تابعنا على فيسبوك وتويتر

saad salihi((مادمنا على قيد الحياة ، فهذا مجرد يومٍ سيءٍ … آخر))

حورية
كنت أحبو، وكان أول الأشياء صراخي ساعة رأيت وجه ابن عمتي (رياض) مبتسما وهو يهدهدني ثم يحملني إلى دار العروس (حورية).
أخذنـّي من يديه وأجلسنـّي في حضن أمي جنب تلك الحورية البيضاء ذات الشعر الأحمر والأسنان البارزة على الرغم من كل ذلك الجمال، ثم رحن يدقـّنّ على الطبلات الفخارية وقد اختلطت بياضات العرس بعباءاتهن السود الملقيات على أفخاذهن ورحت منبهرا ببياض زنودهن العاريات.

الكوة
للصيف مذاق النوم على السطوح فوق الفرش الباردة، استيقظت بنداء خفي وأزحت غطائي ثم زحفت نحو (السماية)، هي كوة بمساحة قدم واحدة تفصل بلوح زجاجي أرضية السطح عن فضاء المطبخ في الأسفل. كل شئ كان يغط في سكونه، جدي وجدتي تحت (الكٌـلـّة) البيضاء، أبن عمتي رياض في زاويته البعيدة، أمي السمينة وقد غطى سمتها جسد أبي على الجانب الآخر من السرير. تطلّعت إلى النجوم ونزلت إلى شبح القلّة الفخارية على الجدار الواطئ المحيط بالسطح، ثم فضاء المطبخ الساكن على ضياء مصباح كهربي خافت. أردت النزول .. ولا غير..!! قفزت على سطح الكوة، صرخت بعد أن اخترقت زجاجتها التي كـٌسرتْ ربلة ساقي وحـٌشرت ٌفي مساحة الكوة المانعة لانزلاقي نحو الأعماق، معلـّقا بين النجوم والعويل، وبين فضاء المطبخ الساكن على ضياء المصباح الهادئ في الأسفل. تساءل أبي بعد أيام:
– ترى هل كان هذا الطفل يبحث عن انتحار مبكر؟
لم يجبه ٌ رياض وراح يقبـِّلني كأنه الحب.

المقاومة الشعبية
قعدت على الأرض وأمسكت صورة الزعيم بما لا يسمح بانفلاتها أثناء طرقها بالمسامير ليثبتها رياض على العصا الخشبية المستوية، ألححت عليه بسرعة انجازها لأن أصوات الحشد باتت تقترب من أسماعنا. هل كنت سأنسى أول طيف في ذاكرتي لفتيات حشرن بالملابس العسكرية مع حشود من الفتيان؟! بعد لحظات كان رياض يرفعني على كتفه رافعا بيديّ الصغيرتين صورة الزعيم وقد اختلط الغبار من الأسفل بسمت الطاقيات التي تغطي الرؤوس. بعد عقود من تاريخ هذه الحادثة علمت أن رتل المقاومة الشعبية الذي مرّ أمام دارنا والذي اشتركنا فيه ببراءة الطفولة وحماس الفتوة أنا وابن عمتي رياض ماكان إلا أول بادرة تهديد صممت لأبي القومي المنفي إلى التخوم الجرداء المقابلة للحدود الإيرانية في هذه الناحية النائية …… بدرة.

الدكتور قسطنطين
من بقايا اليونانيين الذين غادروا الاتحاد السوفييتي هربا من بطش ستالين. طويل القامة، مفرط السمنة، مكتنز الوجه باحمرار شديد تغطي عينه اليمنى عدسة مونوكل تضفي على منظره ببدلته البيضاء شكل أوروبا بالكامل..! طالما كان هو وأبي يرتادان نادي الموظفين في بدرة ليحتسيا عرق المستكي. في تلك الأمسية بالذات كان جمع من المعلمين ومعهم مأمور المركز قد شاركوهما طاولتهما المعتادة. قال أبي متهكما وهو يربت على رأسي:
– لقد أصبح أبني اليوم شيوعيا فقد رفع صورة الزعيم..(جريو)..
وبعد أن دارت الخمر برأس الدكتور قسطنطين أصر على شرب نخب شفاء ربلة ساقي التي أخاطها ونخب شيوعيتي البكر، فراحوا جميعا يحتسون كؤوسهم على شرف هذه (الخردلة) الوطنية الجديدة، وبدافع ما كان مأمور المركز يقنعني بشرب قدح من البيرة خفية… … تفتت شمل الجالسين، وركضوا هاربين من نادي الموظفين بعد أن احتسيت قدح البيرة .. ذلك أنّي ارتقيت سطح الطاولة وهتفت بأعلى صوتي:
– يسقط الزعيم … يا …
ليتأكد لأبي أن وطنية طفله لا علاقة لها برفع صور الزعماء.

الرجل العصملـّي
تختلط مقبرة النجف بالذاكرة والأسى وتظل عيني مرقونة على فارع طول جدي، مرتديا بدلته الرمادية وسدارته السوداء ومغادرا بين الحين والآخر إلى جهات غير معلومة لا يتبقى منها إلا غيابه الذي يترك الدار ينوء بالصمت..! ماخلا أشيائه الصغيرة التي يتركها متناول اليد في درج خزانته الخشبية. هناك قطعة من جسم غليون فُقدتْ منه أنبوبة الفم وثمة علبة فضية لحفظ التبغ ثم خرز وأقلام حبر قديمة وبعض قصاصات ورق أحال القدم لونها أصفرا وظلت عليها أبيات شعر غير مكتملة…كنت مفتونا بنكهته واصطباره في تلك المغادرات على قلة الزاد وبعد الشقة ووحشة الطريق. أدركت بعد سنين أن هذا الرجل كان وريث حضارات مندثرة. طالما ظللت أذكره وهو يردد:
ستبقون يا أبناء هذا الزمن تعيشون كالحيوانات، والله لن تحلمون بلحظة واحدة من عهد العصملي، أنى لنا بمثل أولئك الأتراك أيها الحمقى..؟!

آدم وحواء
أمسكتُ يداه وشبكتـُهما خلف ظهره ثم دفعته نحو الصالة. أما هي، فكانت تطوقه بذراعيها محاولة كبح جامح خرفه. كنت أقسم لهما بكل غضبي أني لن أتردد عن قتلهما أبدا !!.. ذلك أنهما وريثان لكل شياطين هذه العائلة الفاسدة، فقد تخلى عنه كل أخوته الباقين على قيد الحياة، وتخلى عنها كل أخواتها وأخوتها الذين سبقوها إلى الموت ثم وهي البارعة في التعبير عن ضرورة الرأفة بها كأم تشارف على تخوم العمر ما ترددت لحظة واحدة عن كسر باب غرفتي – أنا أبنها البكر – وسرقة ما ادخرته لها ولأبي من رواتبي طيلة ثمان سنوات من الحرب لتنفقها بعد ذلك وفي غضون شهر واحد على سفرة إلى مصر المحروسة. و( آدم ) الآخر، الأحمق الآخر، فأنه بكـّر كثيرا ليحتفظ اثر كل هذا بشيطانية أرذل العمر، فلطالما أرسلني (وما تجاوزت عشر سنوات) لأستدين له خمسة دنانير من بقال المحلة كي يسدد بها ديون ملابسها الداخلية لأصحاب محلات الكماليات، وما تردد في طعن طفولتي بالولاء لعواطف الخيانة الزوجية عيانا أمام بصري مقبّلا زوجة جارنا وهو يمسك بيدي الصغيرة بين الستارة وباب الدار الأمامية. من يستطيع أن ينقذني من هذه الطفولة السيئة ليستطيع أن ينقذه من غضب تخيـّر كف يدي اليمنى التي دفعته نحو الصالة بعد أربعين عاما؟ لكن هذه اليد تخلـّفتْ بسهولة عن إنزال عقاب الضرب بحق أخي الأصغر الذي ورث حماقة الأب وجنوح الأم .. وراح يرتع في الغوايات.

الحبال
انهارت الحجارة على الشبابيك وتصاعدت أصوات الحشد حول الدار:
– ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة…
وتصاعد كذلك هدير دراجات نارية فاحتضنني رياض وهو يصرخ:
– جدو.. جدو.. لقد جاءوا يطلبون خالي.
ارتقى الجد العصملي درجات سلم الدار إلى السطح وبيده مسدس الموزر، كنا قد انحشرنا جميعا في الباحة الخلفية مرتجفين من رعب الحبال الحمر! بعد هنيهات خرق السماء صوت رصاصات الموزر التي أطلقها جدي على الحشد الغاضب اثر محاولة اغتيال الزعيم الفاشلة في بغداد. ذلك الحشد الذي انطلق من أعماق سويعات سود جامعا غوغاء بدرة انتقاما للزعيم بسحل أحد القوميين.. فاختاروا لذلك أبي. بعد لحظات كالموت نزل جدي وهو يطلق ضحكاته الأسطورية المجلجلة منتصرا بزهو تفريقه لعشرات الرجال بأطلاقتين فقط..! صاحت أمي:
– لكننا لا نعلم أين هو الآن، ربما يكون عائدا من نادي الموظفين .. فيسحلوه !؟
أجاب جدي:
روحوا ناموا .. معليكم.. لقد أرسلته إلى بغداد منذ الصباح الباكر، بعثته إلى نجيب الربيعي ليرتب له نقلا إلى أربيل، نجيب أبن ديرتنا ولن يرد لي طلبا، سنخلص منة هؤلاء قريبا إن شاء الله، روحوا ناموا، الله كريم.
أيقنت مذ حينها تماما، أن لا بد هناك من سوف يظلم كلما واجهتُ مظاهرة سياسية، أو تجمعا كبيرا، أو حشدا يستمع لرجل واحد !!

فرحة
المعدان،الأصل والوجوه والأسطورة، ينتشرون حيثما وجد الماء فينتشر القيمر معهم، و(فرحة) من معدان بدرة أصرّت على تحمل شقاء رعبنا طيلة اختفاء أبي من وطأة الاغتيالات السياسية التي سادت في نهاية الخمسينيات، وفاءا ولاغير لعائلة كانت تهديها على كل جميل قطعة من الذهب. ظلت تلك المعيدية الوفية تحمل أختي الصغيرة الشقراء وتنزهها على ضفاف نهر (الكلال) حبا بنا جميعا ولاسيما بجدي العصملـّي الذي أكتشف تماما كيف يغازلها بلا حياء..! ولسبب ما فقد ظلت أختي حتى بعد وفاة المعيدية بعشرين عاما تصفق جذلة وتصيح بلهجة المعدان كلما شاهدت جملاً ( بعارين .. بعارين ) فيصيب زوجها ( الأستاذ في أكاديمية الفنون الجميلة )الخجل المشوب بالغضب لأنه لا يعلم كيف يفسر امتزاج طبائع زوجته البرجوازية الصارمة بصيحة ( بعارين .. بعارين) بل ومصرة على شراء ملح البدو كلما مروا بجمالهم من أمام دارها في ( الأعظمية ). وبقيت أذكر (فرحة) ويزداد إعجابي بأولئك الجند المعدان وهم يقودون المشاحيف في متاهات الأهوار التي غمرت بجحيم الحرب العراقية الإيرانية لنوزع حبوب مكافحة الفئران على حجابات الأطواف العائمة في عمق المسطحات المائية بين قامات القصب وغابات البرغش.

على الأرض السلام
البيداء خالية المعالم، وإذ لا وجود لطريق معبد إلى الكوت عبر الصحراء فأن الأمطار والبرق يجعلان الأرض أغرب كثيرا مما أعتيد عليها. أظلمت السماء باكرا بتكاثف الغيوم السود، وازداد يقين الركاب في الباص الخشبي بقضاء ليلة تحت رحمتها، إلا أن الرجال وعلى الرغم من وطأة البرد وشدة الريح والمطر بذلوا أقصى طاقاتهم لتحرير الباص من كمين الوحل الذي أنغرز فيه، بيد أن شهية العجائز والزوجات لأعداد وجبات العشاء أغرتهم بتأجيل هذه المهمة إلى الصباح، عندها ماترددت جدتي في أخراج ( الجولة ) من سلتها وإيقادها بين زحمة العباءات و(البقجات) والأرجل لتعدّ عليها (قوري) الشاي بعد أن أخرجت (الأستكانات) التي اعتادت على اصطحابها كلما سافرنا إلى بغداد، وانصرفت أمي لرصّ لفات الخبز بالبيض المسلوق و(العروك) والخضرة، كان هناك كرنفال وجبة بفرصة ذهبية لحلم لهن بالأكل والحديث عن متاعب الطريق والسفر وأشياء كثر أخر. أما الرجل العصملـّي (جدي) فقد توفرت له الحجج للقص والروي عن أزمنة أتراكه الذهبية غير منقطع خلالها عن لف أوراق التبغ وتدخينها بشهية متقدة. كان يتحدث لشيوخ بعمره عاصروا عهده العصملـّي لكنهم لم يعاصروا بهاءه الذي يزعم الاعتداد به .. غير أنهم اقتنعوا بصواب كل كلمة يقولها وهم يمضغون لفات الخبز بالبيض والخضرة.

