الرئيسية » كتب » كتاب متسلسل » شوقي يوسف بهنام : أودنيس وعصر الحذاء؛ قراءة لقصيدة (العصر الذهبي) (1)

شوقي يوسف بهنام : أودنيس وعصر الحذاء؛ قراءة لقصيدة (العصر الذهبي) (1)

shawki yuosif 4مدرس مساعد- جامعة الموصل
e-mail:- shawqiyusif@yahoo.com                                           
e-mail:shawqiyusif@hotmal.com                                            

في نص متشابك يمتزج فيه العذاب بالسخرية والعجب ، يطرح أدونيس إشكالية علاقة المبدع / الشاعر / أدونيس / بالسلطة . ولا أعني السلطة بمعناها المعروف … بل أعني بها سلطة الخطاب أو الانصياع الجمعي له ومن ثم صيرورته سلطة لا يجوز الخروج عنها . وعنوان النص ، عنوان جذاب .. اخاذ .. الا وهو ( العصر الذهبي ) Ages of Mankind  . والعصر  الذهبي هو تخيل اغريغي ، وهو اسم لمفهوم ، أول من أطلقه الشاعر اليونانيي ( هسيود ) في ( الأيام والاعمال ) وحذا حذوه باحثون يونان آخرون ، كما سار على ذلك الرومان ، وهو أن البشرية قطعت مراحل أو عصور عدة في الأزمنة الميثولوجية ابتداءً من عصر الكمال وانتهاءً بعصر الانحطاط . فالعصر الذهبي ، العصر الذي حكم فيه كرونوس ، كان عصرسلم ورفاهية وسعادة . وخلال العصر الفضي ضعف الشعب وقل نضجه . إنه عصر الحماقة حيث ظهرت الخطيئة . في العصر البرونزي استخدمت المعادن مع القوة الجسدية وظهر العنف . وفي العصر البطولي ظهر المحاربون الأقوياء . وفي ذلك العصر تم حصار طروادة . العصر الأخير هو العصر الحديدي حيث ظهر العمل والمشقات والخسة والظلم والانحطاط الكامل .( 1 ) . ذلك هو إذن التخيل اليوناني للعصور التي مرت بها البشرية . فالعصر الذهيبي بهذا المعنى هو ذلك العصر الذي لا يشكو منه الجميع من ظلم أو تعسف .!!!! . نعود إلى نص أدونيس ، فما أن يدخل الدارس إلى عتبات النص فأن ثمة عاصفة من العجب تواجهه . ولكن ما أنadonis 2 يخرج منه ، أعني من النص ، فأن ثمة سؤال ينتظره . ومفاد هذا السؤال هو : أهذا هو العصر الجديد الذي يبشرنا به أدونيس ؟؟؟. إذن أنه لبثس العصر . قد يكون النص تجربة أو موقفا مر به أدونيس … ولكنه موقف محتمل ووارد مع كل من لا ينحني لراية الخطاب . الخطاب ،هنا ، في نظر أدونيس ، سادي .. قامع .. جلاد .. الشاعر .. المبدع .. أدونيس .. هو الضحية Victim   ليس بسبب ذاته .. بل بسبب خطابه .. رؤيته .. موقفه … معنى هذا ، وكما يرى أدونيس ، ان عصره ..العصر الذهبي هو عصر خانق للحريات والرؤى والمواقف . الآخر .. خطابه .. رؤاه .. مواقفه غير موجود ولا يجوز أن يكون في حيز الوجود . النص مكون من ثلاثة شخوص هما :-
1-    الآمر
2-    الشرطي
3-    المبدع … الشاعر .. أدونيس
لنقرأ النص لنتعرف على الحوار الذي دار بين كل منهم ولنتعرف ايضا على معاناة كل منهم ، النفسية .. طبعا . يقول أدونيس في النص  :

–    ( ’جرّه’ يا’شرَطيّ … )
–    ( سيدي أعرف أن المقصلة ْ
بانتظاري
غير أني شاعرُ أعبد ناري
وأحبّ الجلجلة . )

–    ( ’جرّه يا ’شَرّطي
قل له إن حذاء الشرُطيّ
هو من وجهك َ أجملْ . )

آه يا عصر الحذاءالذهبيّ
أنت أغلى أنت أجملْ .

