجهة تلك المعضلة (التذكر أو الفلاش باك في السينما) فقد تمثل بأن بدأ السرد السينمائي، أو سيناريو الفلم من نهاية الحكاية التي وردت في اعتراف المتهم/الراوي، أي بعد قتله لخاطف جنيته وحبيبته لوليتا.. وهروبه اليائس من العدالة سينمائيا.. أي كما جاء في الفلم والرواية.. وهكذا أختزل كاتب السيناريو/المخرج جزءا مهما من الرواية وتخلص منه على حسابها وعلى حساب شخصية الراوي/البطل نفسه، وهو السرد الذي يقدمه البطل لفصول طويلة من حياته عن مستهل شبابه وبداية أزمته النفسية أو الجنسية، وبحثه الدائب عن (الجنيات) وتأكيده على الأثر الذي تركه في نفسه غرامه الأول حيث ماتت حبيبته (الجنية الأولى في حياته) بمرض التيفوس..! ومن ثم بحثه الدائب عندما يتقدم به العمر عن ذلك الصنف من الفتيات.. أو كما يسميهن فيما بعد لوليتا (أي لوليتا كانت..!) في بيوت الدعارة وأماكن أخرى كان يطوفها في حياته العاطفية الممزقة، التي تعلقت بجذر جنسي مفقود منذ زمن الصبا البعيد (حبه الأول) ظل يعيش ويعاني من فقدانه طيلة حياته، تحول معه إلى ما يشبه العصاب المرضي أو ما يسميه التحليل النفسي رضّة عصبية… أي كل ما يعتقد أنه مبرر له لاقترافه الجريمة الأخيرة…!!
poster lolitaأما زواجه الأول الفاشل وما رافقه من سرد لتفاصيل ساخرة جدا عن بداية تعرفه لزوجته الأولى، ومن ثم خيانتها له مع عشيقها (سائق التاكسي) الذي هجرته من أجله..! وغير ذلك من الأحداث والصوّر التي من غير الممكن أن تستوعبها السينما على شريطها الصوري المحدود الاستيعاب أصلا، فقد تم التخلص منها أيضا. ولكن كل تلك التفاصيل الأخرى فيما يخص الجزء الذي يتعلق بلوليتا من بقية الرواية، أي فيما يخص علاقته بـ (لو..) وتعرفه إليها والى أسرتها فقد جاء كما هو تقريبا وكما قرأناه في الرواية تقريبا، كل التفاصيل التي كان يراها ويرويها الراوي، مهما كانت صغيرة وغير مهمة سواء كانت عن (لو..) أو فيما يحيط بها، نقلها المخرج بعناية فائقة، لا نقول بأمانة بل لأن الكاتب أصلا وكما أشرنا في البداية كان يراها ويصفها بعين سينمائية نافذة، ولم تكن قط أضافية أو زائدة. ولأن المخرج أيضا سعى الى أن ينقل لنا بدقة الجو العام للرواية الذي صنعه الكاتب في هذا الجزء من الرواية، وكذلك السمة الحسية والشحنة العاطفية (الجنسية) التي كانت تعتمل في ذات البطل/الراوي والتي تستيقظ أمام مثل هذا النوع من الفتيات/الجنيات كما يحلو له أن يطلق عليهن، كان من المستحيل أن نصل الى ذلك الجو ونشعر به من غير ذلك التمثيل الصوري، والتجسيد الحقيقي لما جاء في مفردات الرواية واستيعاب طاقتها الوصفية له، كل هذا باستثناء الكثير من التفاصيل التي تخص الرحلة الطويلة التي قطعها همبرت مع لوليتا بعد وفاة أمها، وما رافقها من وصف مسهب لكل صغيرة وكبيرة صادفتهما في طريق الهروب من رامسدال.. وعلاقته الجنسية غير الشرعية معها، وغيرته المفرطة عليها وإحساسه الغامض بأنه سيفقدها والذي يمهد له ويشير إليه كثيرا.
بذلك يكون المخرج قد أخفى بكل ذكاء مؤقتا خط الشروع الذي بدأ به سرده السينمائي (المشهد الأول) في تسلسل انسيابي للقص أو السرد الصوري، فها هو يعود إليه بكل سلاسة ومن دون أي مفاجئات درامية، في ابتكاره لمشهد الهروب الختامي في الرواية..! فبعد أن يقتل همبرت مستر كيلتي الكاتب المسرحي الذي خطف لوليتا في نهاية الرحلة تلك، يهرب هنا البطل في المشهد السينمائي الأول (ليس بمعنى الهروب من الشرطة.. بل الشعور بالخلاص من عبء ثقيل.. على حد تعبير الراوي..) في السيارة المترنحة، لتلقي الشرطة عليه القبض في ذلك الطريق الريفي، وبذلك ينتهي الفلم.
