تابعنا على فيسبوك وتويتر
مجدي ممدوح

مجدي ممدوح

ahmad khalaf 3اذا كان احمد خلف قد ولج لعبة الميتا-سرد على استحياء في روايته الأولى (الخراب الجميل, فان هذه الرواية , وان انتمت شكلا إلى الميتا-سرد فإنها بقيت من حيث المضمون خارج ترسيمة هذا التيار السردي, هذه الترسيمة التي سنتعرف عليها في موقع آ خر من هذه المقالة.
في رواية الخراب الجميل نجد (محمود سعيد) بطل الرواية مشغول في جمع العناصر الضرورية لصناعة روايته من داخل الأجواء التي كان يحياها في المؤسسة الصحفية التي كان يعمل بها , ويصرح أن روايته ترتبط بفكرة الخراب الجميل المستوحاة من قصيدة ادونيس التي يقول فيها
جاء العصف الجميل
ولم يأت الخراب الجميل
وتستند فكرة الرواية (المسرحية )إلى ضرورة وجود قصديه وإصرار وإرادة وراء تحقيق الأحلام العظيمة, وهذا يأتي غالبا بعد الخراب الشامل الذي يعم حياتهم , وهو ما يدعوه بالخراب الجميل ولو أردنا أن نعطي تصورا واضحا عن مفهوم الخراب الجميل فإننا نحيله إلى الخراب الشامل الذي حل بالأمة اليابانية بعد انهزامها الساحق في الحرب الثانية , لقد كان خرابا جميلا لأنه تبعه نهوض نعت لاحقا بالمعجزة اليابانية, الخراب الجميل يمكن أن يوثق لحيوات الأفراد والمجموعات البشرية والأمم , ومن الملاحظ أن البطل محمود سعيد لم يحمل ملامح البطل الميتا-سردي إلا من خلال التحدث داخل النص عن همومه السردية وانشغالاته في جمع مادة النص ومعالجاته الدرامية, أو يمكن القول بشكل أدق ان النص لم ينشغل بالتوثيق للملامح والعناصر الأخرى التي تميز الأبطال الميتا-سرديين.
ولكن احمد خلف سيعاود الكرة بعد أكثر من عقدين من الزمن, ليقدم لنا في قصته الطويلة (تيمور الحزين )عملا أكثر قربا من الميتا-سرد, حيث نجد البطل منذ البداية منهمكا في قراءة مخطوطة كان أبوه المتوفى قد احضرها من بلاد الترك حين كان جنديا في الجيش العثماني في بلدة ماردين التركية , يتحدث هذا المخطوط عن أحداث مختارة من سيرة حياة تيمورلنك, أحداثا من النوع الذي يهمله كتاب التاريخ عادة, أحداثا لا تنطوي على بطولات لصاحب السيرة والتي تبقى ضمن المسكوت عنه في التاريخ, أحداثا يهملها تاريخ المتن , ولكنها تمتلك القدرة على التسرب عبر تاريخ الهامش, ونرصد البطل  وهو في حالة انشغال بتحليل ومعالجة محتويات المخطوطة وإعادة إنتاجها دراميا, في هذه الأثناء يعمد السرد في خط سردي موازي إلى إدخالنا في حياة البطل اليومية الذي يعاني وضعا اجتماعيا صعبا ومعقدا بسبب الإقصاء والتهميش الذي يتعرض له من محيطه الاجتماعي كونه احد المشتغلين بالأدب في مجتمع لا يلقي بالا للأدب والأدباء, وينظر لهم بعين الريبة بوصفهم أشخاصا متبطلين لا يفعلون شيئا ,  بالإضافة إلى الإحباط الذي يشعر به من جراء هجر خطيبته له للسبب عينه, كونه لا يفعل شيئا مهما بنظرها,
ونرصد هنا معلما جديدا من معالم البطل الميتا-سردي وهو شعوره بالإحباط والإقصاء والتهميش من مجتمعه , وهذا المعلم لم يكن واضحا في شخصية محمود سعيد بطل رواية الخراب الجميل أو انه لا توجد شواهد داخل الرواية توثق لهذا المعلم, وهذا يجعل قصة تيمور الحزين أكثر قربا من تيار الميتا-سرد مع الإشارة أنها لم تحقق كل متطلبات الترسيمة الكاملة للعمل الميتا-سردي , على العموم تبقى رواية تيمور الحزين علامة فارقة في القصة العراقية والعربية بغض النظر عن قربها أو بعدها عن تيار الميتا-سرد, فليست هذه الميزة هي التي أعطت للقصة أهميتها وقيمتها العالية, فالقصة احتوت على مهارات سردية عالية وانتقالات غاية في السلاسة بين مستويات السرد زمانيا ومكانيا, واحتوت على غوص عميق في أغوار النفس البشرية والكشف عن الحالات الشعورية واللاشعورية التي تتقمص المنتصر والمهزوم .