( الآثار الكاملة ، مجلد 1 ، ص 446 )

********************
ذلك هو الحوار إذن . الشرطي هنا هو الوسيط .. هو الوسيلة . منفذ الأمر . الصوت الأول هو صوت الامر .. صوت الخطاب .. صوت السلطة .. المطلوب هو أدونيس … المبدع … الشاعر .. مسألة مهمة هي ان أدونيس يعرف هذا المصير .. متصور لهذا الموقف .. انه ينتظره . ماذا تعني عبارته ( انه يحب الجلجلة ) صاحب الجلجلة معروف وهو المسيح . معنى هذا ان أدونيس يتماهى مع المسيح . سوف أترك دواعي هذا التماهي للمتلقي ولأدونيس نفسه . ومع`ذلك، فأن عبارته ( أعبد ناري ) تفوح منها ابعادا نرجسية واضحة . وهوكذلك مشغول بهذه النار منكفئ عليها لا علاقة له بكل ما يدور من حوله . إذن لماذا هو ملاحق .. مطارد ؟؟ . لا أريد أن أعلق على مفردة الجر بمعناها المباشر بل أريد ان اركز على الدلالة النفسية لها وهذا التركيز ، في تقديرنا ، هو الذي يهم أدونيس ويريد ان يعبر عنه . الجر يعني الارغام أو الأكراه على الأمتثال لأمر ما . وكذلك الاهانة والمذلة والسخري ومن ثم الخزي والعار . وهنا ، في موقف أدونيس ، أرغامه على الأمتثال لأوامر الآمر . إذن أدونيس هنا هو المجرور والشرطي هو الجار !! . أدونيس منشغل بعبادة ناره .  لايهم المكان . قد يكون البيت … المقهى … الجامعة … وقد يكون في الشارع لكونه مرصودا . ما هو دور الشرطي ؟ انه ليس غير وسيلة للجر . وفجأة ظهر الشرطي بزيه الملون ، الزي الذي يحمل دلالة الملاحقة . ملاحقة الخارجين عن القانون .. وكل الذين يقولون لا . وليس للذين يقولون نعم … نعم . أدونيس هو من أولئك الذين يقولون لا بل هو اللا نفسها  . فإذن كيف لا يلاحق او يكون مطلوبا ؟؟ . الشرطي بالنسبة لكثيرين هو رمز الأمن والحماية وأحدهم يقول لنفسه وهو يمشي : كيف لي أن أخاف والشرطي موجود هنا وهناك . أدونيس لا ينتمي إلى هؤلاء . أنه ينتمي إلى مجموعة الملاحقين والخارجين على القانون . أدونيس يمشي في الشارع وهو ينتظر في أي لحظة شرطي ذو شاربين كثين يجره إلى حيث يريد .الشرطي ، كما قلنا ليس غير وسيلة . ربما هو لايريد أن يكون كذلك . لكن هناك ما أجبره على ذلك . إذن الشرطي مسير وليس مخير !! . إلى هذه اللحظة الشرطي ممسك بيد أدونيس وهو لا ينطق ببنت شفة . ينظر إليه أدونيس ربما خائفا ولكن النص لا يخبرنا بهذه الكيفية . إذن أدونيس ليس خائفا من الشرطي بل هو ساخرا منه وربما مشفق عليه . ألم يشفق رجل الجلجلة على صالبه من قبل ؟؟ إذن كيف هو والذي يحب الجلجلة لا يشفق على شرطي ذو أفواه فاغرة تريد كسرة خبز لا غير.الشرطي هو الآخر ، ربما لا يعرف اللعبة ولكنه لا يستطيع الدخول في حلبتها . مسكين هو الشرطي إذن . ربما حقد على أدونيس لأنه ]عتقد أنه واحد من الذين يريدون العبث بمنطق الحياة ولذا ينبغى ان يجروا . وربما كان على علم بقضية أدونيس ولذلك هو متعاطف معه . يقول مع نفسه مسكين هذا الرجل أنه ذهب بنفسه إلى التهلكة . الشرطي رجل مهمش في اللعبة لا يقول غير : نعم سيدي … نعم … ويجر أدونيس إلى حيث يريدون . حتى أدونيس لا يلوم الشرطي ، انه مدرك لموقفه . نعم أنه ، وبهذا المعنى حيادي غير منحاز لا لأدونيس ولا لأمر . هو بين نارين . بين نار الانتصار للحق أو نار مناصرة الظلم … لازال االجميع في الشارع أو ربما في مركز للشرطة . النص يشير إلى أن اللعبة تمت في الشارع . ليس المهم المكان . المهم هو الموقف .  