تابعنا على فيسبوك وتويتر

jaber khalefa jaber

الروائي ضياء الجبيلي

الروائي ضياء الجبيلي

قراءتي الاولى لرواية بوغيز العجيب للروائي ضياء الجبيلي استغرقت ساعات ثلاث، وهذا يعني ان النص شاد للقارىء والحكاية جاذبة، حدث هذا ليلة ميلاد السيد المسيح عليه السلام وفقا للتقويم اليولياني الارثوذكسي، أثمرت القراءة إنطباعا أول، وبعد انقطاع، لحوالي ستة أشهر، عدت اليه، الى بوغيز وحكايته وخرجت منه بقراءة متتمة للانطباع بعد ان ارتسمت ملامح بوغيز في عيني واستراحت لانتفاضاته ذائقتي..
إنطباع أول..
لم ألتق بوغيز بعدُ، حين قال لي : قلب النص دليله، يقوده ( خلافا لسوق الناشر أو البائع أو حتى خلافا لرغبة مؤلفه) يقوده الى قارئه وينجذب إليه..
وهذا ما قام به بوغيز فعلا حين رفض أن يغادر البصرة مع ( الاديب x) وتشاجر معه وعلا تصايحهما في فندق العباسي ، ولم يكن من حل أمام (x) هذا سوى أن يقتطع من الورقة الإهداء المعنون باسمه، ورمى بالكتاب كله في زاوية ما ، لكن بوغيز يقول: إنا من تحرر من كف ذاك الاديب ، لأنه لايستحقني ، بل هو أحد من آذوني!، وانا من مزق اسمه ورمى به جانبا ، ثم لذت بزاوية من الفندق كي يلتقطني باسم الشريف، القاص البصري وينتشلني من التيه مع من لا أطيق، ومن بين أصابع باسم وصل بوغيز إلي، الليلة ، ليلة ميلاد السيد المسيح وفقا للتقويم اليولياني الآرثوذكسي ، وخلال ساعات ، ليس أكثر من ثلاث ساعات قص على حكايته كلها وسماها بوغيز العجيب.
وما أن فرغ من القص حتى رفع سبابته السمراء محذرا ، ربما قصد المؤلف أو قصدني، لا أدري ، حذر متوعدا بأنه لن يكتفي بقتل عزة رفقي باشا الذي أخصاه ولا بتمزيق غويلي الشيخ ، بل سيمسح بالأرض كل من يشوه صورته ويختلق لسيرته ما لم يحدث، وأكد لي إنه كان سقّاء في طريدون وليس بعيدا عنها، يوم لم تكن فيها شريحة تسمى الطبقة الوسطى ولم يتعاملوا أيامها بمصطلح كهذا، وقال لي متباهيا إنهم لم يخصوه جيدا ، كما إن طريقة الإخصاء لم تكن بالموسى يا قارئي- تلك طريقة الأحباش- وأنت تعرف ،أليس كذلك؟
بوغيزقلت له نعم كانت طريقة الاخصاء ولم تزل بالشد القوي على عنق الخصيتين بخيط رفيع لعدة أيام حتى تذبلا وتتيبسا، وغير هذا. فالبصرة لم تشهد إخصاء كما أعرف ، وعبيدها كانوا متنعمين خلافا لغيرهم. لذا ترى وجوه أحفادهم  ضاحكة إلى الآن والمرح لا يفارقهم.
ولاحظت انزعاجه لأنه وأخته نفرين توأمان ومع هذا اختلف عمرهما بسبب المؤلف (هداية بهرام) فعمرها 14 عاما وعمره هو 12عاما .
وفرح كثيرا لإيراد هجاء المتنبي للعبيد خطأ ، وقال أنذال مناكيد أهون من أنجاس مناكيد ، وشكر هداية كثيرا وكال للمتنبي السباب ووصفه بالشاعر المتكسب.
ثم مد لي لسانه الاحمر العريض هازئا وقال : أي خليج عربي وأية إمارات، سماه الانكليز خليج العجم ليمحوا إسمه الاصح : خليج البصرة .
كان منزعجا من قراءتي وعجزي عن تصور أيهما قابيل وأيهما هابيل فهو(بوغيز) ومكي أو عزت رفقي من صلب واحد ، فمن قتل من ؟ وهل يصح ان أكون أنا بوغيز المظلوم قاتلا كقابيل ؟
–     معذرة هذا خلل فكري عندي!
–    لا، لا، عتبي على هداية كيف جعلني هكذا ، أمارس دور قابيل وأنا الضحية.
–    الخيال الأدبي يخلق ما يشاء ، كن صبورا يا بوغيز.
كان بوغيز قد توقف عند الصفحة 55 ، قلت له:
–  لم لا تكمل قصتك ، طولها 91 صفحة ؟
–    لا هذه هي فقط، طولها 40 صفحة والباقي زيادة من هداية وربما الانكليز زادوا فيها، تعرفهم خبثاء ويكرهوننا نحن السود.
–     وأين الـ 15 في بداية الرواية؟
–    ليست 15 صفحة هي عشرة فقط وتخص المقدمة وهي زيادة من هداية الثاني ولاعلاقة لي بها.
–    اذن ثمة عدة مؤلفين ( هداية الاول/هداية الثاني /كاتب المقامة الزنجية/ الراوي /أنت/ ضياء) شكرا بوغيز ممنون.
مد لسانه ثانية وصافحني قائلا:
–     سلم لي على (هداية بهرام أفندي، الاول والثاني ايضا) قل لهما قصتي الحقيقية من اربعين صفحة جميلة ومكتملة.