القراية
حاجباي.. تسمّرا على جدتي وسط حلقة من عشرات النسوة وهي تخمش وجهها وتلطم صدرها قبالة لاطمة أخرى وتقفزان كديكين في حلبة صراع..! وحين انسجم المحيط وصراخهن (حو.. حو) مع وقع ضرب الصدور بخمش الوجهين علت صرخات التوجع وازداد رجع النحيب من الحشد المتكدس فآندغم جو الغرفة الضيقة المكتظة بالبكاء واللون الأسود حتى صار الموت عويلاً ونساءً بعباءات سود وصار الشهداء خيولاً وسهاماً ورقاباً تحزَّ وعطشا أحمرَ على ضفاف فراتية .. كانت كل هذه الأشياء قد انصهرت بعد حين في التهام قطع الكعك والحلوى وعبق ماء الورد الذي نثّ علينا جميعا بعد انتهاء تلك المراسيم العاصفة بمقتل الحسين ! ولاسيما بعد أن وزعّت سيكاير ( المزبّن ) بوفرة وكرم يليقان بعظم المناسبة ومقام صاحبة الدار. أحببتُ هذا الشهيد الذي سَعُدَتْ بعد العياط عليه كل أولاء النسوة .. وأحببت أن أرى مواسم السواد التي تقتحم كل الأزقة، وتقتحم الدور، وتقتحم النفوس فتنير الساحات المظلمة لتغدو مسارح كرنفالات ممتلئة بحزن الشيوخ ومرح الصغار، بمياه السبيل وعشاءات الأسى الباذخ في عاشوراء محرم، أحببت كل ذلك يؤسطر صورة كل شهيد وصورة كل قتيل، بل ويؤسطر كل إنسان يغلفه السواد.. صار لكل شهيد عندي طعم للحلوى، وطعم للرز، وطعم للدخان.

أبو بولة
أحسست بالرطوبة تغمرني، سحبت بطانيتي إلى أسفل وجهي وغرقت في بحر من القلق.. هل سأذهب اليوم مع (جون) ابن الدكتور قسطنطين لنطوف بين البساتين ريثما يعود رياض من بغداد. حلمت به ضاحكا مسرورا يخرج من سلته (النفاخات) التي وعدنا بها لي ولأختي الصغيرة التي نهضت من فراشها وراحت تعبث بعلبة التبغ الفضية التي يتركها جدي على الطاولة قرب سريره. صرخت بها رادعاً لكنها ردّت بسرعة:
– انجب…
فاضطررت أن أصيح بأعلى صوتي:
– جدو .. جدو .. هناء تلعب بقوطية التتن
نهض الرجل العصملـّي على صياحي من فراشه ودغدغ أختي العابثة ثم رفعها وأرقدها بينه وبين جدتي .. وأجابني:
– نام جدو .. معليك بيها
كان جدي وجدتي يتقاسمان معنا غرفة المنام شتاءً، كنت ولأنني الأكبر من أختيَّ أمنح نفسي حق التوجيه والزجر من تحت بطانتي، لكني لم أجسر على القيام من فراشي لضربهما أو منعهما من عبثهما اليومي بعد الاستيقاظ صباحا؛ كانتا تمتلكان جرأة عجيبة على الرد عليّ وإسكاتي بكلمة واحدة ولأيّما سبب وجيه أو غير وجيه ودونما تدخل من جدي أو جدتي بل وأحيانا بضحك الأخيرين عليّ بطريقة ظلت تؤلمني حتى شُفيتُ من رطوبتي !.. تلك الكلمة كانت:
– ( أبو بولة تحتو .. فرشوله وحدو ..)
كنت الأكبر منهما .. بيد أني كنتُ .. ( أبو بولة ) …..!

الخاتون
تأبّدَ خوفي من كل شقراء لتلك التي أسقطتْ أبي من قمة أبراجه المقدسة إلى هاوية ترن بصدى لهاثها وأنينها بين يديه غير عابئَين لبراءتي التي تلوّثت بينهما في خلوة دارنا، ولا هو عابئٌ للهاثٍ وأنين ٍظلّ يمزقني كلما صادفته يزداد خرابا على حافات عمره المنثلم بالزنا والمرض والخيبات المتلاحقة؛ كانت ترتدي فستانها الموشّى بخيوط ذهبية، تصلح من هيئة عباءتها ململمة أذيالها عن الساقين العاجيـّتين، ثم تتناول (جزدانها) الأحمر وتخرج منسلة من باب دارنا الخلفي لتطاردها عيون جاراتنا بكل خطواتها حتى تختفي عن مرمى أبصارهن. يعلمن جميعا أنها قد ارتكبت إثما غير مرغمة عليه إلا بدافع سوء مشجع قبيح يهز أوصالها عند كل اقتراب لساعات الضحى في أيام غير مُعلمة. كنت أشهد ذلك وأشهد في عينيها بريقا يشبه التوق وأتسمّعُ أنينها ولهاثها وأدرك أن أبي سيقدم – غير مرغمٍ – كذلك على مايشين!! انه وسيمٌ وجميلٌ، وهي الشقراء الوحيدة في هذه المدينة، (الخاتون) الأولى بين نسائها، سليلة الساسانيين، العجمية حقا، زوجة مدير الناحية الآمر الناهي على كل من في هذا المنفى.

أربيل…لماذا؟
لأنها خطوة إلى عالم فسيح أكبر، لأنها الغربة في حضن الوطن ولأنها الوطن في المنافي ! تلك أسباب لها ماعليها، ولها وجه خالتي وأبنائها الكرد، أولاد نعمت الشكرجي، سليل برجوازية مضمحلة بأذيال الأغوات؛ صالتان للسينما وكازينو وبقالة حلويات مضمخة بالدهن الحر وكلال السكر الإيراني وألف إعجاب بـِ (سامية جمال)، ولأجلها أقترن نعمت الكردي بشبيهتها (خالتي المصلاوية).. كما أنه مازال يعشق السينما وغرفة ( المكينة) التي يحتفظ فيها دائما بطاولة على صفحتها ربع عرق وصحن باقلاء صغير وقطع من ( النومي حامض) مع علبة سيكاير (كريفن أبو البزون)، جدران ملأى بقامات الراقصات وأوجه الممثلين المليئة بالرغبات العجيبة !! ألفُ حب ٍّ لنفسه وجنرالات حروبه الجبلية!.. يمضي الزمن ونحن أطفال ودمى من الخرق وعجلات من الأنابيب المطاطية وألعاب بلا هويات قومية، لغتنا الرصيف وعداءاتنا اختفاء خلف الجدران وتحت أغطية البراميل، بيتنا يطل على حرية الشارع وعلى فضاءات تتراءى في أفقها ذؤابات الجبال القريبة بجبروتها المطل على ربوة المقبرة القريبة. كنت أحس بامتداد رطوبتي عبر الفراش إلى جدران الدار وعفونة الباب والشوارع المكتسية بالبرد والحالوب. أنها أربيل، الخلاص الذي عاد به أبي من نجيب الربيعي والمنفى بالوجه الآخر لعائلة ربما اكتشفت أخيرا أنها بلا مبادئ.

عربات الحريـر
وأستجاب العصملي لتوسلات أمي في الخلاص من رعب الحبال الحمر ورعب الألسن التي تلوك أبي لعلاقته بتلك الشقراء؛ فانتقلنا إلى أربيل بيد أنه راح يناصبها العداء لأنها فوتت عليه ذلك الطريق الوردي إلى المعيدية (فرحة) .. وبتلك التفاصيل اليومية صار الشجار بينهما عادة مستديمة، فلأيّما سبب يتشاجر ويتحدث ويصرخ ولا يصغي.. ووسط كل ذلك تُرعبُ براءاتُنا. نهرب أنا وهناء إلى المقبرة القريبة على الربوة نلتمس بين شواهدها لعبة الاختفاء ونرى العالم بشكل آخر. أعتاد الكردُ زرع الزهور على صفحة القبور فكنا نُؤخذ ُ بالسعادةِ ونحن نقفز بين العبق والألوان، ثم نختار منً لا زهور عليه، نمتطيه حصانا ونغير به نحو الجبال باتجاه لا شمس فيه ولا شِجار..! حتى مرّ رتل الغجر، حميرٌ وبغالٌ ورغبات، أطفال ونساء وثلل من الرجال. ظللنا نرافق هذا الخط المختلط بالأشياء والكائنات وسرنا نتبعه بهدوء من دونما دعوة. فجأة ً.. تخلّفتْ إحداهن ووقفت تتفحص وجه (هناء) وشعرها، ثم تركتها وعادت مسرورة مسرعة إلى القافلة .. وسرنا نتبعهم بهدوء من دونما دعوة ..! صارت المقبرة والربوة ضئيلتين عن مرمى أبصارنا ونحن نترك خلفنا آثار الخطى بآتجاه الجبال. قالت (هناء):
– نـِرجعْ
قلتُ:
– كلا
– نرجع
– لا
– زمال
– زمالة
غير أن الريح في هذه اللحظة التي نأتْ فيها الشمسُ تلتمس الغروب عن كل الأشياء؛ حملتْ صدى صوتين بعيدين وألوتْ رقبتينا بأتجاه سمتين لرجل وآمرأة يركضان محاولان اللحاق بقافلة الغجر التي ما أن لمحتهما حتى راحت تغذ خطو الهروب تاركة إيانا نلتقف أحضان جدي العصملي وجدتي بلهفة ودموع مازالت تهزّ ُ أوصالي كلما لمحتُ غجراً أو سمعتُ صدى غناءٍ ومواويل متخمة بالرغبات.

المهاجرون
وغنينا أن لابدّ من (عروس لهذا المحروس الأسمر).. كنا في الطريق إلى تخوم الجبهة المشتعلة وكان المحروس أكثرنا فرحا وسعادة بكلمات الأغنية، أما نحن؛ فما كنا نعلم مبررا واحدا لألتصاقنا به سوى محبتنا لامتلائه بالعشق. ثم مرت ثلاثون عاما، هاجر أحدنا إلى (أستراليا) وبقيت أنا في (تكريت) أشارك أهلها شجن حرمانهم من شواطئها، بعيدا وسط عشرات المحبين، وبعيدا عن حاراتي المندثرة في بدرة وأربيل وكنعان وبعقوبة وبغداد، حتى أني بكلمة واحدة لاأقوى على تجميع صورة ما لطفولتي ..! أما المحروس الأسمر، فكان المجنون الذي ضيّع كل شئ لأجل امرأة ظلّ ينطرها إلى آخر العمر متسائلا ً، لم َ كبرتُ؟ لمَ ضيّعتُ نهاراتي؟.. وها نحنُ أصبحنا كلّ ٌ تحت نجمة .. كلّ ٌ بأرقه ِ .. كل بخذلاناته … يـاه … كم جمّعـَنا الحبُ؟! وكم سارعنا في احتواء الأرض لأجل بقعة غريبة نتوهم صلابتها تحت أقدامنا المتعبة.

العنبة الهندية
في السينما،كانت لنا المقصورة – اللوج – تمتلئ بالكرزات والجبس وقناني الكوكا كولا وتعليقات أمي غير المنقطعة عن آفا كاردنر وإليزابيث تايلور وأيفون دي كارلو، ثم لفـّات العنبة الهندية بالبيض المسلوق وشرائح الطماطة..إنه ذلك المزيج الأسطوري الأصفر المضمخ بالفلفل الحار وقطع اللب الذي تأبـّدَ قرينة ً لاهوية لصالة عرض أفلام لي من دونها، لطالما ظللتُ أتحرقُ شوقا ً لتلك الظلمة المفاجئة والصفير الصاعق ومقدمات الأفلام السريعة.. لتلك النكهة الحريفة والمذاق اللاذع ؛ حتى أن رياض وهو مصابٌ بجراحه في مستشفى مندلي كان لايني يذكـّرني – على الرغم من آلامه – كيف كنت أصيح على بائعها في صمت الصالة وظلمتها:
– تعال أبو العنبة..
بلا استئذان منه أو حساب لجيبه الذي يعود به خاليا ًتكـّرما ً لي بالعنبة الهندية.. كيف تسنى له أن يتذكر شهيتي لها على فراش جراحه بلغم بتر نصف كف قدمه اليسرى؟
قال فجأة:
– تتذكر سينما سيروان في أربيل؟
– نعم أتذكرها تماما ً
– كنت أكثرنا سعادة بأفلام الحروب
– نعم ومازلتُ
– لاتخدعنك أفلام الحروب، فالموت لا يحتمل مزاجنا، دعني أقـّبلـُك أيها العزيز.
وراح بعد هنيهات في إغفاءة عميقة !..
تمنيت ُ أن لا تجتمع نكهة العنبة الهندية التي ذكـّرَنيها رياض ونكهة المعقمات وعطن أكياس الرمل التي حـُصـِّنـَتْ بها شبابيك مستشفى مندلي .. بنكهة أخرى، مقرفة تماما، كان لابد من ألإحساس بها كلما تذكرت سعادتي بأفلام الحروب.

الشوفرليت 58
لن تتحداني على شدة التصاق انحناءات الجدران بباب الدار في مخيلتي أي أرقام، ذلك أن أنصاف الأقواس بقيت تحيط بكل الأشكال الدائرية للقلاع والسقوف المحدبة والأبراج وتكورات سراويل الكرد وعمامات رجال الدين، لكنما ظلت عقالات الأعراب وحدها عصية على التآلف مع الشحنة الذاكراتية .. ربما لأن الألتصاق ظل منوطا بنكهة اللبن الصباحية في أربيل !
يعصف صوت منبه سيارة (نعمت علي الشكرجي) أمام إنحناءات الجدران المحيطة بباب الدار فيتضخم الصدى بأنغلاقه في المجاز الضيق لا ليوقظنا حسب ولكن ليسرع بنا الى جولة معبئة بالتجدد في كل لحظة من أعمارنا أنا وأختي هناء. نتبوأ ُ مقاعد الصدر في سيارته الشوفرليت 58 الحمراء ونطوف في نطاق حول القلعة المتسامقة، ثم ينثني بنا الى المستشفى لنغني أناشيد مرتبكة أمام (منعم) ابن خالتنا (سعاد) الراقد بشلل الأطفال في ردهة خالية من الطفولة. يشاركنا الطفل المعاق بكردية بريئة غناء الأهزوجة:
– كريمة .. زعيمة، كريمة .. زعيمة
إن نعمت علي الشكرجي، زوج خالتي، سليل ظهور الجبال العنيدة والبرجوازية المضمحلة مازال عنيدا كصلابة قفا أجداده، يعيش وينفق العديد من الأولاد على مصائر كثيرة .. أغلبها لم يعد مجهولا.

