تابعنا على فيسبوك وتويتر

رمضان مهلهل سدخان

book_horklyaصدر مؤخراً ديوان ( هورقليا ) للشاعر البصري محمد محمد صالح ، وضمّ 15 قصيدة. وقد حمل معظمها ، إن لم اقل جميعها ، نَفَساً فلسفياً ، تأملياً ، صوفياً ، في محاولة جادة لاكتناه أشياء ماورائية كانت المحرّك الأساس لكتابة الشاعر لقصائده هذه ، ومن بين هذه الأشياء : اصل الكون ، اصل الوجود ، اصل الإنسان ، … وليس انتهاءاً بأصل الأصل ، إذ أن الشاعر طاف عوالم شتى وصولاً إلى الإقليم الثامن ـ إقليم هورقليا. لذلك يضع أمامنا قِطَعاً شعرية هي اقرب إلى التأمل الفلسفي والجدل الأفلاطوني عبر حواريات أراد من خلالها طرح رؤاه بأسلوب شفاف آناً ، وضبابي آناً أخرى ربما من اجل أن يوقع القاريء بذات الحيرة التي وقع هو يين أنيابها ، حيث جعل يصطرع بين عالم الحضور وعالم الغياب وكأنه يعيش في عالم برزخي.

إن ( هورقليا ) هو من مصطلحات الشيخ احمد زين الدين الإحسائي الذي يؤكد بأن العناصر الأربعة الداخلة في خلق الإنسان وهي الهواء والنار والتراب والماء أيضا لها أصل. هذه العناصر اسماها الشاعر بـ ( كرات التكوير / التكوين ) التي اخذ يلقيها واحدة واحدة كل حسب أصله :

فألقيتُ كرة التراب في عالم فلك التراب
وكم عانيت من إمساك كرة الماء
كي ارمي بها في البحر / المحيط
أما كرات النار الشوكية فقد أتممتُ
قطعها معاً والأصابع الجميلة المحترقة
كما أتيتُ على كرة الهواء
وإذ انتزعتها من هوائيتها
رميتُ بها في الآفاق
وهذه الأبيات إنما أريد من خلالها إظهار بأن عناصر الإنسان الأربعة ـ وهي الأمزجة بتعبير الإغريق ـ تتحلل فيذهب الماء إلى الماء ، وتذهب النار ( الدنيوية طبعاً ) الى النار والهواء الى الهواء والتراب الى التراب. وما يبقى هو فقط العناصر الأصلية ( أي اصل الأصل ). وهكذا فهي تعود عود ( مجاورة ) الى بارئها ، وليس عود ( ممازجة ) كما سلف قبل قليل ( أي النار الى النار والهواء الى الهواء … ) وهذا يعني أن هناك عودتين بعد الموت : مجاورة وممازجة.

إن العود الى الأصل يشير الى العود الى الصورة ، فالأصل هو الصورة التي خُلق منها الإنسان كما يظهر ذلك جلياً في قوله تعالى ” وخلقناكم من نفس واحدة “. وهكذا يذهب الإنسان عند الموت الى الإقليم الثامن ( على اصطلاح أهل الفن ) الذي هو عالم ( هورقليا ) :

ramadan_mhlhl_sdkhan1اندفع جسدي البرزخي
صوب رحاب
الإقليم الثامن
وهناك
في
عالم هورقليا
تجلّى وجه أبي

وهذا الجسد البرزخي سوف يحاسَب في العالم الآخر على ( الصورة ) لا على الجسم العنصري ( نسبة الى العناصر الأربعة الدنيوية ) ـ الذي هو بمثابة القفص الذي يحبس النفس داخله ، حسب منظور علم النفس الإسلامي. أي كما يذكر ذلك القران الكريم :”… وكسونا العظام لحماً “.

وعند الرجوع لابد من هذه ( الصورة ) الأصلية ، بسبب ثقل الإنسان وهو بهذه العناصر أو الهيأة :

الجسد الغسقي الثقيل
الثقيل
الثقيل
ما أثقل المثقلين على الثرى

وفي قصيدة ( ذرات ) يواصل الشاعر ذات المنحى ويعرّج صوب الكيفية التي خُلِق الإنسان عليها ويبتدئها بالتمييز بين الزمن والزمانيات حيث يقول بأن الأول ثابت والثاني هو زمن خاص لحظوي متغير :

الزمن .. بحر راكد
والزمانيات .. هوادج

ثم ما يلبث أن يعرّف الإنسان على انه ( مربع الكيفية ) ـ إشارة إلى الأمزجة الأربعة ، كما انه ( مثلث الكيان ) ـ أي متكون من روح وجسد ونفس وبذلك يكون المجموع سبعة ، وهو الرقم السحري الأسطوري. والإنسان بهيئته المسبّعة هذه يعدل السموات السبع والأرضين السبع ، وهذا مصداق لقول الإمام علي ( عليه السلام ) ” تحسب انك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر “.

