تابعنا على فيسبوك وتويتر

nadhum 7(( بقعة صغيرة فارغة _ تبدو جزءا من قاعة مهملة _  الا من قفص مفتوح على جهة اليسار .. البقعة للوهلة الاولى تبدو في حالة إظلام تام فلما يوجه الضوء عليها يظهر الشاعر قابعا في جوف القفص مقابل الباب المفتوح وبجانبه حقيبة عسكرية مكتظة ، ولا يكاد الشاعر يتحرك  بل يضع يديه حول رأسه  ليتقي اصواتا تهجم عليه من مكان ما يتضح فيما بعد ان مصدرها هو الحقيبة العسكرية المفتوحة ..))
صوت 1 : الخراب امامك
صوت 2 : الموت حولك
صوت 3 : أنت معقود بحبل اليتم
صوت 4 : ستغدو حطبا لنار الحروب

( الشاعر يتالم مما يسمع فيسرع الى الحقيبة فيقفلها بعنف فتصمت الأصوات كأنها قادمة من جوفها  )
الشاعر :( يخاطب الحقيبة ) لا .. لا .. كفى يا أصوات البغض ونعاق البوم .. ثلاثون عاما  وسمومكم تطاردني وتلتف حولي مثل آفة
( يلتف حول نفسه مرات ثم يشخص بصره باحثا عن أفق خارج القفص )
الشاعر : سأتقصى أسرار الشمس .. وسأقول لها
انتظريني أيتها الشمس
لانتشل صباحاتي من رصيف
ليس فيه سوى جثتي
( يدخل شرطي بخطوات سريعة حاملا سجلا كبيرا ثم يقف أمام الشاعر وقد فتح سجله ..)
الشرطي : ( بلهجة رسمية ) أنت تحدث ضوضاء وتثير البلبلة فمن أنت؟)basim furatالشاعر : ( ينظر الى الأفق نفسه  فكأنه يناجي الأفق ولا يجيب الشرطي الذي يبدأ بتدوين ما يقوله في السجل ) أنا باسم فرات  يا الله .. أتعرفني؟!
المخافر موشومة على جلدي
وأمي لم تلتفت للشظايا
حين مشطت صباي
فأهالت الشمع والآس فوق صباحي
الشرطي : ( متابعا استجوابه ) ومن يطاردك ؟ ولم سجنت نفسك؟
الشاعر : ( مازال ينظر للافق ) الموت يخيم على وطني منذ عقود بمآذنه وقبابه وأهله وأرضه .. لم يسلم أي شيء من هول الفجيعة .. حتى الماء قاموا بتجفيفه
( الشاعر يجول متخبطا بين زوايا القفص )
(  مؤثر / أصوات مدافع  وقصف الطائرات وإطلاق الرصاص)
الشاعر : ( بصوت مقهور )الحروب هي سجني وسجاني اختارتني ولم اخترها فأصبحت ظلي ومنفاي
الحروب التي كنت خاسرها الوحيد
رمادها أغلق روحي
وجفف زيت طفولتي
فمضيت ابحث عني
( الشاعر يعود الى الزاوية مكورا جسده مرددا بصوت حزين )
الشاعر : أواه .. أريد الخلاص من الشرطي
القابع في راسي
( إظلام سريع يعم البقعة)
( حين يعود الضوء إلى البقعة يفاجأ الشاعر باختفاء القفص والشرطي فينهض مصمما على أمر)
الشاعر : ( موجها كلامه الى الجمهور ) إلى الشمس .. إلى الشمس!!
( يسرع خارجا من جهة اليمين )