قراءة
-1-
تمتاز الرواية (بوغيز العجيب) بيسر السرد ورشاقته وبالقصر أقل من(90) صفحة، وهي كما يقول الراوي إعادة إخراج او كتابة جديدة لإحدى مخطوطات جامعة كامبردج البريطانية، تحمل عنوان (المقامة الزنجية في احوال البلدة البصرية) لمؤلفها (هداية بهرام افندي) ، ومن صفحتها ومن الأسطر الأولى فيها تحيلنا الرواية الى مدينة الاحداث/البصرة، وتحديدا البصرة القديمة حاليا حيث مقرات الولاة العثمانيين ودور سراة القوم وقصور الاكابر فيها على ضفتي نهر العشار .
-2-
يتعرف القارىء على اهتمام أوربي بالمكان ، البصرة وبالمخطوطة الخاصة بها، وهذا ما يشير إليه وجودها في كامبردج البريطانية ودور الباحث ديروش الفرنسي، ويقابله اهمال عربي واسلامي يشي به اعراض الطلبة العرب والترك والباكستانيين وضجرهم من موضوع المخطوطة. طبعا يتضمن هكذا استدلال ويوحي بإشارات ايديولوجية ذكية تنضح بهدوء عبر مسارات القراءة التي تستبدل سريعا انفتاحها الافقي لتغوص في عمق التاريخ الدموي لمدينة البصرة انطلاقا من العنوان الاولي المشطوب (ثورةالزنج)، والذي يمتد هو الآخر ليصلنا بفيصل السامر المؤرخ البصري وكتابه عن ثورة الزنج ايضا، ويشكل مثلثاً رأسه  واقعة ثورة الزنج الحقيقية أيام الحكم العباسي وطرفي قاعدته هما (كتاب فيصل السامر ومخطوطة هداية بهرام افندي).
وتستند المخطوطة تاريخيا الى وقائع تزوير فعلية حدثت ايام الحكم العثماني ومنها ما سجلتها مخطوطة (مطالع السعود في اخبار الوالي داود) للمؤرخ عثمان بن سند البصري والمحفوظة في مكتبة الاوقاف ببغداد، اذ تفيد بتزييف كريم خان الزند لفرمان حول الصلح مع الدولة العثمانية وبموجبه ذبح العديد من ابناء البصرة وصودرت ممتلكاتهم.
-3-
تتضمن الرواية ثلاثة اقسام ، الاول ويمكن اعتباره مقدمة عن مخطوطة الرواية او تبريرا لجأ اليه المؤلف لكتابة الرواية ، ويستغرق عشر صفحات تتحدث عن تعرف الراوي/ سأسميه (هداية الثاني)/ على المخطوطة البصرية الموجودة في لندن وشغفه بها واعادة كتابتها بتشجيع من باحث فرنسي. وتضمنت المقدمة اشارات منها محاولة الراوي (هداية الثاني) استعادة المخطوطة وعبر عنها بالسرقة في عملية لفت انتباه القارىء الى السارق الواقعي الذي يشير اليه المكان الاصل للمخطوطة وهو من سرقها ونقلها من  البصرة الى مكان وجودها الحالي في لندن. (الا ان شيئا ما بدا غامضا وسحريا ، جعلني افكر بعدم ارجاع هذه المخطوطة الى المكتبة او ربما الهرب بها الى مكان بعيد – ص ) ومع تصريح الراوي بسذاجة هذا التفكير الا انه يفصح نفسيا واشاراتيا عن الرغبة باستعادة التاريخ وحق ملكيته ممن أخذه بعيدا ومحى حتى اسم المؤلف والمُهدى اليه وربما حتى العنوان الاول (ثورة الزنج).
-4-
ومن المخطوطة البصرية المسروقة (كما سرقت حياة البصرة وابنائها على مر التاريخ ) يبدأ ما اسميته القسم الثاني من الرواية ويشمل  المقاطع الخمسة الاولى، وساد فيه السرد الواضح والمحبوك ببراعة وفنية تتشبث بالقارىء وترسم له الاحداث حيث تتراءى حياة بوغير الصبي الاسمر العجيب بطيبته وسذاجته وفحولته الظاهرية وقدراته الخارقة حيا وميتا فيما بعد، حياة تختصر الكثير من التاريخ الانساني العام والتاريخ الخاص بالبصرة بدءا من سبارتكوس محرر عبيد روما وعروجا على ثورة الزنج وعاصمتهم المختارة ووقوفا عند ثورة بوغيز بعد شنقه اذ تحول في القسم الثالث من الرواية والذي يقدم باسلوب مغاير للأسلوب السردي في القسمين الاول (المخطوطة) والثاني ( المقاطع الخمسة الاولى) / حيث السرد والوصف الغرائبي واللامعقول يهيمن على مجمل احداث المقاطع الاربعة الاخيرة لترتسم امامنا ما يمكن اعتباره ثورة لبوغيز العجيب ضد من أخصاه وعذبه وشنقه، وتحولت روح بوغيز الى عدد متكثر من البوغيزات الزنوج العمالقة الآكلين للجثث والمنتقمين من مضطهديهم باحداث غرائبية تذكرنا بمدرسة السرد في امريكا اللاتينية.
-5-
ارتكزت احداث الرواية عموما على التاريخ العثماني للبصرة وما نالها من ذاك التخلف والقسوة والاضطهاد والتلاعب الرخيص بمقدرات ابنائها وايقاف رجولتهم عبر فعل الاخصاء الذي يمثل الثيمة الاساس في الرواية وبمقاربة تلمح الى حاضر قريب او معاصر لايقل قسوة وبشاعة عن سابقه ولايقل اخصاء لهذي المدينة واهلها. ولعل ما حواه المقطع السادس من تفش للامراض الجنسية والمباغي السرية شنق للعاهرات وقتل للغلمان بمادة السليكون يشيربشكل اوضح الى مقاربة للماضي القريب وما ارتكبت فيه من جرائم .

-6-
ختاما لابد من الاعتراف ان هذي القراءة لاتتوفر على تعمق سيميائي لاشارات الرواية ودلالاتها وخاصة ما يتعلق ببوغيز ومهنته المديمة للحياة (سقي الماء) وما تثيره حكاية المخطوطة وارتحالاتها في مقدمة الرواية وكذلك النهاية الغرائبية الحالمة بالخلاص من الظلام القبيح المتضاد مع السمرة الجميلة لبوغيز ومواليده البوغيزات الكثر بقلوبهم البيض وبارواحهم الثائرة.
أردت بهذا الاعتراف القول ان النقد العراقي المتخصص لم يزل بعيدا بمسافات عن متابعة الابداع السردي خاصة في مجال الرواية وهو  الان اكثر من اي وقت آخر ، مدعو الى وقفة جادة مع تكثرات المنجز السردي العراقي بشكل عام والاحاطة به وبتحولاته ولاشك ان الروائي ضياء الجبيلي في روايته هذه يقدم اضافة جادة للسرد العراقي ينبغي تناولها بدراسة علمية موضوعية لا أراني فيما قرأت وقدمت مؤهلا لها .
تحية لبوغيز الجميل الذي أكاد أراه كل يوم في البصرة وتحيات لمبدعه ضياء الجبيلي وللرواية العراقية وهي تتألق ولاتنتظر غير النشر والانتشار كما تستحق.
====
*بوغيز العجيب – رواية – ضياء الجبيلي – ط1 – 2011- مؤسسة الدوسري للثقافة والابداع – المنامة.

جابر خليفة جابر
Jabir_kh@yahoo.com   


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"