ولكن احمد خلف لن ينتظر طويلا , فبعد ثلاث سنوات نراه يطلع علينا برواية موت الأب, هذا العمل الميتا-سردي الذي حوي كل العناصر المنضجة لصناعة عمل ميتا-سردي يمتلك كل عناصر القوة, والذي سيجد له مكانا متميزا في تيار الميتا-سرد العربي , ونرى احمد خلف يبدع تقنيات جديدة غير مألوفة في الميتا-سرد من خلال توظيفه للنظريات الحديثة في القراءة والتلقي والتي أعطت دورا متعاظما للقارئ على حساب مؤلف النص.
في الميتا-سرد , دائما نجد المؤلف (وهو بالأعم الأغلب متوحد مع الراوي المركزي) منشغلا في هموم الكتابة السردية من حيث جمعها ومعالجتها دراميا, ويتحدث داخل فضاء النص عن هذه الهموم, هذا من حيث الشكل , أما من حيث المضمون فإننا نجد البطل الميتا-سردي يعاني من الإحباط ويفتقد الحب والاهتمام ويعاني من تهميش وإقصاء المجتمع له, وينتهي به المطاف إلى العزلة, ليغدو كائنا متوحدا يفقد صلته في الواقع لكي يخلق لنفسه انساقا تخييلية اصطناعية مغرقة في الذاتية, وينتهي به المطاف لكي يعيش هذه الأنساق ويستعيض بها عن الواقع, وهنا نلحظ أن المؤلف الميتا-سردي يهرب إلى النصوص التي يصنعها حتى يغدو فضاء النص عنده عالما حقيقيا يعيشه بانغماس أكثر من واقعه اليومي المعيوش, علينا أن نعي أن المؤلف الميتا-سردي يتعامل بجدية مفرطة مع عوالمه السردية ويعتبرها واقعا اشد صلابة من واقعه اليومي.
هذه هي الترسيمة النموذجية لنمط الميتا-سرد كما نما وتطور في الرواية العالمية خلال القرنين الماضيين, وإذا ما أسقطنا هذه العناصر على أعمال احمد خلف فسوف تكون معيارا جيدا لتحديد قرب أو بعد إعماله عن هذا النمط من السرد.
ولكن لماذا يهرب احمد خلف الى الميتا-سرد, وأي إغراء يدفعه لذلك؟, هل ان ذلك بدافع رغبة جامحة في مواكبة احدث التقليعات في صناعة الرواية؟, من يعرف احمد خلف يدرك جيدا أن الأمر لا يمكن أن يكون على هذه الشاكلة,لان احمد خلف لا شيء يقوده ويحدد توجهاته سوى الإبداع, هو بوصلته , ولا شيء آخر, هذا الإبداع الذي أضفى عليه شفافية حتى أصبح داخله يرى كخارجه, مما يجعل من السهل علينا التعرف على احمد خلف من خلال شخوصه وأبطاله , وسوف تكون هذه الميزة (الشفافية ) مدخلا مهما وربما وحيدا لفهم الدواعي التي أدت بأحمد خلف إلى الهروب التدريجي الى الميتا-سرد, لان روايته موت الأب سوف تشي بكل الظروف التي ترافقت مع هذا التحول, والذي سيمثله امجد –الراوي المركزي المتوحد مع المؤلف.
وتجربة احمد خلف في الميتا-سرد تتطابق في خطوطها العامة مع التجربة الإنسانية لكل المؤلفين الذين هاجروا إلى الميتا-سرد, وتضاف إلى هذه التجربة خصوصيتان, أولهما: خصوصيته كمبدع عربي يتعرض بشكل متواصل إلى الاستلاب الحياتي والتهميش كأحد مظاهر تهميش الثقافة في مجتمعاتنا العربية, حيث ينظر هذا المجتمع بعين الريبة إلى المبدع والى المشتغل بالثقافة عموما باعتباره لا يفعل شيئا, وثانيا: خصوصيته كمبدع عراقي عاش عقد التسعينيات في ظروف عنت أسطورية تصلح كل مفردة من مفرداتها لكي تكون جزء من عالم غرائبي, ومجرد قدح الذاكرة قليلا والعودة للوراء يتبدى لنا استحالة استمرار أي مبدع في مسيرته وسط المطحنة الحياتية والمعيشية التي سحقت كافة المبدعين الحقيقيين. كل هذه الظروف تشكل عناصر نموذجية لنمو تيار الميتا-سرد حيث الاستلاب الحياتي والإحباط الذي يحول المبدع إلى كائن متوحد يهرب من الواقع الساحق ليخلق لنفسه عوالم خاصة به , ثم تصبح لاحقا عالمه الحقيقي ويستعيض به عن الواقع, وقد كان الشعراء قد هربوا إلى الإبهام والغموض والغنوصية وعدم التواصل , كرد فعل طبيعي تجاه التهميش الذي تعرضوا له من مجتمعاتهم.