وهذا الإنسان
المربّع الكيفية
المثلث الكيان
والأجسام أحياء طائرة
إلى العالم المجهول.

وبهذه القصيدة ( ذرات ) إنما أراد أن يؤكّد على حقيقة أن الكون هو عبارة عن ذرات ، وأن إيقاع الحياة متكوّن في اغلبه من ثابت ومتحرك وهو مكوِّن (الزمن ) الذي ميزه باصطلاحَيّ ( الزمن ـ البحر الراكد ) و ( الزمانيات ـ الهوادج ) ، الذَين يعملان معاً في حركة الزمان الدائرية ، تماماً كتبادلية الروح والجسد وتلازمهما :

والأجسام أرواح متغلّظة
والأرواح أجسام متروّحة

وكون الشاعر مأخوذاً جداً بالكون وسيرورته ودورانيته ولحظة خلقه ، الأمر الذي شكّل عنده ، أي الكون ، بكل ما فيه وبكل مَن فيه هاجساً جعله يرى ( الأرق الأبيض ) بعدما عجزت ( جفونه من الإنطباق ) ، حيث ظهر ذلك جلياً في قصائده ذات المنحى الفلسفي : ( نقطة الدائرة ) ، (النمرقة الوسطى ) ، ( ذرات ) ، ( هورقليا ) ، ( مرايا الأظلة ) ، … وغيرها. إلاّ انه ، مع كل ذلك الإفتتان الفلسفي ، تطلّ علينا بعض قصائده مشحونة بتيار وجداني شفيف يرى الحب انعكاساً لنسغ الحياة الصاعد المتفجر عنفواناً وألقاً لدرجة التماهي مع الآخر والتساوق معه :

التقى كحبيبَين اسمانا
وتطابق حرفاً بحرفٍ محيانا

ولا عجب في ذلك ، فللإسم في مفهوم الشاعر ( جغرافية ) ينطوي على سرّ ( لا يُعرَف إلاّ بسرّ مثله ). وهذا التطابق المفلسَف يُدخلنا المرة تلو الأخرى في مجاهيل لانهاية لها ، وها هو الآن يقحم قارئه في علم الأوفاق أو ما يعرف أيضاً بعلم الحرف. فهو لم يركّز على الالتقاء المادي المحدود للحبيبين ، بل ركّز على لقاء اسميهما ، أو بالأحرى لقاء حروف اسميهما وتطابق [ توافق ] هذه الحروف ( كاف .. نون .. خُلقا متساوقين ). ومرة أخرى يسافر إلى الحرف ومدلولاته السحرية الفلكية ليقرأ من خلالها طالع حبّه. لكنه ينزل من علياء الرمز الحرفي ( نسبة إلى الحرف ) ليهبط إلى دنيا البوح أو التصريح المطلّس هو الآخر بالإيحاء :

ونكهة العناق حيث اتحاد الأجساد عند التفاف
الساق
بالساق

هذا وقد ضمّ الديوان ، فضلاً عن قصائده التي كتبها في مرحلة التسعينات أو ربما قبلها ، ضمّ قصائد حديثة كتبها بعد مرحلة السقوط وكانت هي الأخرى مشحونة بتأثيرات هذه المرحلة ولا أدريتها وغموضها : ( كل الذي نريد / إنّا لا نريد ) ، وكأنه شَعَر بالدوار كونه يركب ( على ظهر الكوكب الدائخ من الدوران ) أو ( الكون السكران )!!

وبعد ، فإن ( هورقليا ) الديوان قد لخّص فيه الشاعر خبرة سنين طوال من التفكر الفلسفي المضني في منحنى هذا الكون عبر التركيز على ماهيته وطبيعة خلقه ، بلغة شعرية شاعرية تنقلكَ من حيث لا تدري لتطوح بك إلى مكانيات الشاعر وزمانياته فتنصدم بـ( مثلث الوقت الذي لا تشيخ دقائقه وثوانيه ) وتدخل منقاداً بسحر إيقاع هذه القصائد في عوالم لا قِبََل لك بها : ( عالم من ورق / عالم من قماش / عالم من سواد / … ). ورغم كل هذه العوالم الرحيبة ، يلهج الشاعر ضَجِراً متململاً من ضيق دنياه :

ربما .. لا تتسع أرضي لرقادي
وشعوري
أنها
قد ضاقت كثيراً
كثيراً.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"