*           *              *
( ينهض من بين الجمهور المعلق رقم 1 قائلا )
معلق 1 : ( مواجها الجمهور )  ولد الشاعر باسم فرات يوم 1-3-1967 بمدينة كربلاء وبعد سنتين من ولادته قتل أبوه الذي كان يدافع عن جارة لهم تعرضت للعدوان من اغراب وهكذا تيتم الشاعر مبكرا..
( ينهض من بين الجمهور المعلق رقم 2 فيكمل السيرة)
معلق 2 :( مواجها الجمهور ) جاءت ولادته في كربلاء حيث القباب الذهبية ومنائر الاضرحة في المدينة المقدسة وشهدت طفولته الخرابات والزلازل والمحن على عائلته ومدينته ووطنه فحاصرته الماسي من كل جانب
معلق 1 : خدم في الجيش العراقي خلال حرب الخليج الأولى 1990-1991  فحول الفجيعة الى قصائد ومشاعر مكتومة وكان صوته وهو يلقي شعره يشبه في نبراته صوت المؤذن وهو يدعو الناس الى الصلاة إذ تسكن فيه الفجائع والحروب والحياة العسكرية وموت والده المبكر وأخيرا غربته عما حوله..
معلق 2 : في عام 1993 كتب باسم فرات قصيدة شبّه فيها العراق بأنه أصبح أسوأ السجون في التاريخ على مدار ألف عام فقيل له ان حياته أمست في خطر فهرب الى الأردن بعد اقل من شهر على نشره القصيدة وهناك قدم طلبا للأمم المتحدة للحصول على صفة لاجئ فاختيرت له نيوزلندة وطنا بديلا .. وفي الطائرة بكي باسم فرات لان نيوزلندة بعيدة وهو لا يملك النقود للعودة إلى العراق .. وهكذا ابتدأت تغريبته الطويلة .

*        *           *
( يدخل الشاعر مضطربا كأنه مطارد .. يتوقف أمام منضدة ضيقة تجلس خلفها امرأة شابة  وهناك لوحة خلفها مكتوب عليها :
( سيدوري  صاحبة الحدود )
سيدوري : ( تنظر الى الشاعر بدهشة ) من أين قدومك أيها الغريب؟
الشاعر : ( متهالكا على مقعد قريب  ويتكلم بصوت متهدج كأنه يعترف) من حزن كربلاء ونواح الأمهات .. من ليالي القهر والألم العراقي المزمن
أنا قادم من مدينة المنائر والإعلام الخضر والجراح المتناسلة
سيدوري : ( تدون المعلومات في سجل أمامها ) فما هو وطنك ؟
الشاعر ( ينهض بانكسار ويقف أمام سيدوري ) كربلاء هي روحي ..
لكنني بلا وطن ، فالحروب ما زالت تلاحقني ، والشظايا سعالي المزمن،
بساطيل الحرس مسخت ذاكرتي .. كل ما في راحتي رماد
سيدوري : وماذا جئت تفعل وسط بحار الحدود ؟
الشاعر ( يبتعد ثم يتوقف متخيلا انه أمام بحر هائج )
(( مؤثر / صوت البحر ))
الشاعر :أنا عبرت الحدود مصادفة وأروم ان اطويها في جيبي او تنثرني في كثبانها او أعاصيرها .. تحت لساني نهران يهدران  ومواجع الخوف تندلق من جيوبي لكني سأبادل الورود والقصائد بالشظايا
( يقترب من سيدوري ثم يهمس )
يا سيدوري يا صاحبة الحدود .. انا لم اقل وداعا للذين حولوا حياتي مستنقعا آهلا بالألم .. باركتهم ومضيت فأخشى ان يتبعوني
( يجلس على المقعد ثم يقول كأنه يخاطب نفسه )
هل عليّ ان اخلع قميصي المنكوب بالقذائف والوشايات والخسارات؟
هل اذهب لتعانقني سماوات ليست لي؟!
( ينتصب فجأة ويلوح بيده متوعدا سيدوري )
كلا يا سيدوري .. سأمخر عباب الحدود والحق بلهاث الفراتين في المدن القصية .. سأطاول الشمس لاستطيع مصافحة غربتي .. لن احرق جذوري ولن أكون وليمة شهية للأسماك .. سأحمل معي من الحروب تذكارا ومن البلاد جراحا … وداعا سيدوري .
( يخرج الشاعر )
سيدوري : ( تنظر الى المكان الذي خرج منه ) اذهب أيها الغريب وجابه الحدود والمدن القصية .. ولكن وا أسفاه .. ما اقل أملك وما أكثر ألمك ! .

*        *        *
( ينهض من بين الجمهور معلق / 1 )
معلق / 1 : ( يطالع في كتاب زهير الجبوري عن الشاعر ) غادر باسم فرات العراق الى الأردن عام 1993 وعاش فيها أربعة أعوام ومنها الى نيوزلندا حيث أمضى ثمانية أعوام  وكان يسعى إلى جنوب الجنوب وإذ وجد ان نيوزلندا هي أقصى الغرب وآخر بلد في العالم لذا صدم الشاعر لأنه لم يجد أمامه جنوبه من هنا تملكه الشوق والإحباط فظل ينشد:
لا جنوب ورائي لأصيح هنا بلادي
ولا جنوب أمامي فأتلمس منفذا إليه
أنا الجنوب المطلق
عّدتي تاريخ طويل من الانكسارات
( ينهض من بين الجمهور المعلق 2 )
معلق / 2 : ( يقرا في كتاب وديع شامخ عن الشاعر ) ولما اشتد حنينه الى الجنوب هجر الشاعر المنفى الأوربي ليتلقفه  المنفى الآسيوي حيث قصد الشاعر  بلاد اليابان وفي الطائرة التي أقلته الى منفاه الجديد سئل  الشاعر عما يدفعه الى هذه التغريبات المستمرة بين الغرب والشرق فقال
بحزن كظيم :
هناك
تركت على خارطة الطفولة
براءة ثقبتها عفونة العسكر
ومن البيت سرقتني الثكنات
ورمتني الى المنفى
وفي مدينة هيروشيما كان يتوقف أمام فجيعتها الكونية ويقول
توعكت حروبا
فاسترحت بظلال مناف