السياسيون الكبار
فوجئنا بضحكاته المجلجلة ونفسه المتقطـِّع من شدتها، الجد العصملي ينادي بكلمات نصف منطوقة وقد دمعت عيناه من فرط قهقهاته المتلاحقة. (نريد استقلال كردستان)، خُطـَّت باللون الأحمر على واجهة دارنا في اربيل؛ ولما كان الجد العصملي هو المنوط بكل إجراءات العائلة السياسية فقد فسّر لنا وجه المفارقة المقترنة بوجود الشعار على جدار دارنا بالذات.. متسائلاً من سيصدق لحاق اللون الأحمر بنا من بدرة إلى أربيل..!؟ لكنه حسم الأمر بوعي تاريخي مباشر، ذلك أنه بكـَّرَ في صبيحة اليوم التالي وقد خط َّ باللون الأزرق على واجهة الدار (منحتكم استقلال كردستان)..! ترتب على كل ذلك أن أجمعت كافة فصائل الحركة الكردية عبر مخيلتها الشعبية في أربيل على وطنيــــــة (العصملي) وضرورة ارتدائه الزي الكردي الخاص بالمدينة كلما تسنى له ذلك لاسيما في الدعوات التي ستقام لأجله، وأن يسمح لهم بزيارته في الأوقات التي يراها ملائمة ليكمل لهم أقاصيصه عن الحرب العظمى وعظمة آل عثمان المتأخرين ومناقب سندرسن باشا، ثم اتفقوا جميعا على التنازل عن استقلال كردستان إلى المطالبة بالحكم الذاتي جبراً لخاطره العزيز عليهم..! إلا أن كل ماتقدم لم ينقطع لحد الآن بفضل مؤازريه من أجيالهم اللاحقة.

الله… قال لي
تفصـّد جبيني بقطرات العرق التي أنبتتها أشعة الشمس المتعامدة على وجهي، نظرتُ إلى باب غرفتهما مفتوحاً وأبصرتُ ظلمةً تستقبلني في بريق هذه الظهيرة الصيفية اللاهبة. إندفعتُ نحو أشياء لطالما ظلت مجهولة. أغلقت باب الغرفة خلفي ونظرت إلى زحمة الأثواب المعلقة خلفه؛ المشجّر بالأزهار الصغيرة، والعباءة الصيفية المهفهفة بالقرنفل على منخريّ كلما مر جدي بجانبي. ألوان تدعوني أن أصعد بها إلى آماد بلا هوية!.. أخرجتُ علبة الكبريت من جيبي بيد أن الثوب المشجّر بالوردات الصغيرة ماكان ليتقد من عودٍ واحد أو آخر؛ حتى جمعتُ عودين معاً فأتقد الثوب بلهيب يأخذ كل الأثواب في مهرجان أحمر يتسامق صوب الأعالي. الدخان الأسود المزرق، كرنفال احتراق يتسع ويتسع ويأخذ بالجدار الذي بات يعكس بهاء لون الجص الأبيض. ثياب جدتي ودشاديش جدي البيض، عباءته المهفهفة بالقرنفل كلما مر بي، عقالٌ ولوح من الصاج الذي اشرأبت منه مسامير معقوفة حتى أسمعني الدوي الأحمر دعوة الخروج من غرفتهما التي تركاها ليرقدا في قيلولة الصالة المتوجة بمروحة ألـ (فيلبس ) بين والديّ وأخواتي. نخستها في جنبها:
– جدتي .. جدتي
– … … …
– جدتي
– من؟
– أنا
– ماذا تريد؟
-ثيابك تحترق
-… … …
مياه الإسالة التي تروي المساكن في تلك الساعة كانت مقطوعة.. سألتني جدتي من دون أن تشير بندم لما آل بسببي أمام أمي وأبي بعد أن أحترق نصف الدار:
-لم حرقت الثياب ياولدي؟
أجبتها:
-الله .. قال لي !

العزيمة على سطح الدار
قال جدي لجدتي:
– هيئي له دشداشته البيضاء ليرتديها في العزيمة
واستقبلنا بحشد من الكرد والسراويل الرمادية وانطقه البطون البيض العريضة. كانت الدار تعج بالنساء والصبيان والهلاهل .. عراقية .. عراقية .. عراقية والله العظيم !!
لم أكن اعلم أكانت الدعوة لختان أم لعرس أم لشئ ٍ أبهى ؟! المهم أننا صُـعـِـد َ بنا إلى سطح الدار حيث فرشت سجاجيد حمر حول الفناء الطيني ودارت علينا أقداح الشاي، فصححت موضع القدح أمامي، ثم وُزِّعتْ علينا أكياس الحلوى، فوضعتها جنب القدح. سألني جدي:
– لم لا تشرب الشاي أو تأكل شيئا من الحلوى؟
قلت:
– حتى يشرب صاحب الدار شايه أو يأكل حلواه
قال جدي لأبي بعد عودتنا إلى الدار:
– إبنك هذا .. نبيل !!
لكني بقيت مصرّا ً على النوم في فراشي بدشداشتي البيضاء.

ياعيني … على جدتي
ولأجل الحفاظ على جسدها بلا تشوّهات، كانت أمي ترسل من يأتيها بحليب الـ (بلاركون) لأختي الصغيرة. هناك من يقطع المسافة من أربيل إلى بغداد حاملا ً صندوقاً يحتوي على اثني عشر عبوة من ذلك الحليب المجفف الباهظ الثمن، غير أن ظهيرة الصيف ألجأت جميع من في الدار إلى التراخي، وكانت الطارمة الخلفية بمساحتها الصغيرة تشجع على الانزواء واللعب بلا إزعاج لمن يغطون في قيلولتهم. ويا عيني على جدتي التي كانت تعجن وتشـجر لـنا الخـبز و(الحنّونات) الصغيرات.
نأيتُ بـ (المعجانة) الكبيرة وصرت أسكب المسحوق الأبيض اللامع الناعم بين يدي وأعجنه بالماء، وأعجنُ، وأعجنُ .. وأضيفُ كلما خفَّ المزيج مسحوقاً، وأضيف الماء كلما ثخن المزيج .. تراهُ كان جاهزاً للخبزِ أم لا ؟! ويا عيني على جدتي .. قلتُ لها بعد أن قطعتُ عليها قيلولتها:
– ها قد جهـّزتُ العجين
– شنو..؟!
أمّا أُمي وصراخ أختي الصغيرة وغضب أبي المعتاد فما أفلح أي منها لتأجيل إرسال ذلك الرجل الذي تطوع ثانية ً لجلب عبوات الحليب من بغداد بدل العبوات التي عجنتها واهما ً أنها الدقيق الذي يـَعـِـدُ بالحنونات والأرغفة الحارة من فوهة التنور !.. ويا للمصيبة .. ويا للخسارة الباهظة .. ويا عيني على جدتي وهي تصيح:
•- كافي .. أتريدون قتل الولد من أجل الحليب ؟..

الصلاة.. قبل كل شئ
الأفق خلف الدار كاتساع تلك البراري أمامه، ملئ بالخضرة والبهاء، ولنكهة الدخان المتصاعد من خلف أسطح الدور الطينية ألف عين لنهاية يوم أرى فيه الوجوه الملآى بالغضب والجفاف والزبد وقد أرتخت علائمها وباتت بسمة الراحة تستوفز الحب والقبلات عليها. وقف جدي العصملـِّي ملوحا ً بعكازه وهتف بي:
– هلم بنا الى المدفع .. !!
ورأيته ُ.. أنبوبا أسود يخرج من الأرض بإتجاه يتقاطع مع كل شئ في مكانه عل حافة ذلك الأفق المترامي .. ثم أراه يتقاطع مع كل الأشكال التي عرفتها .. مستقيم أسود سميك يبزغ من التراب وقد أحاطه الصغار وثلة من كبار السن. جمـَّعوا الخرق والأوراق وبقايا أكياس الجنفاص وراح رجل ماعدت ُ أذكر إلا همته العجيبة يكبس كرات الأزبال من فوهة ألأنبوب الأسود ويدكها في قعر جوفه الملتهم بمدك خشبي طويل يخترق أحشاءه. كان يدك ويتحدث ويضحك والشمس تغوص. تبادلا المزاح باللغة الكردية هو والعصملي، وعند اسوداد الأفق بعد احمراره الذي انقضى بالكبس والدك والضحكات، اتسعت دائرة الصغار حول الأنبوب الأسود، إتسعت وباتت تتوثب لشئ ماكنت ُ أرقبه إلا على وجه الصحون بعد الصوت الأسطوري المجلجل، ثم ألقى الرجل الهميم ثقابا متقدا في فوهة الأنبوب ليخترق الفضاء والسماء بعدها صدى مدو بهشيم شظايا حمر تسابق الصغار في الهرولة نحو أماكن سقوطها ونحو الأفق الأبعد .. الأبعد .. !
كانت تلك ساعة الأفطار الشهي، وعرفت بعدها حقاً ً لذة العودة الى الدار المشتملة على الحنو وشوربة العدس والكباب والخضرة والباسطرمة المصلاوية .. والصلاة التي سبقت كل شئ بعد الأنفجار.

المنـقـلـة
توسطت بأرجلها الأربع غرفة جلوسنا وتشعشع البريق الأحمر الملتهب من الجمر في وجوهنا التي أصطفقت بدفئه. كنا كالجراء نلوذ تحت فروته الكثيفة الثقيلة، ونلوذ برائحته المطمئنة .. جدي .. الذي علمنا رص البلوط بين فحمات المنقل المتقدات، علمنا الأصغاء لطقطقات نضجها والتقاطها بـ ِ (المنكاش) ثم فركها بباطن الأكف والتهام ثمرتها المريئة الناضجة اللذيذة. بين صورته وهو يحتضن المنقل في تلك الليالي البيض الدفيئات، وبين صورة الشيخ الميت بغاز أول أوكسيد الكربون في كتاب الطب العدلي مقاربات ومقارنات ورعب له محل أكيد من الأعراب . لكن جدي العصملي بفروته الكثة الكثيفة الثقيلة تمادى بعمره حتى تعلم ما يعني التسمم بأول أوكسيد الكربون وماذا تعني تهوية الغرف المدفأة بالمناقل المتقدة بالفحم وبين أكنافها ثمار البلوط الناضجات وتعلم ان الموت أكبر من أن يكون بمثل هذه الهفوات التي قد تفسد ذاكرة الأحفاد.

اللعلعة
هي بغداد بأصوات نسائها بين الأزقة والأغاني . مدينة الأحزاب والملاهي وأبي نؤاس . نترك خلف ذاكرتنا أشكال الجبال وهفهفة السراويل الكردية ونخطو الى حي من أحيائها يخلو من البعوض، حتى أن جدي يرتد لعصملية الأفندية فيرتدي سدارته السوداء وبدلته الرمادية بقطعها الثلاث . يؤكد أبي أن (راغبة خاتون) بنسيمها أطيب من بقية ألأحياء لقربها من دجلة، فضلا ً على كونها باتت مهجرا ً لأبناء بعقوبة، مدينتنا المستقرة دوما ً في الحكايا. فها هنا دار (كاظم العبس) وغير بعيد عنها دار الشيخ مجيد الشريف رئيس عشيرة الصوالح وكثيرون غيرهم . لكن الأجمل والأبهى كان زينة دارنا بتلفزيون الـ (باي) ولعلعة رصاص الكاوبوي بالفارس المقنع، وأخيرا ً لعلعة خطابات الزعيم بتلك الكلمة العجيبة المتكررة (إنني) . أقصد أن تلك الكلمة امتازت بشخصية انسحبت على ولعي باللعب مهرولا ً في الدار الفسيحة، جذلا ً، مبتهجا ً، قافزا ً بـ ِ (إنني .. إنني) . ولما كانت والدتي تستقبل عائلة جارنا أبي جهان السورية منشغلة بتقديم أطباق الكرزات وأقداح الشاي .. فقد رحت ألحظ الجمع المحتفظ بلياقته إزاء المفردات الصاروخية المنبثقة من فم الزعيم في تلفزيون الباي . كانوا ساهمين بصمت ٍ لا تقطعه نأمة ليتأكد أني إخترقتهم بملء فمي معولا ً .. إنني .. إنني ..فيصرخ أبي ساحبا ً كل لياقته :
_ إسكت زمال إبن الزمال .. تريد تحبسنا ؟!!
كان ذلك أول خوف غريب من أبي بالكلمات، وغريب كأول خوف من التعليق على خطابات أي .. زعيـــــــــم .

المَبلسة
جذبني جدي العصملي من يدي قائلا ً:
– سوف تتعلم اليوم القراءة والكتابة …!
كان قد ارتدى عباءته السوداء وتوَج َرأسه بعقاله المقـصّـَب المذهّـَب وحمل عكازه. رحت أنظر إلى بهائه الجليـــــــــل وطوله الفارع وهو يتقدمني إلى مدرسة (الخزاعية) في ضواحي (راغبة خاتون) . لم أكن قد بلغت ُ السن القانونية للمدرسة، لكنه وبّـَخ جدتي صائحا :
– (سـُـكتي غشيمة) … أنى للمدارس بمثله ؟!
بـُهــِر ْت ُ به وهو يدفع باب أحد الصفوف قاطعا ً الدرس على التلاميذ ليحيي المعلم تحية الصباح ويسأله مكانا ً شاغرا ً لحفيده الذي ينبغي تعليمه القراءة والكتابة . تمت العملية برمتها وقد خيبت ظن جدي الذي راح يعدد لي مناقـــــــــــب الكتاتيب وحرص الملالي على تعليم الأصغر سناً وتفضيلهم على الأكبر منهم أو كما قال (التعليم في الصغر كالنحــــت في الحجر) مستغرقا ً طيلة الطريق يتأفف مكررا ً :
– جدو .. هاي مو مدرسة .. هاي مبلسة ..! كتاتيبنا لا مكان فيها لإبليس، وعجبا ً كيف يقف إبليس يعلم في هــــذه المدارس ويمنعك من الجلوس في صفوفها.
حاولت تلطيف إحساسه بالخيبة، أردت أن أقول شيئا ً يتناسب ُ وغضبه، لا بل يحتويه، وحين أدركت ُ أني لم أ ُوفـق في ذلك أمسكت ُ بيده جيدا ً وضغطت ُ عليها أكثر من مرة وفوجئت ُ به ينحني ليقبلني ويحملني على صـــدره مرددا ً:
– طار اللقلق .. طرنا (وياه) .

الأجداد
أن يكون لي أكثر من (عـُصمـَلـي)، أكثر من جد، أسعدني وفاجأني ! أرى جدي من أمي (حسين بانزين) الأشقر الأحمراني الطويل، وهو لا يشبه جدي العصملي من أبي إلا من أطراف خفية، فكلاهما يتميزان بعناد البغال وغرور الديكة ومحبة مفرطة للأحفاد وأستصغار ٍ وأضطهاد ٍ لوالدينا وأعمامنا وأخوالنا . كان قبيحا ً جدا ً بكاء خالي ذي العشرين عاما ً لأنه وضع ربطة عنقه بطريقة لم تناسب مزاج جدي البانزين الذي لم يتوان عن ضربه لذلك في صبيحة عيد الفطر . ربما أكتشفت ُ مبررات ضياع الكثير من شخصية والدتي في فخفخة وأبهة مفتعلة ورثتها من ذاكرة معطوبة بالتسلط لأرث بعدها عزلتي من عائلتين تركتا جذورهما لأجل مجد بغدادي مؤمل . ثم أكتشفت ُ أن لي جدا ً ثالثا ً هو الزوج الأول لوالدة أمي، وجدا ً رابعا ً هو الزوج الأول لوالدة أبي وجدة أخرى هي الزوجة الأولى لجدي العصملي وأخرى هي الزوجة الأولى لجدي حسين بانزين .. ثم سلسلة متشابكة من الأعمام والأخوال والخالات والعمات ينتشرون على بقعة عشيرتين قحطانية وعدنانية بميول وتيارات وثقافات ما أنزل الله بها من نص أو خطاب وأن لي من الأقارب من يعيش في البحرين وسرنديب والهند ويوغوسلافيا، وآخرين أقرب ما زالوا في البلقان والأستانة . كنت ُ مضطرا ً لتقبيل أيادي أجدادي في صبيحة الأعياد لا لأنهم أجدادي حسب .. لكنما رعبا ً وخوفا ً مما يحملون من هذا الجغرافيا العجيبة .

جددت حبك ليه
كنت أستمع لـ ِ (جددت حبك ليه) وقد إرتسمت أمامي صورة تلك القرية النائية شرق العراق (كنعان) يوم جاؤا كلهم من العاصمة والأطراف إستجابة لدعوة (الدولمة) التي طبختها المصلاوية أمي … ويوم إكتشفت ُ فيهم عمي (صاحب) الحلاق في شارع (الكفاح) ببغداد.. وعمي (علي) الحلاق في ) شارع الحسينية (في بعقوبة.. يتباهون بصور سامية جمال وهند رستم وفريد الأطرش ومارلين مونرو على جدران دكاكينهم الممتلئة بالعطور والقولونيا وبقايا شعر الزبائن.. فراح عمي صاحب يحدثنا وكأنه يحدث (المشترية) عن فرصة التمتع بتلك الأجساد والوجوه الجميلة في سينما (الحمراء) في ( باب الشرجي ) أو بتنازل قليل في سينما (مترو) في محلة (الفضل) وهو ممن أدمنوا إرتياد بيوت (الكحاب) كل ليلة حتى عميت عيناه من شئ ربما كان بسبب عشقه دوام رؤيتهن ومباشرتهن بشهية نفاذة.
مات عمي علي على فراشه وهو يطلب ُرؤية إبنته الوحيدة العانس من بين بناته المنتجات الخمس، صارخا ُ :
– تعالي أبوية، إنطيني إيدج … أريد آخذ روحج وياية
أما عمي صاحب .. فما زال أعمى يرتكب آخر أخطائه بالأصابع ويربك زوجته بأسماء نساء يرتجلها كلما إنتصب عضوه .. ومازلت ُ أستمع لـ ِ (جددت حبك ليه) لأنها كانت الأغنية التي رافقت ( الدولمة) التي طبختها لهم المصلاوية أمي في تلك القرية النائية شرق العراق ( كنعان ) … قبل أربعين عاما .

الرحيل مبكرا
لا أعرف كيف أختزلت بغداد من مشهد الطفولة بتلك السرعة العجيبة وتحجم الصوت والصدى الى صورة صبي يقف ممسكا بحافة المقعد الأمامي في سيارة تورن أجرة ليرقب الطريق الى كنعان مرددا :
– بابا شوكت نوصل، خاف سوينا زحمة على أبو رحيم..؟
بيد أن أبا رحيم كان متسامحا معنا على الرغم من بعد الشقة وهو يقود بوقود السوالف والحكايا عبر الطريق بسيارته الزرقاء حتى إستقبلتنا كنعان بأم عزيز الخبازة وأبي عزيز وجاسم الفراش متهيئين تماما لأستقبال عائلة (الدكتور) بغبطة جرادل المياه التي آنساحت لشطف باحة دارنا الملاصقة لمستوصف الناحية، وبغمرة التسابق لنيل التآلف مع أبي وأمي وجدي العصملي الذي راح يقلب الكلمات مع أبي عزيز الفلاح لحرث أرض الحديقة المهجورة وهو يوجهه لترتيب ألواح الباميا والخيار والطماطة ويتوسدا بعدها حافة للحديث عن عشائر المجمع وفرادى المسافرين من الأيرانيين الى مشهد الكاظمين ببضاعاتهم الموسمية من البندق الأخضر والفستق وقطع السجاد الحريرية وصفقات بين الوهم والحقيقة لا علاقة لها ببهاء الدار الذي سيضم العائلة بعيدا عن بغداد، وبعيدا عن الحبال واللعلعة والبعوض .

النجوم
تتمشى أمي قاطعة المسافة بين بابي الدار الأمامية والخلفية وهي تصغي لعواء الكلاب المتواصل عند مغيب الشمس، وثمة رائحة شجار خبز طازج شهي تنبعث من الأكواخ الطينية المحيطة . أشياء عديدة أخر تعين على جدب كنعان بلا كهرباء وماء ومنها همة العصملي العجيبة الذي شمر عن ساعديه على مكبس (اللوكس) ذلك المصباح النفطي الصائت مشعشعا بعد هنيهات بنوره الساطع، ولولاه لقضينا أكثر من ليلة على بصيص الفوانيس الكابيات بدخانها وكآبة ذؤاباتها الضئيلة . راحت ليالينا شيئا فشيئا تزدان برائحة الماء المرشوش على سطح الدار الترابي وبأبتراد (التنكة) الفخارية على حائطه الوطئ، ثم بأقاصيص العصملي عن أصحاب تلك الأسماء التاريخية العجيبة، جاسم الجمون .. علي الكرغولي .. فهيمة القاقينة وكريم الجرمط .. تقاصرت سويعات الصيف بثقل أجفاننا بعد ألتهام قطع الرقي والبطيخ المعد بعليل الهواء بعد غياب الشمس .
كنت أعد النجوم مأخوذا بتجمعاتها الهائلة، قالت جدتي :
– أولئك (بنات نعش) يحملن التابوت، وتلك أختهم الصغيرة العرجاء في أسفل الرتل، أما النجمتان البعيدتان فهما قيس وليلى، أحبهما ألله فرفعهما الى السماء يبهجان بقربه بعيدا عن غضب القبيلة .

التعويض
إختفت تلك الجدة الحنونة .. مرت أيام وتلتها أسابيع وقالوا أنها في بغداد، لكنهم أحجموا عن ذكر سبب هذا الغياب ! .. هكذا أفتقدنا لنكهة الخبز الطازج على التنور المشجور بالحطب، إفتقدنا لتلك النكهة المنبعثة من قدور الطبيخ بحمس اللحم والبامية، إفتقدنا لقطعة الشب التي تنقي الماء في الزير والتي كنت أقف على حافتها مراقبا تلك العجوز الطيبة وهي تديرها مرارا ثم تتركها بعد حين لتستقر في القعر الناضح لماء ( الناكوط ) في الأسفل .. هكذا إفتقر الدار لفرد أنقص نصاب العائلة الذي إكتمل بعودتها المفاجئة السعيدة ! .. عادت ممتلئة بالضحك والعافية، تتحدث لا كما كانت، بل تتحدث لتعويض الغياب، تبتسم بثقة غير معهودة، تجيب على كل الأسئلة، عادت كأنها لا جدتنا حسب، ولكنما سيدة بيت وعهد جديد، ثم راعني وأسعدني وظل في ذاكرتي أن جدتي قد ذهبت الى بغداد وعادت لتفترش الحصير وتتسيد الدار بتواضعها الجم لا لشئ سوى أنها عادت وهي ترتدي عافية أخرى بطقم أسنانها ألأول .

اليد تستطيل
ربلة الساق البيضاء، وصفحة الفخذ الممتلئة بثقلها المفروش على الأرض الكونكريتية الباردة، ثم بقية الجسد المغطى بسمت الأكتناز الذي يتزايد كل يوم بوجبات الطعام المفرطة بالرز والسمن واللحوم، كانت كلما آلتهمت لقمة أردفتها بخمس يتضاعفن واحدة تلو الأخرى حتى تفاقمت كهرم يتفلطح في كل الأتجاهات إلا بما هو نحو ألأعلى .. ! وأرقب أن كتل الشحم المتثخنة تغيب معالم الوجه بتفاصيله التي ينبغي أن تبقى في الذاكرة، فإيما جانب سيبقى وكل بقعة تتغير يوميا بفعل الخبز واللحم والدجاج المحشي المشوي في التنور، ناهيك عن ثريد طيور الدراج والأوز البري والديكة الرومية بعد قئ أبي وسهرات خمره الحافلة بأطباق المزة الموصلية والكرزات الأيرانية والفواكه التركية المجففة . كرنفال جنائزي ينتهي بصحن رز قطره متر كامل لا ترى منه حبة واحدة لما تغطى به من الكشمش واللوز وأفخاذ الطيور . أفخاذ على الكونكريت، أفخاذ على المضاجع، أفخاذ على الصحون، أفخاذ أسترق النظر إليها في قيلولات خابيات، أفخاذ على رأسي، أفخاذ تهصرني وأشياء جديدة تظهر لي بين فخذي وأفخاذ ألأخريات، أفخاذ ألمسها وأفخاذ ألتهمها، أفخاذ تحيل العالم كله إلى فخذ ممتلئة بثقلها المفروش على ألأرض الكونكريتية الباردة، أرقبها كالمكيدة وتقابلني كالكمين بيدي التي آستطالت إلى حدودها المتناهية في الرغبة .

شب الطول
البساتين، ودفء العودة الى البيوت عند مغيب الشمس بدخان تنانـــــــيرها المبشر بفطور رمضان، حاملين بلهفة بين أيدينا من البراري القريبة باقات الرشاد والفجل والبصل.. ومسرورين لوجه العصملي الضاحك لكل الأشياء، .. تلك أمي تخلط لدينة (قمر الدين) بالماء عصيرا وجدتي ترقب معـــــــها صوت (الطوب) .. كل تلك النفائس تغير على وجه اليوم وتعيق اليقــــين بزمن آخر، سألتُ جدتي :
– بـيـبـي .. شوكت أكبر؟
– من يجي الكيظ
– وشوكت يجي الكيظ؟
– من يطلعلك (شب الطول) ..!؟
وبين (شب الطول)، وإغراءات الصبية سعدية بنت الخبازة، أرى أطوالا أخر تشرئب من وسطي ..! كنا نختلي تحت حصيرة جريد لنمارس حبا في غير أوانه ومواضعه التي تعلمتها من شبق مبكر، ومن أنوثتها التي ما كنت أعلم عنها شيئا، وكنا نستمتع حقا بلذة مبهمة، إغتالتها بغتة يد جدي العصملي التي رفعت الحصيرة عنا، وكشفت خفاءنا، ضاحكا ملء شدقيه بخبث لمشروعنا المبكر ظهيرة كل يوم في القيظ، لا عند طلوع (شب الطول) حسب، بل عند كل إرباك منا لهجعة النوم بلذة القيلولة المقدسة لآخرين في ظهيرات الصيف القاسيات.