في هذه الظروف والتداعيات الذاتية والموضوعية, قدم لنا احمد خلف عمله الميتا-سردي الكبير (موت الأب), حيث نرصد منذ البداية الراوي المركزي المتوحد مع المؤلف (امجد) وهو يجمع المادة الدرامية لصناعة روايته, والدراما الروائية لا تطلب هنا لذاتها بل تطلب بوصفها مادة أولية لكتابة الرواية, وهكذا تفقد الأحداث الروائية وظيفتها التقليدية في محاكاة الواقع وتصبح مكرسة لغرض واحد ووحيد هو إكمال معمار الرواية, وهذه بالطبع سمة أساسية من سمات الميتا-سرد, ومع ان تقنية الميتا-سرد تتشابه من حيث الشكل والتقنيات التخييلية مع تقنية التغريب في المسرح, إلا أنها تفترق عنها من حيث المضمون ومن حيث الغايات أيضا, فالتغريب في المسرح يتبع تقنيات معينة لإخراج المتفرج من الأجواء الانفعالية التي تترافق مع الدراما المسرحية وعدم إفساح المجال أمامه للانغماس في هذه الأحداث, لان المسرح حسب دعاة التغريب وعلى راسهم بريخت لا يرضون للمسرح بهذا الدور الهامشي في المجتمع, بل ان الدور الرئيسي للمسرح هو للتعليم وبث الأفكار والرؤى البناءة في الجمهور, وفي مسرح التغريب يظهر بين الفينة والفينة ممثل او راوي يذكر الجمهور أن ما يروه هو مجرد حكاية ويخرجهم من انغماسهم بالدراما, في حين أن الميتا-سرد يحول الأحداث الروائية إلى واقع حقيقي لا يقل واقعية عن الواقع نفسه.
إن احمد خلف يتجاوز هذا المنحى التقليدي في الميتا-سرد ليستدرج القارئ (وبما يشبه التوريط) الى الدخول في لعبة السرد, ويدعوه إلى الاشتراك في عملية صناعة التخييل, ويعمد إلى إشراك القارئ في همومه السردية وخاصة فيما يتعلق بتقنيات السرد, انه يعطي المتلقي دورا أساسيا  في عملية التأسيس للنص, بل ويحفزه للاشتراك في كتابة النص, ونراه يذهب إلى ما هو ابعد من ذلك حين يشركه في همومه النقدية, كل ذلك جاء بأسلوب فني مبدع يسجل للروائي احمد خلف, وفي مقاربات غير مسبوقة في الفن الروائي العربي, مبتعدا عن أي نزوع تجريدي تنظيري أو أي مباشرة يمكن أن تخرج العمل الأدبي من روعته وجماله
في رواية موت الأب يفقد( امجد) بطل الرواية كتابا ثمينا هو كتاب (الكنز) , وفي سعيه المحموم للعثور على الكتاب بين المنزل والجريدة والأمكنة المختلفة التي ارتادها في يوم ضياع الكتاب, يحدث المؤلف توقفا فجائيا في السرد, ويتحول السرد على نحو مفاجئ لينحو منحى آخر, يصرح الراوي على نحو غير متوقع بأنه بالفعل لا يعرف مكان الكتاب ويخاطب القارئ يشكل مباشر معترفا بأنه لا يعرف بالفعل هل سينتهي الأمر به للعثور على الكتاب أم لا, ويصرح بان المؤلف ليس بالضرورة يعرف كل شيء, وهنا يتم توريط القارئ في قضايا تخص الصنعة السردية, ولا يخفى أن هذا الحديث يحيلنا بالضرورة إلى مفهوم موت الراوي العليم واختفائه من أفق السرد الحديث, والراوي العليم(أو كما أميل إلى تسميته بالراوي الإله) هو الراوي الذي يعرف كل شيء من البداية إلى النهاية ويتواجد في كل الأزمنة والأمكنة داخل النص, ويتواجد أيضا في في أعماق النفوس وبنفس المستوى من الحضور, وقد أدى تقدم علم النفس وانتشاره بين الأدباء واستخدام تقنياته في صناعة الشخوص والأحداث إلى عزوف تدريجي من قبل القاصين والروائيين عن استخدام الراوي الإله في السرد, وهكذا يشرك احمد خلف القارئ في هذه المسالة النقدية ويخبره بأسلوب سردي  مبدع ابتعد عن المباشرة بموت الراوي العليم واختفائه, وكذلك نلحظ أن العمل بأكمله لم يشر الى أي حادثة هي من اختصاص الراوي العليم, حيث نلحظ ان مصير إسماعيل احد شخوص الرواية يبقى مجهولا حتى نهاية العمل, وينتهي النص دون ان نمتلك أدنى فكرة عن مصير إسماعيل , وهذا يعتبر احد التصورات العملية المتأتية من موت هذا الراوي داخل النص.