*                *                *
(يعود الشاعر للبقعة الفارغة حاملا حقيبته المفتوحة وقد انتفخت بحمولتها )
الشاعر : ( يرمي الحقيبة على الأرض ويستند بظهره الى الحائط )  لي أربعة دواوين .. اشد الهديل .. خريف المآذن .. هنا وهناك .. الى لغة الضوء  نزفتها طوال غربتي فالشعر خلاصي الفردي والشعر عزائي الوحيد.. ولكن اواه ما اشد لوعتي وغربتي في هذا العالم فالعراق معي أينما ذهبت
( هنا تتعالى أصوات من داخل الحقيبة )
ص 1 : أنا انزف قصائدي
خارج شرايين الوطن
ص 2 : هذه أشجاني
فيها العراق من رافديه الى رافديه
ص 3 : ترافقني ساحة الحرمين الى ويلنغتون بنيوزلندة وفي عمان والقاهرة ودمشق كنت أتمشى في شارع العباس وباب القبلة ووجدت الشذر الأزرق والسندلوس والكهرب في أسواق سدني وما أكثر المسابح والعقيق في أزقة هيروشيما ، وأسرعت في لاوس للسلام على الحر ألرياحي والتبرك في نهر العلقمي والنهنهة طويلا عند باب السلالمة
ص 4 : أشعاري تشهد أنني أسمعت العالم كله بعض رموزنا ومفردات أيامنا .. كربلائيلو / تل الزينبية / كف العباس /  بابل / أور /الحجر الكربلائي / سدرة المنتهى /خمبابا وكلكامش / الطفوف وعشبة الخلود ..
( الشاعر يندفع الى الحقيبة ويغلقها بعنف )
الشاعر : ( وقد صمتت الأصوات ) يكفي مدحا وإطنابا فلست الا شاعر منفي امن ان الحقيقة هي من توجه حياته فلم أكن راضيا عن نفسي او مذعنا لقدري .. يقولون أني حققت صيتا وتجاوزت أحلام الشعراء ولكن ما اشد خيبتي وانطفاء لهفتي
رسمت جدولا وقلت
هذا نهر الحسينية
فتلصصت عليه المطارات
وحاولت ألف مرة ان أخبّئ الفرات
لكنني عانقته
فخر أزيز المدافع من قميصي
( يجثو الشاعر على قدميه محزونا )
( تدخل سيدوري ومن خلفها الشرطي يحمل السجل ويفتحه ليدوّن فيه)
سيدوري : لماذا  أنت  حزين أيها الشاعر؟ .. حقّ عليك ان تفرح فقد طرت فوق العباب وجبت العالم من شرقه إلى غربه  كسندباد شعري وعشاق الشعر يسعون خلف قصائدك بكل اللغات فماذا تبتغي أكثر من هذا ؟
الشاعر : ( ينهض متثاقلا ويقف أمام سيدوري ) يا سيدوري أتعلمين أي محنة ينوء تحتها الشاعر؟ في أوقات الصراعات على الشاعر أن  يقول الحقيقة أكثر من سواه .. هكذا افهم دور الشاعر وكان علي ان افعل
( يدور حول  الشرطي الذي يستمر بتسجيل كل ما ينطق به .. ويسرع الشاعر بالدوران وهو يقول بلهجة ذات مغزى )
الشاعر : إن الشاعر او الكاتب الذي يغمض عينيه عن رؤية المعاناة الإنسانية متورط في خيانة البشرية .. لقد قتل وعذّب وهجّر الملايين في بلدي ومن أسرتي أنا ذهب خمسون ضحية فإذا سكت ألا يعد هذا نوعا من أنواع الخيانة ؟!
( يجثو الشاعر وهو يحيط رأسه بيديه  فيقوم الشرطي بالإسراع بالكتابة)
سيدوري : ( تجثو الى جانبه وتحاول التخفيف عنه ) رويدك ولا تقسو على نفسك فقد أعلمت الرياح وأريت الجبال حجم معاناتك ومحن شعبك فماذا بوسعك ان تفعل سوى هذا؟
الشاعر :( يهز رأسه أسفا وعجزا ) يا سيدوري أنت لا ترين ما أرى
أرى دمي يتدحرج بين الحدود
أتوسل بالكلمات ان تجمعه على الورق
( ينهض مبتعدا عن سيدوري لكنه يرد عليها بغضب )
لا قيمة لكل ما نحققه ان لم يصمد أمام التاريخ .. لقد فزت بالشعر والشهرة وذكر العالم ولكنني تركت هناك بلد الملايين : مليون شاعر ومليون أرملة ومليون قتيل ومليون يتيم وعشرين مليون نخلة مقطوعة فكيف تريدينني ان افرح ونحن أبناء فجيعة تتناسل؟!.
( الشرطي يقطع كتابته ويقف مبهوتا وهو لا يدرك ما قصده الشاعر )
سيدوري :( وهي تقترب ثانية من الشاعر) ولكن ما الذي يوجب حزنك  ؟
الشاعر (  يستدير بسرعة ويواجهها بعبارات  عصبية ) يوم عبرت الحدود قبل ثمانية عشر عاما سألت نفسي : هل يمكن ان أودع معاناتي واستلابي وخرابي عند الحدود ثم انطلق نحو العالم الجديد؟  واليوم أرى الجواب في  ماض  يسوّس ذكرياتي بضحايا العنف والمجازر وتفزعني صور الاستبداد وفجائع الحروب وليل السواتر والسجون والرعب..
( يبتعد عنها بضع خطوات ثم يعود مغيرا نبرته )
الشاعر : ماذا افعل يا سيدوري ووطني إما ثكنة عسكرية او زنزانة مظلمة او مقبرة جماعية ؟!
( هنا يتوقف كأنه توصل الى موقف جديد فيه خلاصه )
اسمعي يا سيدوري لقد انتويت أمرا .. سأعود .. نعم سأعود فهناك أمي وباب السلالمة وكربلاء عاصمة الدموع !.
( الشاعر يسرع خارجا)
إظلام

ناظم السعود
الهندية / 30 – 9 – 2011


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"