شاي العصر

كان أبي أول المتثائبين بعد الصحو من قيلولة تموز. بين فانيلته البيضاء وشعر كتفه الكثيف كنت ألمس حنانه وهو يصيح : – كعدوا عاد.. وين صار (الجاي)؟
نتحلق بعد وقت قليل حول تلك الصينية الصغيرة وقد تزاحمت عليها إستكانات الشاي والقوري الفرفوري مع كتلي الماء المغلي وكاسة الشكر والصحون الصغيرة والملاعق الناعمة بحجمها الولادي، لتمتلئ كل تلك الإستكانات من ثم بيد جدتي وهي تصب الشاي وتعطي لكل منا سهمه من الكعك أو الكليجة.. العصملي، (جدي)، يعبئ تخم الياسمين بسيكارة تتن لف من ورق الرشيد المصنوع في الشام، متربعا على قنفته الخاصة في الحوش بدشداشته البيضاء ليبدأ حديثه المعتاد عن أمجاد العثمانيين وعشيرة المجمع وسندرسن باشا..!
لم يكن شاي العصر ليخلو من مشاركة بزيارة أحد الخطار من الجيران، أم سامي الحلوة أو أم مفيد النمامة أو أم زينب التي تعشق أبي حد النخاع.. ولم يكن العصملي الفتى حتى موته ليفوت أي لحظة متعة حديث مع أي منهن مهما طالت أو قصرت زيارتها، إذ كن يستمتعن بأقاصيصه حتى ولو كانت عن مغامراته في محلة الصابونجية في الميدان بعد الإحتلال البريطاني.
ظلت كل تلك ألأشياء الجميلة حية تسابق الخلود  وتعيد نفسها.. لكنما شيئا واحدا إختفى بعد ذلك فأمحت بعده كل ذاكرة التوق إليها.. لقد إختفى شاي العصر من أيام العراقيين.

فصل في الخاشوكة

إقترنت بزوجتي اليافاوية الفلسطينية وأحببت فيها الخوف من الخاشوكة..!، والخاشوكة _ يا رعاكم ألله – هي الملعقة بلهجة البغداديين وربما أغلب أهل العراق.وحافظت يافاويتي الحبيبة على لهجتها الفلسطينية القح مع بعض الإتقان الضعيف لمفردات بغدادية على قدر الحاجة للتسوق والتخفي من سيطرات العهد الديمقراطي الجديد بعد ألأحتلال ..
كان ذلك يوم طلبت ْ من إبننا محمد ذي الخمسة أعوام أن يتناول شوربة العدس بالـ (المعلقة)، فما كان منه إلا أن يصرخ بها :
– ماما، شنو معلقة؟ إحجي عدل .. كولي خـاشــوكــة .
وتفصدت بعدها عرقا لكلمة لا تعرف ما معناها وقد قرب حالها من الغيبوبة .. إذ أن المعلقة بالفلسطيني والملعقة بالفصحى العربية (وهي أستاذة الأدب العربي الحديث في جامعة بغداد) تتحول إلى .. (خـاشـوكـة) ..! لكنها إطمأنت تماما يوم أخبرها ولدنا محمد أنها لا تلفظ ما يشير الى الكرسي بطريقة صحيحة وهو ينصحها قائلا :
– ماما، ماكو شي بالعراق إسمه كرسي .. إحجي عدل وكولي .. سِــكَـمْـلـي .
ليتضح لي بعد كل هذا أن لابد لي من نقلها لغرفة ألإنعاش إذ سألها محمد يوما :
– ماما وخـري لـيـغـاد دا أكش الطوز من جوة الجرباية.
……………………….

فوكاه
في عام 1975 ولتناول غداء طيب ورخيص  بدلا من الغداء الغالي أبو الخمسين فلسا الذي كنت أتناوله في نادي الكلية إصطحبني صباح وطه وفخري، زملائي من أبناء مدينة الثورة ونحن في الصف الأول في كلية طب الأسنان مشياً إلى ساحة الميدان، ثم إلى مدخل شارع الرشيد. وبعد خطوات من كعك السيد دخلنا إلى دكان تمن ومرق عرضت على واجهته الجداري ومواعين الفافون.  صعدنا إلى طابق من خشب وطاولة من جينكو رصت حذو الحائط المواجه حيث جلسنا على مقاعد من تنكات في الدكان الذي يعبق بنكهات جداري المرك والتمن. صاح صباح مغتاظ  :
-عمي أبو حسين..  يابسة فوكاه
ثم أردف فخري عبد علي :
-يابسة فوكاه..
وصاح طه ياسين ضمد :
-إسبيناغ فوكاه
فصحت طالبا كذلك :
-فوكاه..
كانت تلك ساعة الغداء بعد المحاضرات الصباحية والدوام السريري بين الساعة الثانية عشرة والواحدة ظهرا، ماعون تمن فوكاه مركة فاصولية يابسة بدون قطعة لحم، ماعون تمن فوكاه إسبيناغ، كذلك بدون لحم. نزلنا بعد صيحة صباح مغتاظ :
-عمي أبو حسين راس البصل حسابه بيناتنا.. بس هاي المرة نعتب عليك لأن ماحطيتنا حكاكة.
ودفعنا عشرين فلسا لكل وجبة، وكانت الوجبة التي كلما نظرت إلى لوحة العشاء ألأخير… تذكرتها.

الميت
أخذتني أمي الى بيت أمها جدتي حمدية وأبيها جدي حسين بانزين في باب الشيخ قبل انتقالهم الى عكد المعدان في محلة الفضل، كان البيت مشوقا جدا لوجود أحد أقارب أمي الممثل هاشم المصلاوي ساكنا فيه معهم، ولحظة رأيته نازلا الدرج صباحا مستعجلا الذهاب الى دار الأذاعة والتلفزيون إستفقتُ على مرأى صورته التي إعتدت رؤيتها في التلفزيون .. قبل خروجه السريع ناغى البلبل في قفصه المعلق في مجاز البيت وضحك معه مليا كأنه يضحك إلى الأبد ومغردا كذلك :
– سعودي .. إطلع اليوم إتونس بالدربونة وية أمك اللي عايفتنه وعايشة وية العربان بكنعان .
عصر ذلك اليوم كنت قد تخيرت التجول وحدي في الدربونة، منبهرا بالدكاكين وفرح لعب ألأطفال بالدعابل لكنني – وفي غفلة إستغراقي بكل ذلك – فوجئت برجع صيحات مرعبة، وأصوات حشد مريب، يرتفع فوق أكتاف بعضهم مستطيل أبيض جدا بلون الخشب .. أحدهم، وكان أسمرا طويلا حشرت بسببه لصق جدار بارد مواز لمرور الرتل المخيف، كان شابا حليق الرأس قد رفع طرف دشداشته حتى أعلى ركبتيه وهو يصرخ باكيا :
– أويلي يابه .. أويلي
كان الرتل يهدرأمام سمعي، ومرأى أقدامهم تضرب ألأرض يتسمر في عينيَّ الطفلتين وهم يرددون بترنيمة صادحة واحدة :
– لا إله إلا ألله
ضاقت علي الدربونة، وضاقت علي الأصوات وأشكال المصاحبين لشئ ما أول مرة .. أول مرة ..
التابوت، والخوف، والحشد، والصيحات، وتعجبي، كانت كلها ترنم الموت الذي عرفت شكله المرعب البعيد … أول مرة .. في أزقة بغداد .

التشريب بعد الشرب

بعد الكأس ألأولى من العرق الزحلاوي هذا الليلة .. ينتابني شوق للتذكر … تذكر ٌ يمتد من الولادة وحتى اللحظة المحتملة القادمة بعد الكأس ألأخيرة .
العراقييون لا يصفون من يحتسي الخمرة بالسكير أو المدمن أو الفاسق .. يكتفون بقولهم :
(يــــشـرب) ..
و(يشرب) لها في قاموس العصملي معنى واحدا يوم زفينا عمي الحلاق عبد الصاحب على إبنة خالته سجودة، وهي التي كانت تصف هذا الإحتمال :
– لو تموتون، ما آخذ هذا أبو عيون الباصورك ..!
لكنها قبلت به زوجا أبديا لحد هذه اللحظة التي ظلت قائمة بعد التفجيرات الخمس في كرادة بغداد عام 2011  وعلى الرغم من نصف عماه الأبدي كذلك منذ ليلة الدخلة .
جلس العصملي على سطح العمارة التي يسكنها كافة آل الصالحي من بعقوبة والجيزاني وهبهب قبالة فلكة السباع في محلة الشيخ عمر، متسيدا طاولة ضيوف العرس وقد إنتصبت جنبه سكلة صغيرة من جريد النخل علقت عليها أكياس الجبس أبو العشرين فلس، كان بسدارته السوداء وهو يحتسي كأسه يفرض هيمنة الأب المقدس وهم ينصاعون لها بالشرب كل على قدر إحتماله للعرق المستكي .
كنت طفلا بعمر الحرير حين إنتابتني سعادة ضحك جدي العصملي فرحا بطبق تشريب اللحم الأحمر بعد شربه ربع عرق المستكي متألقا ببهاء وجهه الذي كان تواقا لتلك الوجبة التي إعتدت عليها حتى لحظة … موتي .

شفيقة أخت العصملي

بيبيتي شفيقة، أخت جدي حارز العبو (العصملي)، كانت هي الأكبر سنا منه، وقد إعتدنا الإستعانة بها عندما كانت أمي تتعرض لإحتمال إسقاط جنين مبكر من بطنها المليئة بالشحم وطيور الدراج ولحم القوازي لسهرات أبي وفخفختها بذلك بين الخطار . تأتي بيبيتي شفيقة صحبة خالة أبي، بيبيتي أم خزعل العورة، في باصات الخشب من قرية جيزاني الإمام إلى دارنا في راغبة خاتون ببياض وجهها وزرقة عينيها لتبدو جميلة على الرغم من إنحناء ظهرها وقد جاوزت السبعين عاما، لا تنثر من الكلمات إلا ألأحن، ولا تستعجل إلا الحديث عما يثير ضحكنا من نوادر أقاربنا في سقي البساتين قبل غروب الشمس وقد عادت البنات بالهايشة التائهة بعد أن إكتشفن أنها مازالت مربوطة خلف باب البستان الخشبي العملاق ولم تتحرك من مكانها قيد أنملة منذ الصباح، لكنها راحت تثغو جوعا وعطشا من غباء الجميع بنسيانها فتية وفتيات .
صحوتُ عليهن فجر اليوم التالي، ونثاث مطر خفيف يغمر حديقة الدار الخلفية، أرقب بيبيتي شفيقة بيدها سكين وجفجير، وبيد بيبيتي أم خزعل لفة بيضاء تحملها بوقار ورهبة وهي تصيح على أمي :
– يمة نجاة، فوتي جوة، وكافي تبجين، كل النسوان تطرح، الله اللي ينطي والله اللي ياخذ ..
فترد عليها بيبيتي شفيقة :
– دادة أم خزعل، على كيفج وياهه، هذا ثالث ولد تطرحه .
– غير من ورة مشتهاتها للزقنبوت وهلكد ما تزوع من كثر الأكل .. منين إبتلينا بهالمصلاوية ؟!
صوت نحيب أمي يؤلمني وأنا أرقد تحت إبطها مفتقدا ولادة أخ وحيد لي يعينني على كسر عين أخواتي الوكيحات، تعود شفيقة وأم خزعل وقد دفن الجنين شرعيا بين أغصان الياس زعما أنها الشجرة التي أنبتها الله بطيبها وخضرتها الدائمة لتظلل قبور طيور جنته .

تخونوه

شاهدتُ نميراً وأنصتُّ لعزفه على الأكورديون صحبة محمود عازف الكمان ألأول بآنسجام روحي دفعني للصمت وأنا أرقبُ مسحة الحزن المتدفقة من عينيهما على أنغام مقدمة أغنية تخونوه لعبد الخليم حافظ . أحببتُ في نميرٍ صبره على خدمته العسكرية في وحدات القتال المحترقة خلال سنين الحرب العراقية الإيرانية حتى توسطت له بنقل إلى مدرسة الموسيقى العسكرية في باب المعظم في بغداد .
كانت لحظة فارقة يوم إستمعتُ لصوته عبر هاتف مستشفى الرشيد العسكري الداخلي ليخبرني أنه يرقد في ردهة المراتب المصابين بألأمراض العصبية . تركتُ خفارتي في ردهة الوجه والفكين وأسرعتُ مهرولاً إلى تلك الردهة المشؤومة، سلمتُ عليه بحرارة وقبلته وجلستُ على سريره متفاجئا بصحته الجيدة، طلبتُ من ممرض الردهة أن يجلب لي طبلته لأقرأ ما فيها، وكما أخبرني فقد كان يعاني من صداع بسيط ولكنه مستديم على الرغم من المسكنات التي بات يتناولها بشكل مستمر، قرأت التشخيص :
(ورم دماغي خبيث في الفص الخلفي من المخ) ..!
قال لي بصوت فيه الكثير من الأسى :
– دكتور، خابرت كل أصدقائي بمدرسة الموسيقى العسكرية بس ولا واحد منهم إجاني، آني والله مشتاق أشوفهم وخصوصاً محمود الكمنجاتي .
عدتُ صباح اليوم التالي إلى ردهته كي أطمئن على حالته من الطبيب المختص، وجدتُ السرير فارغاً، سألتُ ممرض الردهة :
– إبني وين نمير؟
– سيدي البارحة ورا نص الليل إنطاك عمره .
توفي نمير، وآمتنعتُ عن زيارة مدرسة الموسيقى العسكرية، ولم أعد أستمع لأغنية تخونوه إلا بعد أن أكون مخموراً جداً كي أسترجع تلك المسحة الحزينة التي رأيتها في عينيه قبل خمسة وعشرين عاماً .

بالسلامة ياوطن
(إلى قصي شبر .. بعد فوات ألأوان)
وحين كنتُ آمراً لإحدى الوحدات الطبية أثناء الحرب العراقية الإيرانية عام 1985، علمتُ أن عازف الكمان الأول في الإذاعة والتلفزيون يخدم كجندي مشاة في الخنادق الأمامية، مما دعاني إلى التوسط لنقله إلى وحدتي كي أحفظ حياته وفنه العظيم .
إعتاد منتسبوا وحدتي الإستمتاع بالتلصص على سهراتنا معاً بعد منتصف الليل ونحن نلحن الأغاني ونؤلف المقطوعات الموسيقية، وقد وجدوا فيه شخصاً يلازمني حتى في واجبات صحة الميدان مصطحباً معي قيثاري، أو إخلاء المصابين من ميادين المعارك على الرغم من أنني نسبته لعمل مكتبي في الوحدة .
سرعان ماتوطدت علاقتنا عائلياً وفوجئ الوسط الفني في العراق بهذه العلاقة بين ملحن شاب وموسيقي من أساطين أساتذة آلة الكمان لاسيما وأن أستاذ العود الفنان الدمث علي الإمام إلتمس مني يوماً :
– عيني دكتور، دير بالك عليه، تره هذا (باغانيني) العراق ..!
قضينا معاً سنتين في الجبهة المشتعلة، ثم عدتُ لإكمال دراستي العليا في تخصصي الطبي وعاد هو بعد نهاية الحرب محاولاً حياته كما عهدها في بغداد، لكنه وقع أسير الإدمان على الكحول بشكل مفرط فأملق وطلق زوجته وراح يصيح مخموراً :
– صرعتُ الموتَ لكنَّ البقاءَ ظل يصارعني في كل واد، فلمَ تركني الصديق الذي احتملني طيلة تلك السنين؟
كنتُ حينها بعيداً عنه أمارس مهنتي في مدينة نائية، ولم تكن المسافة هي التي أبعدتنا، بل عضات نيوب الحصار وسنين جدبها . حتى مضت بيننا عشرون عاماً، لأجدني أكتمل بعزلتي في تلك البقعة النائية أجتر ذكريات ألحاني ومؤلفاتي الموسيقية معه عبر أشرطة كاسيتات كانت تضم صـــدى سويعات الليالي التي قضيناها معاً في الوحدة الطبية .
وجدوا عام 2002 في صبيحة صيفٍ على الرصيف المقابل لمقهى (أبو ناطق) في الصالحية، جثةً شديدة الهزال غارقة ببحر من القيء والكحول .. ولم تكن تلك سوى جثة الفنان الكبير وأستاذ آلة الكمان ألأول في العراق، الموسيقار العظيــم الذي ألف اللحن الخالد :
(بالسلامة يا وطن … ما هزتك ريح) .

معلمات كنعان

كانت أجمل عزيمة لأمي هي عزيمة معلمات كنعان في المدرسة الإبتدائية للبنات، نغسل الممشى ثم نرش الحديقة ويكون الهول مرتباً بالفرش على القنفات وطبلات الفورميكا تتوسد عليها مواعين الكرزات ونحن محضرين مفاجأة قناني البيبسي كولا بعد الشاي والكعك .
كنَّ خمس معلماتٍ مبرقعاتٍ بالبوشي تتهافت منهن رائحة البخور بعباءاتهن السود المهفهفة وهن يضحكن بابتساماتٍ مازلتُ أفتقد شهيتها ويطلبن من أمي أن أغني لهن ماحفظته من أغاني عبد الحليم حافظ، فإنزويتُ في ظلمة غرفة نوم أمي وأبي واقفاً وحدي بغير خجل أغني أول مرة تحب يا قلبي بصدى صوت تسمعه المعلمات بصمت إعجاب لا أستطيع نسيانه، وكانت ست منى الشقراء بأثر أخت بغداد جميلةٍ على خدها الأيسر تبكي وهي تحتضني وتقول :
يمة .. إنته شكد حلو .

خبز ركاكــ

جدتنا (نَـقْــشِــين)، والدة نعمت علي الشكرجي، زوج خالتي سعاد المصلاوية،كانت بهية، ضخمة البنيان، ضحوكة بصوت ناعم لا ينسجم مع حجم زيها الكردي المتعدد الطبقات والألوان .
نلتم حولها وهي تخبز الركَـــاكَــ على الصاج  ثم تقلبه بخفة حاوٍ بتلك العصا القصيرة على الوجه الثاني وتمده  كأنها تمد توقنا لشهيته . في تلك ألأثناء تكون خالتي سعاد قد ملأت الدار زعيقاً بالسباب والشتائم وبلهجة كردية قحة متناولة جدتنا نقشين بأقذع الألفاظ لتثبت أنها سيدة الدار، لكن نقشين كانت تتغاضى وتسمع ما يعجبها فقط، تنظر إلينا مبتسمةً ثم تناولنا رغيف رقاق مع قطعة معلاق مشوية على صفحة الصاج الساخنة .
بقي حبنا يزداد لجدتنا نقشين حتى توفيت وهي تتوسد حضن خالتي سعاد المصلاوية  التي كانت عيونها تدر حينئذٍ دمعاً ومحبة لؤلؤيةً من مآقيها لعمتها نقشين .
ما زالت أذكر أمي وهي تصف أختها سعاد :
– طابور عسكر ما يكسر عينها .

سينما الخيام

والله العظيم كانت أمي حريصة أشد الحرص على أن أتمتع ببغداد حين سفرنا إليها لزيارة بيت جدي المصلاوي
حسين بانزين في الشالجية. ها هي تناول خالي قحطان الطالب في الخامس الثانوي والعارف بكل زواغير بغداد نصف دينار كي يأخذني للسينما ، وكانت (الخيام) هي المفضلة لديه لجودة أفلامها ورفاهية ديكورها وصفاء الأغاني الرائعة التي تصاحب إنتظارنا قبل مقدمات الأفلام السريعة . كنتُ أجد في ذلك الطقس السينمائي عالماً أسطورياً ظل يصاحب ذاكرتي حتى في الأحلام والكوابيس .
يأخذ بيدي خالي قحطان بعد الخروج من السينما إلى مطعم فلافل (أبو سمير) المجاور لبوابة السينما حيث نرتكن مقعدين على سلم المطعم المزدحم بالزبائن . لقد كانت الصمونة مع طبق الفلافل بحباته الأربع مصاحبا بالزلاطة وبطل البيبسي غاية السعادة بالنكهة والحميمية معه وهو يعيد علي سرد قصة فلم (أم الهند) ودور البطل (برجو) الذي سيتحول إلى إيقونة درامية في علاقاتي مع أصدقائي من عشاق السينما .
أحببتُ خالي قحطان حد النخاع ، وأحببتُ فيه تحمله ثقلي وهو يشيلني على كتفه من محطة الباص إلى الدار في الشالجية حيث تستقبلنا أمي وقد سعدت بنومي على كتف أخيها الصغير .. قحطان .. والذي ما علم أنه يحمل على كتفه من سيعشق زوجته فيما بعد .

سندباد الشيخ عمر

هو سائق سيارة أجرة شوفرليت 54 على الخط من (باب الشرجي) إلى (باب المعظم)، ذلك في العام 1961 وحتى أعوامَ لم أعلم متى انتهت، كان ذلك هو جدي (رضا دريب) زوج خالة أبي بيبيتي (سعدية بنت كاظم الدبش) والدة رازقية الحنونة، وسجودة التي تزوجت عمي صاحب أبو عيون الباصورك، وفتحية التي خلفت أسمن بنات وصبيان في عائلته العجيبة، جاء بهم جميعاً من (هبهب) وأسكنهم معه أبناء وبنات وأزواج وزوجات وأحفاد في طابق عمارة واحد في (الشيخ عمر) يتقاسمون فيه معاً الهول والمطبخ والحمام … سميناهُ كذلك (جدو رضا الأعضب) لعوق ولادي في يده اليسرى، لكنه رغم ذلك كان من أمهر سائقي السيارات والفيترية في شارع الشيخ عمر .
الجميل في أمر جدي (رضا دريب) أنه كان قد (إستكعد) المطربة وحيدة خليل في خمسينيات القرن الماضي لعامين وصرف عليها نصف إيراد سيارته التكسي وتباهى بذلك بين كل أعمامي وأخوالي وحتى زوجته (بيبيتي) سعدية  التي تباهت بهذا وكأنه امتياز لها أيضاً، لأنه بسبب ذلك كان كريماً (لكطع النفس)، يولم على العرق المستكي الباجة لكل أقاربه على سطح العمارة المطلة على ساحة السباع في الشيخ عمر متنبئاً عبر حديث شيق أن المطربة وحيدة خليل سوف يكون لها شان اجل مما نتصوره، تأكدت صحة روايته في ولديه (رزوقي) الحداد الذي أصبح عازفاً ماهراً للكمان، و (هوبي) أبو السينمات الذي ما زال لحد هذا اليوم من أمهر حلاقي علاوي الحلة وقد استوطن داراً في محلة الذهب .. قرب خرائب سينما زبيدة .. إذ يعود من دكانه مساءً ويفترش بعد العشاء الرصيف المقابل للسينما التي تحولت إلى مستودع للسكراب نائحاً بسخرية سوداء:
-(بغداد مبنية بتمر … شَــــلِّــعْ وكُـــلْ خستاوي) .
مات ولم يمت جدي (رضا دريب) أو (رضا الأعضب)، ماتت ولم تمت بيبيتي (سعدية) خالة أبوية، مات ولم يمت (رزوقي) .. ولم يمت أولئك القوم … لكنما أين  … (بغداد)؟

نحيب في البياع
رزمنا أمتعة السفر المعتادة بكل خميس من كنعان إلى بغداد مع (الصوغة) التي كانت (علاكة) بيض عرب وديك هراتي أحمر وكيس خام أبيض مليء باللبن الخاثر . حشرنا كل ذلك في صندوق سيارتنا (الأوبل) السوداء وتصدرنا أنا وأختي هناء مع أمي (الكشن الكدامي) لصق أبي .
كان غريباً أن لا نذهب كما اعتدنا إلى بيت جدي المصلاوي (حسين بانزين) في (عكد المعدان) بمحلة (الفضل) ، بل إلى (البياع)  وهو حي جديد على أطراف جنوب بغداد إذ أن تلك السفرة كانت لترتيبٍ ما أعده أعمامي وأبناء عمهم بين جدي العصملي مع أخيه الأكبر (توفيق العبو) في بيت عمتي وهي زوجة ابنه (موسى) أول حلاق في هذا الحي  .
الصورة بلقائهم بعد فراق دام منذ الحرب العظمى وحتى العام 1965 أسترجعها وقد تهاوى العصملي بالنحيب على رأس أخيه توفيق العبو طالباً منه السماح على الهروب الذي ارتكبه حين التحق توفيق بـ (الســـفر بر) لقتال الإنكليز في الفاو وعاد بإصبع مبتورة يوم كان جدي على الرغم من عصمليته مختبئاً في بيت زوجته الأولى في قرية (جيزاني الإمام) في بعقوبة.
بكيتُ لبكاء الأجداد الطاعنين في الغياب عن بعضهم ، ولبكاء أعمامي وأبناء عمهم فرحاً بمرآهم كل يحتضن الآخر كأطفال شابت رؤوسهم وما شابت بهم السنين ، فقد راح العصملي يفت لحم التشريب وينثره أمام أخيه في جفنة جمعتهما معاً عندما كان النحيب وشهيق زفرة الدموع  يعلوان على صوت ضحكهما فرحاً باللقاء بعد أربعين عاماً .. عدنا مع جدي العصملي إلى كنعان صبيحة الجمعة وعدنا بهِ مساءها ثانيةً إلى بغداد كي نسافر صحبة المتبقين من ضيوف البياع إلى النجف لدفن جدنا توفيق العبو .

كنعان 63
كنتُ في الصف الثاني الإبتدائي ساعة لحقتُ أبي باكر صبيحة شتائية باردة وهو يخطو مسرعاً ليلتقي أمام باب دارنا استاد غانم المصلاوي مدير مدرستي الإبتدائية في كنعان حاملاً راديو ترانسستور لا صوت فيه وهو يكرر بوجلٍ :
–     أبو سعد ، البث انكطع من الصبح ، يمكن صار انقلاب  .
–     مو معقولة استاد غانم ؟!
مساءاً عاد البث كذلك إلى التلفزيون وقد تراصت كل العائلة أمامه ، أنا لصق أمي ، وأختيَّ غفيتا مبكراً تحت لحاف ثخين قرب جدتي حذو المنقلة ، كان العصملي يدخن بشراهة غير مألوفة وهو جالس على سريره يرقبُ الشاشة بأبيضها وأسودها .
صاحت أمي فجأة :
–     أبو سعد ، لا تخلي الولد يباوع  .
عندها رمى أبي البطانية على رأسي وراحت أمي تحتضنني وتئن بصوت خفيض . غير أنني سمعتُ الصوت المعلِّــق وهو يصف مقتل الزعيم . أخرجت رأسي بشدة من تحت البطانية ورأيت الجندي ضاحكاً وممسكاً برأسه وهو يسحبه إلى الخلف . كان خيط الدم المنسال من زاوية فمه واضحاً كأنه كل طريق إلى الموت .. صرختُ :
–     لاتكولون مات عبد الكريم .. لا تكولون مات عبد الكريم … لا تكولون …..
صرخت أمي بلوعةٍ على صراخي ثم تهدج صوت نحيب جدي العصملي الشيخ بتؤدة القادرين كرهاً على الإحتمال .. صمت أبي مذ حينها .

سندويجات
في عام 1966 نقل أبي من ناحية كنعان في بعقوبة إلى مستوصف (الدهاليك) في سبع أبكار من بغداد . وأجرنا بيتاً لصق بيت عمتي ( حظية ) الملاية الحسينية لتستمتع أمي وبيبيتي بالقرايات العاشورائية طيلة شهر محرم . عمتي حظية ربيبة قرية جيزاني الإمام في ديالى صارت بغدادية تضحك على لكنتي القروية الممطوطة على طريقة أهل بعقوبة ، ذلك أني كنتُ أقول ( البستايان ) بدل (البستان) أو (ديري بولج عليه) قاصداً (ديري بالج عليه) ليتأكد ضحك ابني عمتي يوسف وعيسى على هذا الصبي الممغنط بدشداشته المقلمة ولسانه الأعوج  .
دار بي عيسى في أنحاء صليخ العتيك واشترى لي سندويج روست من محل أبي قيس المصلاوي . الروست ؟ .. سندويج ؟ .. ما أغرب هذه الكلمات وما أطيب هذه اللفة ؟!
ثم اصطحبني يوسف بعد يومين إلى مطعم الجنابي وأذاقني طعم الكص .. يا ألله ماهذه الجنة .. !
أما ابن عمتي الأكبر موسى طالب المسرح في معهد الفنون الجميلة فقد تخير لي مطعم كباب عمنا عبد الواحد بعد أن تجولتُ معه في أبهاء المعهد وشاهدت أول مرة في حياتي الفنان كامل القيسي والكاتب علي حسن البياتي ومشغل رجل نحات راحل اسمه جواد سليم .