وهكذا ينزع احمد خلف نزوعا ما بعد حداثي في إعطاء المتلقي مساحة مهمة في العمل الأدبي, ومن المعلوم ان هذا التيار قد عمد إلى إعطاء دور متعاظم للمتلقي , ونقل لعبة الدلالة من ساحة المؤلف إلى ساحة المتلقي عن طريق إفراغ النص من الدلالة المحددة والقطعية, ليقوم القارئ  من خلال القراءة التأويلية بإعادة إنتاج النص وتأسيسه على قدم المساواة مع المؤلف وفقا لثقافته وحساسيته والظروف التي يتلقى فيها النص, ونحن نرى ان احمد خلف يزيد على هذا الدور التأويلي الممنوح للمتلقي ويدعوها إلى الانغماس في لعبة التأليف نفسه, أي في الصنعة الروائية.
ولسنا بحاجة إلى كبير عناء لاكتشاف عناصر الترسيمة الميتا-سردية كاملة في موت الأب من حيث الشكل والمضمون حيث اتخذ احمد خلف من فضاء النص عالمه الحقيقي الواقعي, وقام بتوظيف أحداث وشخوص إحدى قصصه السابقة في الرواية وكأنها واقع حقيقي في مقاربة غير مسبوقة يمكن ان نسميها تخييل التخييل, فإذا كان الروائي يمتح شخوصه وأحداثه من الواقع, فان احمد خلف أصبح يمتح شخوصه وأحداثه من أعمال سردية سابقة له, ويستمر في مفاجأتنا حين يستخدم فضاء النص في رواية موت الأب للترويج لعمله الروائي القادم حامل الهوى , وإذا كنتم تعتقدون أن “حامل الهوى” مجرد تخييل , فإنكم مخطئون , لأنه بالفعل خرج علينا بعد اقل من عام بعمله الجديد ” حامل الهوى”, وقد شرفني احمد خلف بقراءة المخطوطة قبل صدورها.
في العام 2009 اصدر احمد خلف عمله الروائي “الحلم العظيم”, ونستطيع ان نلحظ ان هاجس الميتا-سرد ما زال حاضرا البنية الروائية عنده, ونحن بالطبع قدمنا كل الدوافع التي جعلت من هذا الشكل السردي هو المفضل عنده, وفي هذا العمل يتعمق النزوع السردي لدى الروائي ويتضافر الشكل والمضمون هنا لبلورة نص ميتا-سردي واضح المعالم, تغوص الرواية في عالم الكتابة الساحر, منذ البدء تفصح الشخصية المركزية المتوحدة مع المؤلف في جل مساحة الروي عن حلمها العظيم , وهو كتابة القصص والروايات, عالم السرد والتخييل هو العالم الحقيقي في هذا النص الروائي, الأحداث متشابكة إلى الحد الذي يصعب فيه الفصل بين ما هو تخييل وما هو واقع وبين ما هو ذاتي, ومع ان الرواية توثق لأحداث بعينها في تاريخ العراق وهي الأحداث التي ترافقت مع انتفاضة الشيوعيين في الاهوار ضد الحكم الشمولي في العراقي والتي كانت مادة لروايات ممتازة في الأدب العربي أهمها رواية وليمة لأعشاب البحر لحيدر حيدر, إلا أن الفصل بين الأحداث يبدو متعذرا , ولا نستطيع الجزم متى يمارس الراوي صنعة السرد المعتادة داخل النص ومتى يمارس التأليف, والملفت أن المتلقي للنص لا يعود يكترث لهذا التشابك, ولا يسعى حتى لفض هذا الاشتباك, بل أن ما يجده جديرا بالاهتمام هو جودة الأحداث من حيث قدرتها على تشكيل بنية النص, ولا نفشي سرا حين نقول أن العمل ما هو إلا سيرة ذاتية لأحمد خلف نفسه, الذي وضع نصب عينيه منذ البدء ومنذ تشكل وعيه, أن يصبح روائيا, ومنذ ذلك الحين بقي احمد خلف ملتصقا بالكتب لا يرى العالم إلا من خلالها, لقد أصبحت القراءة (والكتابة لاحقا) الفلك