كل ذلك إذا أردنا أن ننظر إلى إشكالية علاقة تلك الرواية بالسينما. ولكن مما يسجل للرواية خاتمتها الرائعة والجميلة إلى حد لا ترقى إليها الكثير من النهايات في أنماط الدراما وفنون السرد الروائي، وبكل أشكاله، وهو مشهد القتل بعد أن يهيئ همبرت لائحة الاتهام (الشعرية..) تلك ليقرأها على (المجرم..) كيلتي قبل أن يبدأ بإطلاق النار عليه، وتعمد قتله تدريجيا أو ببطء، ومقاومة الأخير له في تلك الحوارات المذهلة المتبادلة بينهما، والتي قل نظيرها في الأدب المكتوب كله، فقد كان مشهدا أدبيا أو شعريا بحق، حيث كان يتظاهر مستر كيلتي وهو جريح ويتلقى رصاصات متتالية ولكن بشكل بطيء.. بأنه يستمع الى قصيدة شعرية جميلة، وليس الى لائحة اتهام تجريمه شخصيا.. وكان يدعو غريمه للكف عن هذا المزاح الثقيل.. فلم يكن يترجاه أو يتوسل إليه.. بل يأمره بأن يبعد هذا المسدس عنه…!! أو (كف عن هذا يا صديقي فهو مؤلم جدا..) كما يصف الراوي انفعالات الضحية وهو يتلقى الرصاص.. (كان وجهه يتشنج بتقطيبات دقيقة تهريجية كأنما يبالغ في إظهار ألمه..) أو (كلما كانت أحدى الرصاصات تخترق جسمه كان يرتعش ويصيح “آه” بلهجة نسائية..)(9) الى أن يقضى عليه تماما…!! من غير الممكن أن نقارن هذا المشهد بالمشهد التقليدي الذي اختتم به الفلم السينمائي الذي رأيناه، والذي جاء مماثلا لكل النهايات التقليدية التي شاهدناها ونشاهدها دائما في أغلب نتاجات السينما الأمريكية (الأكشن) أو النتاجات السينمائية الأخرى التي تقلدها (إلقاء القبض على المجرم من قبل الشرطة بعد ارتكابه الجريمة) صحيح أن الراوي في الصفحات الأخيرة يشير بشكل غير مباشر الى ذلك الهروب… ولكنه كما قلنا آنفا ليس هروبا اعتياديا كما نشاهد في بقية الأفلام.. فالراوي/البطل يعتبر نفسه عند تنفيذه القتل غير مذنب بالمرة.. فهو الآن (أي عند كتابته للرواية) نزيل مصحة عقلية…!!
والشيء الآخر الذي لم يكن بمقدرة السينما الوصول إليه من الرواية وتجسيده صوريا هو قابلية السخرية اللغوية الفاحشة الرهيبة التي يتمتع بها الكاتب.. السخرية من كل شيء حوله، حتى من أسمه أو ذاته التي نالت الجزء الأوسع من ذلك القذف، وقد كانت أحيانا سخرية مريرة الى حد الشتائم، ومقارنات أو مقاربات لغوية قاسية جدا قل نظيرها في الأدب المكتوب، تعكس ما كانت تجيش بها نفس البطل من ألم مرّ وحرمان مبكر كبيرين. هذه السخرية مرة من الآخرين مثل (ومنذ تلك اللحظة أصبح هذان الخنزيران في عداد خير أصدقائي..)(10) ومرة أخرى من الذات واهانتها والنيل منها مثل (فأن الشهواني فيّ وهو شيطان قذر جبار..)(11) وغيرها من تعابير مماثلة.. ربما تعكس دلالة غاية في الأهمية ليس لدى شخصية الراوي فقط بل لدى الكاتب أصلا الذي أراد طمس تلك السمة أو الهوية وتغييبها، الا وهو الشعور بالإثم والذنب إزاء تلك الرغبات المعلن عنها..! بالإضافة إلى شعوره بالغربة والاغتراب المادي عن ذلك المجتمع (المجتمع الأمريكي) في كونه طارئا عليه، رغم كل محاولاته من أظهار انسجامه مع ذلك المجتمع وتأكيد انتمائه إليه، إلا أن الرواية تتضمن إحالات كثيرة تعني الإيحاء بذلك بشكل غير مباشر، مثلا خوفه المريع من الاقتراب من رجال الشرطة، كما أن سمة الشعور بالذنب تبطنت الرواية من أولها إلى آخرها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      الهوامش
(1) السينما آلة وفن ترجمة صلاح عزالدين وفؤاد كامل، مكتبة الفنون الدرامية (18) منشورات مكتبة القاهرة ص321
(2) جورج لوكاش
(2) علم جمال السينما تأليف هنري آجيل ترجمة إبراهيم العريس ـ المكتبة السينمائية دار الطليعة بيروت ص29
(3) المصدر السابق ص 149
(4) السينما بين الوهم والحقيقة  تأليف بول وارن ترجمة علي الشوباشي  الهيئة العامة للكتاب 1972 ص 56
(5) قصة السينما في العالم من الفيلم الصامت إلى السينيراما تأليف آرثر نايت ترجمة سعد الدين توفيق ومراجعة صلاح أبو سيف (دار الكاتب العربي للطباعة والنشر) القاهرة 1967 ص 118
(6) المصدر السابق ص 117
(7) رواية (لوليتا) لفلاديمير ناباكوف منشوارات مكتبة النهضة بغداد ستة 1984 الطبعة الأولى.. بدون أن يحتوي الغلاف أية إشارة  الى اسم المترجم..
(8) ص 409 الرواية..
(9) ص 409 الرواية..
(10) ص157 الرواية..
(11) ص165 الرواية..


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"