كما كنت

هو ربيع العام 1981 يوم دَلَـقَـتْ زوجتي سطل ماء خلفنا .. وكنتُ في ذلك اليوم الملازم الأول طبيب الأسنان
الذي أقله صديقه نائب الضابط المصور الشعاعي حمد الجبوري بسيارته الخاصة إلى وحدته الطبية على حدود الجبهة المشتعلة، إذْ نأت بيَ الأرض والمعالم عن كل ما تَــقلَّـبْتُ فيه من نعيم أواسط السبعينيات في محلة راغبة خاتون التي تملأُ ذاكرتي بعطر قداح النارنج .
مــررتُ مرتبكاً ونحن في الطريق إلى (سومار) بكل محطات طفولتي، بعقوبة، كنعان، بلدروز، الروابي ومناقع المياه وحقول تمن العنبر في الإتجاه نحو أفق تلالٍ وقممِ جبالٍ تلوح خلف أطراف مدينة الرمان مندلي .
يا لله .. أدمنتُ بعد سنتين في جدب جبهة الحرب تلك النائياتِ بعبق الشهداء. أدمنتُ طعم الوليمة التي تفوح برائحة صمون الجيش الأسمر من قصعة اليابسة والتمن والبصل على حافة الخنادق. كانت قذائف الهاون تئز وتنفجر ذات مقربة أو مبعدة .. ولا خسائر في الأيام. طابت لي تلك الرواقم كأنها ماء الورد يوم عاد النقيب عباس المصلاوي إلى وحدتنا الطبية مبتهجاً ضاحكاً بعد أن اجتاز بسلامٍ حقل ألغامٍ ضد الدبابات، لكنه تمزق في غفلة قدمٍ عند حضن مأوىً مرتجل في الأرض الحرام .

سلطان وغالب ومحمود
ظل جاري (سلطان) مثار إعجاب ضباطه وجنوده لما تميز به من مهارةٍ وموهبةِ تدريبٍ في مهنةِ ميدان القوات الخاصة
منذ كان تلميذاً في الكلية العسكرية في ثمانينيات القرن الماضي. أما (غالب) فقد اجتاز بنجاحٍ محاولتي امتحان كلية الأطباء الملكية البريطانية في السبعينيات ليعود استشارياً تميز بحظوة مرضى ومسؤولين من مختلف الأعمار والمهابات الحكومية. بقي (محمود) ضابطاً في موقع المحافظة العسكري ملائماً لكل أوصاف التدين والتحزب المسموح به لحملة الإيمان التي فرضتها البطاقة التموينية في سنين الحصار والخبز الأسود.
زوجة سلطان كانت من بنات أشراف بغداد في محلة الشيخ كمر، وقد حملتْ عن كاهل زوجتي عناء الطبخ لفاتحة والدي بكل أصناف الوجبات المطلوبة لتلك المناسبة من طرشانة وبامية وتمن وهبيط لحم عجل و(حلاوة موتى) من التمر الزهدي. وكانت زوجة غالب قد تركت مدينتنا وانتقلت إلى بغداد لتأسى وحيدة في منزل كبير في حي الضباط بالغزالية بعد أن بقينا نفتقد ألذ صينيةٍ لوجبة يوم الجمعة التي كانت تكرمنا بها من يديها البصراوية بسمك الصبور والعنبة وطرشي النومي حامض. قبل ثلاثين عاماً لم يكن محمود ليسمح لزوجته (خنساء) أن تتواصل معنا كثيراً لأن ابني الأشقر الصغير كان قد أسرَّه يوماً ما ببراءة طفل عمره ثلاثة أعوام (عمة خنساء كلش حلوة).. فأصرَّ على منع دخولها إلى بيتنا مهما كانت المناسبة..!
مازال غالب حياً يتكسبُ من عيادته المتواضعة في دولة عُمان إذ هاجر إليها بعد أن هُدِّدَ بقتل أبنائه واختطافه لأنه (زنكين)، وتوفي سلطان بسرطان الكبد على الرغم من أنه لم يذق يوما طعم النبيذ أو الخمرة ولم يكن مترهل وزنٍ أو وريث مرضٍ من هذا النوع، لكنه أصيب بتكيس الكبد الخبيث بسبب الخضروات التي أدمن تناولها طرية وعذراء من بستانه في قرية جيزاني الإمام. بولعٍ ودمعٍ سخين قبلتُ يد الشيخ يحيى الذي ألحد محمود في قبره في مقبرة السيد إدريس في بعقوبة، فقد خُطِفَ وقُتِلَ على يد أقاربه المتطرفين لأنه قرر نبذ كل خطأٍ في حياته.. لاسيما بعد أن تزوج إبني الأشقر الصغير أجمل بناته فصارعزيز عمته الخنساء الوحيد .
جدي .. وعمر الشريف

كان العصملّي معروفاً بين أبناء عشيرتنا في بعقوبة وقراها بحذقه للطب والشعر ، وجرأة المغامرة ، وشيء بلا حياء .. هو عشق النساء بلا استثناء .
لطالما أجلسني بين يديه وهو يلف سجائر المزبن ويدخنها بلهفة عمر دائم متحدثاً معي بعمري الطفل عن عاهرات الصابونجية ، وتلك التي حاولت الموت لأجله بعد ليلة حمراء كي ( يستكعهدها ) مقابل الإحتطاب  والطهي والخبز والتنظيف والتلطيف ، وأن تنادمه بعرق هبهب كل ليلة ، وغير ذلك من خوافي الفراش الطيب كما يحب ويرغب .. مقبلةً يديه أن يخلصها من حياة المومسات بإشراف جندرمة الصحة .
صاحت به جدتي فطومة وهو يتألق سعادةً القص معي :
–    موعيب عليك تحجي هالسوالف ويه الولد !؟
فأجابها بلا تردد كأنه مزمعاً ذلك من قبل :
–    فوتي بربوك ، ليش آني مو طلكتج من عبد الله وأخذتج ضرة على رقية ؟!
لم تجبه جدتي فقد كانت – على الرغم من كل كهولته –  تعشقه حد النخاع ، وتأكدت لي براعته مع النساء عصر ذات ذلك اليوم وأنا أشهد فيه جارتنا صباح ، الشابة الشقراء البارعة الجمال ، تمسك يده بشغف وهي تحدق في عينيه ، مصغيةً لحكاياه عن عاهرات الصابونجية ، قائلةً :
–    جدو ، آني أموت عليك ، إنت تشبه عمر الشريف .

حبيبتي
يقولون إن الزمان استدار كهيئته الأولى ، وذلك عندي مذ أبصرتكِ وحيدةً على حافة أريــــكةٍ في مقصف فندق الميليا منصور ببغداد تنتظرينَ شيئاً ما مربدَ العام 1997 .. هل أخطأتُ في التأريخ أم أن فنجان قهوتي الذي دعوتكِ إليه شهد لحظة كان لابد من صلبها كمسيحٍ على شفا حفرة من العشقِ ، فقُلتِ :
( نعم )
حينها تأكد لي كم كنتُ مخطئاً منذ ولادتي أن كل الأشياءِ حين اتجهت شرقاً .. كانت تتــــجه إلى تخوم غربٍ قصي على ضفاف البحر المتوسط في غزات ويافات .. إليكِ .. وأحـبكِ .

النقطة
إستيقظت ضحى اليوم وبي رغبة كافرة للكتابة عن أي إحتمال يبرر هذا الجموح . إستعذت بالله ولعنت كل أجدادي قبل الإسلام، وبعد الشيوعية، ونقطة بداية ميشيل عفلق التي لا علاقة لها مطلقا بنقطة ماياكوفسكي .. والتي ترجمها ألأخير إلى طلقة صنعت بداية مجده الشعري لدينا في الشرق الحزين .
لا أعلم لم تذكرت عرج بوريس باسترناك ودشداشة فلوبير؟ على الرغم من إيماني بأنني أنمو نحو شخصية عصابية ستتجزأ إلى ألف إزدواجية تنتهي صارخة بعد آخر شظية:
– دَنْـــبـَــلـــــــة ..!
ولا أقصد هنا دملة مليئة بالصديد، بل أقصد تلك البطاقة الوردية التي ترد لك سعرها بعد شطب إحتمالٍ ما من جغرافيتها المباركة في نادي نقابة الأطباء أو كلية الطب عام 1977 في بغداد .
ظللتُ أردد مذ لحظة إستيقاظي (على عناد علوي الهاشمي):
كيف لا يجئ الحزن إلي وأنت معي؟!
إذ كانت حفيدتي تمارا (سنة واحدة) تحاول سد أنفي بكيس مطاط تلعب به كي تجعلني أضحك ..!
وحين تصيحُ : بـــيـــبــي
أهيج كأني جمل حجازي:
(ولج ديري بالج عليها )
فتحتضن زوجتي العجوز الحفيدة تمارا كأنها تحتضن تلك اللحظة بيننا ونحن نختلي طلاباً معاً خلف جدران كلية الصيدلة عام 1976 قرب القسم الداخلي للطالبات، نسرق القبلات ومس بعضنا حتى نشوة النصر من العدو الصهيوني .
لهذا السبب، تزوجت أحلاماً .. وأنجبت أحفاداً، ولله ألأمر من قبلُ ومن بعدُ .

معركة الجزائر

من تقاليد شباب الستينيات للسهرة أو التنزه على شواطيء نهر خريسان في بعقوبة أن يرتدوا (القاط)
بقطعتيه مع الرباط على القميص الأبيض ثم  تصفيف (البُكلة) بما يتناسب وعِظم أجمة الشعر لتشبه (بُكلة) الممثل الأميركي جيمس دين .
وبعد أن أتمَّ إبنا عمي أياد وفؤاد كل تلك الطقوس قاما بما ينبغي لترتيبها أيضاً على مقياسي الولادي وهما يتنافسان على تصفيف (بُكلتي) وتهذيب بدلتي، لأنني في كل الأحوال ابن عمهم الصغير الريفي القادم من كنعان والمعتاد على الدشداشة والحزام والحفو صيفاً وشتاءاً .
عبرا بي مساءاً إلى ضفة نهر خريسان الشمالية وأنا أتبختر ببدلتي وبكلتي إلى بيت أبو جورج التلكيفي أبو الكبة المصلاوية، حيث التقينا بصديق آخر قد تزيا كذلك ببدلة سوداء ورتب شعره بأفضل مما اعتنيا به، تحلقنا جميعاً حول طاوة أبو جورج على البريمز وهو يقلي لنا كبة موصل لم أذق في حياتي أطيب منها وقد تخير كل منا قطعة تفيض سخونة ملفوفة في نصف رغيف خبز نقضم منه وهي تسيل سمناً وبهارات ونكهة كأنها كل الذاكرة .
كانت تلك ذخيرة حضورنا إلى سينما النصر في بعقوبة وهي تعرض فلم (ماجدة) بطلة معركة الجزائر للمخرج الشاب يوسف شاهين وقد حجزنا اللوج الأوسط من الطابق العلوي فيها مستمتعين ومنفعلين بأحداث ومشاهد الفلم العاصفة بالثورية والتحرر من الإستعمار التي تخللها تصفيق النظارة حين كل طلقة يطلقها ثوار حي القصبة في العاصمة الجزائر على القوات الفرنسية .
كان لكل بطل من الثوار في الفلم (بُكلة) لا أتذكر شكلها بل أشمها في كبة أبو جورج في بيته في الضفة الثانية من نهر خريسان في بعقوبة … حتى الآن .

بعد خمسين عاماً

عندما أدركتُ مراهقتي في الصف ألأول المتوســـــط، كنتُ من أشــــــــد المنافسين لأصدقائي رامي وسلام في كرة القدم في درابين محــــــــلتنا، أطلقنا على فريقنا إسم (نسور راغبة خاتون)،
ولطالما كانت أمهم الشقراء الجميلة بشعرها القصير تحضر لنا لـــــفات كباب الطاوة مع الخضرة والطماطة زوادةً لمتعتنا البريئة حين نـــــغادر الدربونة ونقرر لعب الطوبة في الحديقة المقابلة لقصر فتاح باشا . كان أبو رامي سياسيا يسارياً معارضا تـــــــحمل عبء اعتقالات مريرة فــي سجون أنظمة الحكم المستديرة في مدينتنا المدورة وهو من أبناء مدينة باسمة، مما زاد دكنة لون وجهه ألأسمر أمام باب دارنا الذي يقابل باب دارهم ، يعـــني (الباب عالباب) .. نتبــــــــــادل صـــــحـــــون الطـــعام ونعـــــــــــــيرهم أدوات المطــــــــبخ أو نستعير منهم راس بصـــــل أو كرصتين خبز كدأب نسوان أهل بــــــــغداد .