لقد رأينا من سياق النص ان الآمر أصدر أمرا بجر أدونيس من كم قميصه من خلال شرطي قال له : هيا معنا ولا تسأل إلى أين نحن ذاهبون . هناك أمر من الحكومة والجهات المختصة بالقاء القبض عليك ولا داعي للمرواغة أو اللإنكار أو اللف والدوران . أنت مطلوب وكفى . ورأينا ايضا أن أودنيس كان ينتظر أو يتوقع مثل هذا لذي حدث . لكن ما لم كن في الحسبان هو المقارنة بينه وبين حذاء الشرطي هذا .وتلك كانت المفاجأة في نظر أدونيس .  و لا تكمن المفارقة هنا ،أعني في هذه المقارنة فقط بل أنه أكتشف أ ن جمال وجهه لايقارن بجمال الحذاء أعني حذاء الشرطي . أين جماله من جمال ذالك الحذاء . لابد من ان نعرف ما هي دلالات الحذاء ورمزيته  في المنظور الإسلامي . وللتعرف على هذه الرمزية سننقل هذه الرمزية من المعجم الذي تعودنا النقل منه وهو معجم شبل . يقول شبل عن رمزية الحذاء ( الحذاء قمسم من الملابس ملوث بالقذارة الدائمة . ينسب إلى النبي قوله ( كل جزء من الملابس أدنى من العرقوبين مصيره جهنم ( البخاري TI جزء 4 ص 93 ) إن أسفل الحذاء هو ، أكثر من الحذاء بحد ذاته الذي كثيرا ما يختصر بنعل ، ما يعتبرسيئ الطالع ، ولهذا نرى العربي يأنف من ترك حذائه مقلوبا . يذكر غاست وجاكوب أمرا غريبا هو ” هدية النعال ” الرائجة في أقصى جنوبي الجزائر . والتي تتلبس معنى رمزيا ، زواجيا بنوع خاص ، يعرف ، في بلاد القبائل كما في سائر العالم العربي ، المركز الأجتماعي لشخص ما ” وأحيانا العرق الذي ينتمي إليه ” بمجرد النظر إلى نوع الحذاء الذي يتنعله ) (1 ) .  من المؤكد ، وفي نظر الشرطي وآمره أو الآمر وشرطيه ، فأن حذاء الشرطي هو الأجمل . من منظور سايكولوجي صرف يمكن أن نؤول نشيد أدونيس المتمثل في عبارته :
آه يا عصر الحذاء الذهبي
انت أغلى انت أجمل
يمثل بعدا مازوخيا أعني الشعور بالارتياح واللذة من خلال إيقاع الألم على الذات وعلى وجه الخصوص في الفعل الجنسي ، لا لشيئ إلا لأنه وصفه بالجميل والغالي . لكن في النشيد سخرية عميقة من أسلوب الدعوة إلى الخطاب وإجبار الآخر على الأمتثال له والسير على منواله . أنه إذن سمة عصر لا لغة له الأ لغة الحذاء وإذا كانت هذه اللغة قادرة على ضبط سلوك وتصرفات الأفراد وفقا لما يبغيه الخطاب ، فمن المؤكد أن تكون جميلة وغالية  ولذلك فأن عصرا تسوده لغة كهذه لا بد أن يكون ذهبيا .

الهوامش :-
1-    ماكس . اس . شابيرو – رودا . أ . هندريكس ، 1989 ، معجم الأساطير ، ترجمة : حنا عبود ، دار الكندي للنشر ، دمشق ، سورية ، ط1 ، ص 35 .
2-شبل ، مالك ،2000 ، معجم الرموز الإسلامية ، ترجمة : أنطوان الهاشم ، دار الجيل للنشر ، بيروت ، لبنان ، ط1 ، ص 90 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *