تابعنا على فيسبوك وتويتر

aial aldalimi

القاص المبدع "حامد فاضل"

القاص المبدع “حامد فاضل”

إنَّ أهمية الحديث عن الزمن في السرد كنوع.. للدلالة على الإشتغال في العمل الأدبي. لن أتحدث عن التعامل مع الزمن الروائي ومرجعياته ،ولا أجول في توظيف الزمن وترويضه وعلاقات (الأشخاص ،والأماكن ،والأحداث) فيه ، ولا الخوض مابين زمن الحكاية وزمن السرد ،أو التمايز بين الزمنين ،لأن الأول على مستوى الجملة النحوية وتركيبها ، والثاني يكون إما استباقي أو استرجاعي ..ومن هذا لابد من الإشارة إن الإنسان يصطدم بعالم من القيود التي تتضمن الزمان والمكان ، وهذان البعدان يمثلان الوجود المادي الذي يعني بدوره الكثرة والتنوع والإختلاف والنتيجة ، إنَّ هذا العالم يؤدي إلى الشعور بالقلق وضياع الراحة . فوجد كاتبنا هنا حاجته الداخلية إلى الهروب من محيطه ، والتحرر من كل القيود وبتأمل باطني ، وبإشتغال بمنطقة اللاوعي من اجل التحرر ، وإطلاق الخيال وبمحاولة جادة ، بسيطرة عقلية لإخضاع كافة الحواس بالإنتقال الحر من عالم الصخب إلى عالم الهدوء ،عالم الريح. كانت مفازاته مجرد مفعاة ..لم تولد الصحراء له العشب والعيون ، وغدران موارد الغزلان الفتية ، ركّب زمنه الحديدي بزمن روحي خالص ، فتسامى وتجمع كغيمة وهطل في جوٍّ ربما رآه بيقظة أو بحديث تناقله الحكائون العابرون [[color=”red”]كلما مررت من أمام السجن الجاثم على صدر البلدة ، اجتزت تلك الأمتار المعدودات، لاحت لعيني تلك النافذة الملتصقة بأعلى السجن ، ضج بين الجوارح رعد الإحتجاج على عنف القرن العشرين ] لم يؤطر زمنه بعقد أو حقبة رئاسية مثلا ، بل أطلق المكان ببعد من الأمتار .
يقول( هوسرل ) : (( أن الحاضر إذا جرد عن معايشة التجربة يصبح نقطة وهمية تفصل الماضي عن الحاضر ، أما على صعيد التجربة المعاشة فإن الحال يختلف تماماً ، إذ يصبح للحاضر قواما خاصا وهو ما ندعوه وعي الزمن… هوسرل ادموند- ط1950/ ص56)) نقف اليوم بنافذة السجن لنعي زمن المُرحّلين عبر الصمت البليغ ، وقد فهمت البلدة وأشبالها تلويح السجناء ، ودوي النشيد الخالق لوقت التحدي لعالم الوجود الحالي . فمتى ندرك الزمن ؟ لأن الإحساس يتأثر بالزمن . هل من خلال العيش به ،أم من خلال رؤية تعاقب الحقب أو من خلال المعاناة والحرمان وضياع الإنسانية في بورصة المزايدات الوقتية؟
وفي قصة (المكتبة ) توضأ زمن نفسي حمل صورتين الأولى شغلت حيزا من عمره حيز أوجدته مخالب الذئاب واضحاً يتراءى ويحمل زمانه كما يحمل الوشم لون عصره ،أما الصورة الثانية مقدار ما تركت الصورة الأولى من ذكرى مؤلمة أوجدت إبداعا ثري بزمن داخل عمل فني لغوي أخاذ يريك حركة الأشياء ، وانتقالات العيون الخطابية ، لأن اللغة ليست مكانية فتحدد لنا المساحات ، ولا زمانية فتحدد لنا المسافات ، لأن اللغة زمانية – مكانية بنفس الوقت [كنا نتهيأ لإغلاق باب فندقنا ، حين هاجمتنا الذئاب مشرعة مخالبها ، كشرت بوجه جدي أنيابها، ثم مسرعة هاجمت غرفة المدرس ، وجاءت به بملابس النوم تسحبه..تذكرت ليلة جاؤوا بأبي، خمس دقائق قالوا ثم يعود إليكم ، ولكن تلك الدقائق ما تزال تتناسل حتى فقدنا الأمل بعودته.]لو أراد أي قارئ مقياس مقدار الزمن التخيلي الذي تلبس المُنْتِج لكي يضع نفسه داخل دوامة حوارية قصة(القناع)، ومقدار الانتقالات الوقتية في عالم الومضة أو اللحظة التي تخطفها القاص من الزمن المستمر في حركته ،سيجد بعد الوقوف بلحظة الضربة أو صدمة التوقف السردي ، أن القاص اتصل ذاتيا وموضوعيا بالماضي بزمن تخيلي قريب من الواقع يبعث على الدهشة ، قد لا يحدد بدقائق أو اقل لكن الفكرة قد تكون طورت ضمن قالب حكائي بزمن مستمر يحتوي الحاضر ويسير تحت جوانحه . تبدأ حين يشرع القارئ بهتك حصانة الكتاب والولوج لافتضاح أسراره . هذا التوهج الجمالي والتوازن الصوتي يكون بأبهى حلله ، بأن تكون صورة التوازن تامة بتناسق فواصل وحدات فيض السرد ، وغلبة الشد الذهني الناقل لعالم القاريء عبر لغته واحتدام أحداثه بإلغاء زمنية الجلوس بمتعة القراءة لأن (حامد فاضل) يمتلك نَفَس شعري طويل وتصوير رؤيوي متمرجح كقارب تتدافع اليه أمواج النهر الجاري ، لتقذف فيروز أشجانها على وجوه العابرين[حتى اذا نقر طائر الصباح أبواب البلدة وخرج كل ذي حياة لمطاردة رزقه . أبصرت الناس رجلاً حافي القدمين ، يركض في دروب البلدة المفروشة بالوحل ، والبرك ، والضفادع ، رافعاً دشداشته الى ما فوق سرته كاشفاً عما بين القصبتين اللتين تحملانه وهو يصرخ.(لوز) ثم يصمت للحظة ، يتوقف ليصرخ (شلونه) ويعاود الركض والصراخ..].
وفي قصة (الحكمة )حملنا الى زمن كلي غائراً بالقِدَم ، ليرسي على مشارف رؤيتنا القاصرة حكمته ، وفق تدوالات نقاشية حذرة ،وانتقالات جميلة باهرة ، باسترجاع زمني توثيقي تخيلي ، أوقف محتوى نصه على وقت اختياري بأبعاد عقلية ماثلة ، غلفه بمسح الجمال المؤثرة ،أوسع ميدان القص ليجعل حاسة السمع لدى القاريء أكثر تحفزأً من عينه ،وانسكاب الألفاظ بأصواتها الموسيقية صوراً شعرية تغازال الواقع التخيلي بحسن تناغم مقاطعها في موسيقية السرد. لا يشعر المتلقي بالغرابة ، لخفة اللفظة وحركية اللقطة الحكائية .[قال الحكيم كما رأيت أيها الوريث ..السلاح فالصندوق الأول والحكمة في الصندوق الثاني ، والمال في الصندوق الثالث ..ولك ان تختار الصندوق الصحيح لمنحك الصندوقين الآخرين ، فكر واختر.. قلت في نفسي :وما حاجتي الى التفكير ،وهجمت على صندوق الذهب… ص48] لانحتاج إلى تحليل وإشارة والكل عرف ان زمن المال هو زمن الركض ، زمن المنتصر على زمن الخسارات زمن القيم ، لذا لم يكن ينتظر ليقول أن الطبقة الطافية ، طبقة مارّة لا أكْبَرَ ليقول [أخطأت ومازلت تخطيء ..فلو إخترت الحكمة لفزت بالمال والسلاح].
كل جميل في الأدب أو غيره يدرك بالحواس ، والجمال المعنوي يدرك بالبصيرة ، لكن العمل الفني أو الأدبي الناجح يمد بالإنشداد ويولد اللذة ،وقد اهتموا علماء العرب بعوامل اللذة — كالحرية ،والتأمل ، والفكرة ، وليست بخافية عن الأدباء أصحابها كـ(الآمدي -القاضي –عبدالقاهر ) فعملية التواصل مع المنجز في عصر القاريء وتأثره به ،وانتقاله إلى عصر مضى ، من حيث الحدث ، لكنه عائد كما يقال بأن الزمن يعيد نفسه هو نوع من اللذة ، لذا شعرت بما أسلفت مع كل إطلالة جميلة قبل أن اقذف بيم السرد لأنسى ما بدأ به الكاتب قصته. ففي قصة(المفعاة) وهي خيط مسبحة المجموعة لن أتحدث عن رمزيتها ، ولن ادخل بمعمعة ترجمة عالمها المتكرر ، مع قدوم كل ربيع حتى وان كان ربيع عربي .الذي يهم هو ميثاق الزمن المُر ، وحالات الانبهار ويالكثرة أزمنة الأفاعي في بلد السواد ،وهنا..[ السؤال الذي يرواد أفكار أهالي القرية(ترى هل ستكون القنافذ أرحم بنا من الأفاعي ؟..ص56).
المُنتِج الحاذق الذي يستحضر نور الماضي لا كَتُراث ، بل كرمز خالد يستمر بالزمن الحالي ،وربما يزداد جمالا وسطوة ، في زمن المستقبل . لنقف عند استحضار (حامد فاضل ) لبيئة الأجداد كرمز دلالي ، لم تصب المنتَج بهنّة ،لا زادته روحا لأقول غرائبية التواجد ، وكل غريب يذهب العجب ، لأنه يمتلك إمكانية الجذب واللذة . لأن ما سعى إليه كتوظيف سردي حملنا لعصر البدواة كمفردة مجزية ، وإطار حداثي وحدثي مغني ، وأعطى لنفسه استراحة التقاط الحجر الكريم من الحصى ، ولوذ لا يشار اليه بالتهجم الخياني في وقته .[ تركني الجنود ومضوا وبقيت أحدق مدهوشاً مرعوباً بالكهنة الصامتين . حتى إذا دخل علينا رجل عظيم الخلقة صرخ الكهنة بصوت واحد وهم يقعون ساجدين ((اسجد لكاهن الحكمة العظيم)) فتهالكت من الخوف لا من الخشوع… ص47].
أضفى (حامد فاضل ) في مفعاته ألوان الطبيعة ، بإثراء نسيجه السردي وتوشية قصصه بلون الربيع ، وزهو الفراشات ، كما أمطرنا بصور رمل الجفاف ، واصفرار لون الوريقات ذات حزن . هنا جمع لنا أزمنة متنوعة ، زمن الزهو والجمال ، وزمن الإنخذال والجدب والحزن ، وعندما يتحدث عن روح المورد أو عين النبع يتحدث عنه هو ، عن روحه ، عن زمنه ورسالته لنسمعه .[ والكلام بيننا –أن الهلوسة هي الصرخة المنخنقة بكمامة الواقع ..لنبتديء الحكاية إذن ، هكذا ببساطة ، استيقظ ذات صباح على أعتاب يوم لا يشبه أيام البلدة ، لأجد تلال نفايات الأغنام تحيط ببيتي ، وتزنره برائحة العطن …ص75] لم ينسى القاص رجال أو فرسان الأماكن المفتوحة ، اعني أماكن المزايدات الخائبة ، قوالين الخطب الرنانة ،أصحاب السيوف الصدئة للذين لا ينفرون من زمن الروائح المشينة ، فقد أعطى لزمن الفعل حركة فعّالة بديباجة القص حيث يقول :[انتفخت أوداج فرسان الأكاذيب ، برزوا للرائحة ، برائحة صدأ السيوف وهم ينفثون رائحة الأهازيج بليت عظام مرتجزيها منذ قرون خلت..وحدهم مدمنوا أكل الثوم والبصل وشاربوا الخمرة الرديئة ، هللوا لأسراب رخاخ الرائحة المحلقة في سماء بلدتنا…ص88].الرابط الخيطي في المجموعة هو التلون وابدال الهويات بين شرائح المجتمع ، ولأن الناس على مذاهب حاجاتها أو مصالحها ، والخوف من عودة الزمن بأرديته النافقة ، ونزع ثياب القيم ، كانت (المفعاة) لأن التنازع بين روح القاص وزمنه علا زبده في مجتمع مرتج تتلاطم أمواج انتماءاته ، هيلامي المعالم ، أوجد لديه الاتصال الذهني رسم الصور التي تتفاوت في إيحاءاتها داخل محتوى القص ، وكرابط ليس بالخفي على القاريء المفتوح ، بشخوصه المتحركة من الحيوانات ،ودلالاته الواخزة من التقبل المجتمعي لكل طارق وناعق ، لقلة الثقافة وانهيارها .[كما أعلنت مديرية بلدية لبلدة وعلى لسان مديرها الجديد عن فتح باب التطوع لكل مخلص يود المشاركة في حملات تنظيف البلدة ، ونصبت أراجيح اللافتات بين أعمدة مصابيح الإنارة المفقأة ، وهي تجأر بالشعارات التي تحث على مكافحة الرائحة مثل(اكتم فقاعتك حرصا على نقاء هواء البلدة)… ص87] لا امدحن (حامد فاضل ) لأنه ابن منفاي ، ورملي ، وتعرجات بيدي وخليفة كهنتي الذين أُقدس ، ولن أضيف ( للمفعاة ) سوى صوت آخر مجرّد من الطمع ، لكني آثرت أن أُشير بأصبعي لزمن ربما غفل عنه فرسانه . حين طرق باب أخيلتي لأبز به أزمنة عاطلة ، وأسمِع بصوت القاص :[لاحدود للدهشة ،ولا أفق للمفاجآت التي يجترها أزميل الزمن السارب في الليل ، أو الضارب في النهار .. فما أن يولي دهر من الدهشة والمفاجأة ، حتى يأتي دهر من الدهشة والمفاجأة ، وما دامت حوافر الأيام تغدو ، وتروح حافرة الغضون في جبين البلدة ..سنوات منبثقة من رحم الأزل تحل ، وسنوات آفلة نحو لحد الأبد ترحل . والقدر يحدو بقافلتنا على صوت الحداء المتناهي من الغيب .. ينقر طائر العمر الشره حبات الحزن وحبات السرور ..]وفي الختام أن ما تركّب وتؤلف ((يخيل للسامع إن هذه الألفاظ ليست تلك التي كانت مفردة .ومثال ذلك كمن أخذ لآليء ليست من ذات القيم الغالية فألفها وأحسن الوضع في تأليفها فخيل للناظر بحسن تأليفه وإتقان صنعته….دلائل الأعجاز ص38]

المجموعة القصصية (المفعاة) صادرة من دار الينابيع-سوريا –لعام 2010 .
…………………………………………………….


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"