يوماً ما دعاني ألأخوان رامي وسلام مع ثلة من صبيان الـــــدربونة إلى دارهم لمشاهدة فلم كارتون على شاشة فانوس سحري جلبه أبوهم مـن بلاد بعيدة في إيفاد غابر .. حشرنا جميعا في غرفة الخطار الضـــــــيقة الأنيقة نراقب سير المشاهد الكارتونية حين فوجئت بيد أم رامي تجرني خلسة من ظلمة الغرفة  الى الخارج  طالبة مني مساعدتها في إعـــــداد كلاصات البيبسي للأصدقاء . لا أعلم كيف تجرأتُ على سؤالـــــها وهي تحتضنني بغفلة ثوانٍ في المطبخ :
– خالة .. هاي شنو؟ أشو إنتِ حاضنتني وتبجين؟
فأجابتني بشهيق زفرة تحرق صدري حتى اليوم بعد خمسين عاما:
– من تكبر راح تعرف ليش .
ماعلمتُ ماكانت تقصد بتلك الكلمات، لكنني بعد عشر ســـــــــــــنين من مغادرتهم جيرتنا،  كنت عائدا عــــــصر يوم ما من كليتي إلى دارنا وإذا بأمي تناديني:
– سعودي، خالتك أم رامي جتنا خطار اليوم وتسأل عليك، تعال ســـــــلم عليها .
إضطربتُ تماما عند رؤيتها وهي مازالت بكامل جمالها الذي أدركـــــتُـه بعد كل تلك السنين، حييتها بشوق وقلت لأمي بدون تردد أو خجل :
– ماما آني كلما أشوف أم رامي أتذكر هند رستم .
ولم تتردد أم رامي أن تضيف مع ضحكة غنج :
– وآني كلما أشوف سعودي أكول شعـــــندة هذا الولد ؟!
ثم أصرت على أن أوصلها الى منطقة باص المصلحة كي لا تـــــــــــعود متأخرة الى بيتها، رافقتها وهي تحتضن يدي اليمنى وتضغط علـــــــيها بحنوٍ تسرب الى دمي، وعندما وصل باص المصلحة، وقبل أن تـــــصعد اليه .. نظرتُ  إلى عينيها باكية ثانية بنفس تلك الدموع التي شَهَقَتْ بها بزفرة تحرق صدري حتى اليوم بعد خمسين عاما ..

مأمون ومريضتي الجميلة
فتح مأمون أبو الفلافل دكانه أول مرة في ركن ساحة مكتبة الصباح في الأعظمية ، كنا نصطف منتظرين قدومه وهو يهوي كفارس على ذلك الطشت العملاق الذي يفور بالزيت ، منبهرين بيديه اللتان تتسارعان بمهارة حاوٍ لدلق حبات الفلافل التي يتبقبق منها بأزيز النكهة فوران النضج . رحتُ أثناء ذلك أختلس النظر لفتاة صغيرة تساعده في فتح الصمونات وإعدادها للسندويج وهما يعملان بصمت يرغمنا على الوقوف في صف الإنتظار بلا ضجيج بل بدهشة المراقبة والتأمل . يسأل كل واحد منا قبل أن يناوله لفته :
–    صاص لو عنبة ؟
تناولت لفتي ورحت منغمساً بلذة الطعم اللاذع للصاص الحريف مع شرحات الطماطة والخس مختزناً سعادة فتى من بغداد بذكريات الفلافل ونكهة القداح الذي يغمر الأعظمية وراغبة خاتون في بوادر آذار ونيسان .
سألتُ مريضتي الجميلة الجالسة على كرسي الأسنان :
–    حسيتِ بأي وجع أثناء العلاج ؟
أجابتني بمرح :
–    كلما حسيت بوجع أتذكر شلون جنت تاكل لفة الفلافل من إيدي وآني بعدني زغيرونة ..

أرانب الحليب
أجلسني في حضنه ، وظل يناغيني بالبستات والأغاني والهدهدات كي أقتنع بشرب كوب الحليب . وماكنت أرضى لأن الأرانب لم تخرج من كومات السعف اليابسات ، بقيت أبكي رافضاً طالما رفضت الأرانب ذلك الخروج لكي أستمتع بقفزاتها البريئة وهي تخمش وجوه بعضها البعض ، ثم شممتُ نكهة القدح كأنها السكر وقد خرجت تلك الكائنات بسعادة البياض والبراءة ، فرحتُ أحتسي الحليب من يد ابن عمتي رياض وهو يضحك كأن الأرض استعادت ريق الأطفال وبهجة الحياة . هل كان ذلك في أبي صيدا أم بغداد أم كنعان ؟ .. مازلتُ أحب الأرانب .

الحرس القومي

على ضفاف نهر (خريسان) في بعقوبة، إصطحبني إبنا عمي أياد وفؤاد عصراً إلى الكازينو المقابل لسينما (ديالى) بعد أيام من انقلاب الرابع عشر من رمضان عام 1963 الذي أودى بحياة الزعيم عبد الكريم قاسم .
كنتُ وأنا الصبي القروي القادم من ناحية (كنعان) أتشوق بلعابي عبر نكهة الكباب المشوي على الفحم إلى المذاق العجيب، وإذ أشمها أول مرة تنتشر بدخانها بين الجالسين مستمتعاً بانتظار الملهوف لتلك الوجبة الشهية، راعني مرور لوري مليء بالصبيان والصبايا، بأثواب زاهية، يصرخون بكل حنجرتهم وكأنهم بسرعة فائقة  :
–    وحدة… وحرية… والاشتراكية،
بيها حرس قومي، ضد الشيوعية .
سألتُ مرتاعاً ابن عمي إياد    :
–    شنو هذا ؟؟؟
أجابني :
– هذا البعث.

بنت السراج
كنا طلاباً ثوريين ، و(سعدون) في العام 1974 كان مطرباً هاوياً نحتفي بصوته ودعوته على شرف حضور الشاعر الكهل الكبير (حافظ) إلى بيته ، لكنَّ (صبيحة بنت السراج) لم تكن محرجة أمام زميل وزميلة من كليتي ورفيق حزبي وعازف عودٍ وتشكيلي شاب حين طلبَتْ من زوجها سعدون أن يسأل الشاعر المُتْعَبَ عن دوره ودور شعره الغنائي بعد فجر الثورة التي باتت تغير العراق ، بيد أن (الحافظ) ردَّ عليها بنبرة مخملية  :
–    بابا (صبيحة) من فضلج أريد يابسة وتمن ورة ما خلّص بطل البيرة .
عقب حين من الحرج والصمت الذي غمرنا جميعاً أردفَ سعدون معتذراً بعد أن تناول الشاعر وجبته البغدادية :
–    عمو (حافظ) ، لا تزعل ، تره (بنت السراج) دارت ظهرها عليَّ ورة ما خلّصـِتْ عشاك .. عبالك الثورة والحزب والبيرة جانوا طابو مال الخلفوها .
إحتسيت قنينة الــ ( فريدة ) بمتعة مزهواً لتلك السهرة الثورية التي جمعتنا بسعدون والشاعر الكهل الكبير ساعة ودعنا ووزَّع علينا بقايا نسخ مجموعته (أحزان الدوالي) وهو مسرور بعشاء (اليابسة والتمن) ألأسطوري من دون إجابةٍ عن سؤال الثورة ..!
أصرَّتْ (صبيحة بنت السراج) بعد تلك الليلة .. على الطلاق من سعدون ، فأجابها لذلك وراح يردد بعدها بسنين  :
(ما تكدر تنساك الروح .. تريد اتظل ، تريد اتروح) .
كنا طلاباً ثوريين ، و(سعدون) في العام 1974 كان مطرباً هاوياً نحتفي بصوته ودعوته على شرف حضور الشاعر الكهل الكبير.. رحمه الله .

في الطريق إلى الراقم 1172

خرجتُ لأستنشق الهواء بعد أن تشبعت رئتيَّ بعطن الملابس الخاكية التي مزقتها الشظايا المختلطة بالطين والدماء ، إذ لم أتماسك حين أمسك أحد جرحى جنود القوات الخاصة يدي وأنا أُضمد جراح رأسه ، مرتعباً ، يسألني :
–        سيدي ، ألله يخليك خو مو راح أموت ؟
–         لا إبني إصابتك جداً بسيطة ..
كنتُ أضغط بقطع الشاش على نسيج مخه الذي بات مندلقاً إلى خارج رأسه بفعل شظية أطارت سقف قحفه بالكامل ، وكان ساعتها قد راح يغادرني إلى عالم آخر بوجه رضي لا أثر لأي معاناة ألم عليه .

وقفتُ أنظر إلى وديان ( نفط شاه ) ، وقمة الراقم 1172 الذي تتوجه سحابات دخان القذائف المتواصلة ، سحبتُ نفساً عميقاً من سيجارتي حين شهقت بدموعي فجأة وأنا أشاهد رتلاً آخر من عربات جنود القوات الخاصة المستجدين في طريقهم إلى الراقم وقد اشرأبت أعناقهم وعيونهم ترنو بشيء من التساؤل إلى بقايا أجساد عشرات الشهداء التي صُفَّـتْ على الأرض أمام بوابة وحدتنا الطبية بانتظار إخلائها .. ومازلتُ أرنو بشيء من التساؤل إلى جثامين عشرات الشهداء التي تنتظر من يخليها ويرفعها عن الأرض .. منذ العام 1981.

عمى بعينك
في ضحى جمعة حزيرانية ، كنا نعود جدي ( حسين بانزين ) في مرضه الأخير ، وقد إحتضنني سعيداً بباب الدار خالي قحطان إذ مابرحتُ مشروع فيلم في سينما الخيام يتلوه عشاء فلافل باذخٍ في مطعم أبي سمير تنقد أمي نصف دينار له في جيبه على ذلك . بيد أن وجود ثائر ابن خالتي أسعدني أكثر لأنه قريني في العمر والتنافس على كل شيء قبيح أو جميل .
سأَلَنا خالنا قحطان بخبث لذيذ :
–    يافريق فاز بالدوري هذا الموسم ؟
فأجبنا معاً :
–    القوة الجوية .
وأردف :
–    ومنو أفضل حامي هدف ؟
قلنا :
–    حامد فوزي .
وكرر مفاجئاً:
–    منو رئيس وزراء العراق ؟
أجبنا بصوت عال :
–    أبو فرهود .
فضحك خالنا قحطان بهستيرية وكرر سؤاله :
–    إنجبوا أدب سزية .. أريد إسمه ؟
–    طاهر يحيى .
وبغتةً وجه السؤال لي فقط :
–    منو انتصر بالحرب قبل اسبوع ؟
قلتُ بلا تردد :
–    أكيد خالو ، إحنا العرب .
تلبد وجه خالي قحطان بعد أن أردف ثائر ابن خالتي ضاحكاً على إجابتي :
–    عمى بعينك سعد ، وِلَك إسرائيل هي اللي انتصرت علينا .. يابومة .
… … …
… … …
لم تكن تلك نكسة حزيران حسب ، بل كانت هزيمتي في كل شيء .. إذ قرر خالي قحطان صرف النظر عن سينما الخيام ، وعشاء الفلافل عند مطعم أبي سمير ، ثم أعاد نصف الدينار لأمي وترك كلية الإقتصاد والعلوم السياسية والتحق بالكلية العسكرية .

بيبسي وكوكا
وفي صبيحة بعقوبة كنا أطفالاً ننشدُ بسرورٍ في (فِرْجَة العيد الصغير) بعد 18 تشرين 1963:
(( بيبسي وكوكا بالسِجِنْ ، والعب بكيفك يا مِشـِنْ ، ويساعدك سَفِــــنْ آبْ )) .
يشاركنا بذلك جمع الفرق الموسيقية الشعبية بطبولها وأبواقها النحاسية على العرباين والربلات التي تجوب بنا خمس دقائق بخمسة فلوس فقط للمرة الواحدة بين مدخل الفرجة وساحة المراجيح وديلاب الهوا .
كنا نمرح بكل سعادة الأطفال بالعيد حين كان البيبسي ( البعثيون) ، والكوكا (الشيوعيون) معاً في السجن ، والمشن (عبد السلام عارف) يلعب بكيفه ، ويساعده سفن آب (رئيس الوزراء) ..!
ترى من كتب تلك الأُهزوجة ؟


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

4 من التعليقات لـ “سعد الصالحي: مراثي غيلان (الجرعة الأولى)”

  1. م.فاتن جميل سلمان يقول :

    ما هذه الروعة يا اخي سعد؟؟لقد ابكيتني وانا اقرا سطورك الغيلانية ..زاخرة ,جريئة,في احداثها ومضمونها ,تعكس بشكل واضح وجلي فلسفتك للاحداث وفق منظورك الشخصي والذي تصور فيه الاحداث في سطور مليئة بالحبكة,كالقصص الفديمة ,اما الاسلوب فهو متسلسل يغمر القاري بتفاصيل تساعده على فهم الاحداث تباعا.

  2. سعد الصالحي يقول :

    عزيزتي فاتن
    من دواعي سروري أن هذا العمل أعجبكِ وأعدكِ أن أستمر في العمل عليه حتى أتمه .. لأنك سوف تكونين بطلة إحدى هذه القصص بكل تأكيد .
    تحياتي وتقديري واحترامي أختي الكريمة .

  3. حبيبي الغالي سعد كتبت بكل امانه وصراحة كلام جميل وذكريات ممتعة ولكن لم تذكر سنين طوال قضيناها سويتآ معا في راعبة خاتون ايام وذكريات لاتنسى ابدااا تحياتي واحترامي لك يا اعز الناس

  4. سعد الصالحي يقول :

    حبيبي عماد سوف يكون لك في هذه المراثي دور كبير لاسيما ذلك الذي يتعلق بسفرك أول مرة في حياتك إلى بيروت وموقف خالي عدنان منك بعد عودتك وأيامنا التي قضيناها في بيت خالتنا المرحومة وداد وتلك السهرة مع شهاب وكثير كثير .. محبتي الدائمة أيها الأغلى .

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"