الذي يدور فيه احمد خلف, ولقد اسقط احمد خلف على (الولد)  بطل رواية الحلم العظيم ,والذي سيصبح لاحقا (عبد الله), كل التحولات الكبرى التي مرت به في حياته وأعطى لهذه الشخصية شرف تمثيل ذاته على الصعيد الذاتي والموضوعي, لم يسبق لأحمد خلف أن أعطى هذه الصلاحيات المطلقة لأي شخصية من شخوصه في أي عمل سردي, ومن يعرف احمد خلف يدرك بان مذهبه الروائي هو مذهب شكي , لا يثق بأي من الشخوص ثقة مطلقة, فنراه لا يعطي لأي من سارديه إلا القليل من الصلاحيات, وأحيانا يلجأ إلى تقنية الراوي العليم لعدم ثقته بأي من الشخوص داخل العمل, وأرى الآن وبكل وضوح انه وضع ثقته المطلقة في (الولد)(عبد الله لاحقا) وجعله ينهض بكافة أعباء السرد, هناك مستويات أخرى من السرد داخل العمل , ولكن (الولد) يبقى هو المرجع بالزمان والمكان, إن ثقة احمد خلف ب(الولد) متأتية من ثقته بذاته هو, كذات إبداعية قادرة على الرصد والتوصيف والمحاكاة والسرد والنمذجة.
ومع ان علاقة الروائي بشخوصه هي احد الأسرار الحميمة للمبدع , ونادرا ما يفصح عنها, إلا ان عبد الله بطل رواية الحلم العظيم قد نال شرف تقمص ذات احمد خلف بالتمام والكمال , ليس فقط في جانبها المتعين والواقعي, بل في جانبها الماهوي أيضا, هناك جانب ماهوي في ذات احمد خلف بقي يراوح في عالم الإمكان دون أن يتحقق, وعدم تحققه لا ينفي وجوده بالمطلق, وربما يكون أكثر جوهرية مما تحقق, انه الجانب الثوري النضالي في احمد خلف, ولان احمد خلف انغمس في عالم الكتابة واستعاض عنه بالواقع فانه بالتأكيد لم تتح له الفرصة لتحويل الماهية الثورية إلى وجود متحقق , فبقيت هذه الماهية تتحين الفرص للتحقق , إلى أن وجدت ضالتها المنشودة في شخصية عبد الله, الكاتب المثقف المناضل اليساري , والذي عبر عن ذات احمد خلف في جانبيها الماهوي والوجودي, بالطبع لا نجد الراوي (الولد) أو(عبد الله لاحقا) ينهمك في جمع الأحداث التي سيوظفها في الرواية كما درجت العادة في الأبطال الميتا-سرديين وكما رأيناها في أبطال  خلف نفسه, كمحمود سعيد, وامجد, وبطل تيمور الحزين, هذا ليس واضحا وجليا في الحلم العظيم لسبب بسيط هو أن الراوي يمتح من الذات, من الذاكرة, من الوجدان, وليس من العالم الخارجي, فنرى الأحداث التي مرت به حاضرة ومتمددة في جل مساحة العمل دون أن يخبرنا بذلك بشكل مباشر كما درجت العادة في الأعمال الميتا-سردية.
النزوع الميتا-سردي لن يتوقف عند احمد خلف, لأنه هو عينه النزوع نحو التجريب, ولان احمد خلف ينتمي إلى جيل التجريب , الجيل الستيني, فان التجريب سيظل يلازمه في كل نتاجه السردي , وأنا عرفت اغلب الستينيين , ولم أر أيا منهم فقد نزوعه التجريبي او تراجع عنه, لان التجريب هو جوهر الحقبة الستينية


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

تعليق واحد لـ “مجدي ممدوح : الميتا-سرد في أعمال الروائي العراقي أحمد خلف”

  1. د. رسول محمد رسول يقول :

    تحليل رائع يا أستاذ مجدي
    تحياتي لك
    د. رسول محمد رسول

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"