تابعنا على فيسبوك وتويتر

عبد الخالق الركابي تبدو بواكير الرواية العراقية التي ظهرت على يد (محمود أحمد السيد) متلائمة في شحوب ملامحها مع واقع الفرد العراقي الذي كان لا يزال في بداية تعرفه إلى هويته الوطنية، مستلب الإرادة، خرج حديثاً منسحقاً من تحت وطأة هيمنة الدولة العثمانية التي كادت تمسخ وجوده لولا تشبثه بحضارة عريقة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، ليدخل هذه المرة تحت سطوة النفوذ البريطاني الذي لا يرحم.
كان العثمانيون يعملون جاهدين، على مدى أربعة قرون، على (تتريك) العراق، في حين عمد البريطانيون حال احتلالهم له احتلابه، مستهينين بكل القيم والأعراف، معجلين بذلك في انفجار ثورة العشرين البطولية.
وهكذا، بدا من الطبيعي أن تجيء روايات (محمود أحمد السيد) بعيدة عن الواقع المحلي، وتتهرب من مجابهة الوقائع بالتبرقع بغلالة من الرومانسية والعاطفية والسذاجة، دافعة بطل رواية (جلال خالد) نحو الإبحار إلى الهند، ليتسنى له هناك طرح مشاريعه (الطاوباوية) المغرقة في الخيال.

بعد ذلك ظهرت على مدى عقود من الزمن روايات معدودة ـ أبرزها روايات ذي النون أيوب وعبد الحق فاضل ـ بقيت تحوم في الأجواء نفسها مع ميل بعضها إلى المباشرة ـ شأن روايات ذي النون أيوب ـ وميل الأخرى إلى ضرب من حوارية تقربها من المسرح ـ شأن رواية (مجنونان) لعبد الحق فاضل ـ
إلا أن الرواية العراقية الناضجة فنياً لم تظهر إلا في الستينات، وهي مرحلة عاصفة، جاءت بعد ثورة الرابع عشر من تموز التحررية التي انتشلت العراق من سطوة الأجنبي، وبذلك توضحت ملامح الفرد العراقي، وأصبح في وسع الروائي تتبع نماذجه الروائية من المحيطين به، وكأن نهوض الرواية في العراق لم يتحقق إلا بنهوض الإنسان العراقي بعد قرون من الاستلاب والقهر والهيمنة.
جاء اختيار الروائي العراقي (غائب طعمة فرمان) محلة بغدادية شعبية مسرحاً لأحداث روايته الأولى (النخلة والجيران) منسجماً تماماً مع وقع أحداث الحرب العالمية الثانية على مجموعة من الناس العاديين: خبازة تحلم بالراحة بعدما أفنت عمرها في عمل الخبز، ودلاّل يستغل ذلك الحلم بالاستيلاء على مدخراتها الشحيحة بحجة تشغيلها في فرن للصمون، وإسطبل في الجوار يبيعه صاحبه ليهدم، حارماً بذلك سائساً و(عربنجياً) من مصدر رزقيهما، وشخصيات شعبية أخرى تكد وتعمل محاولة توفير لقمة الخبز تحت وطأة ظروف صعبة لا ترحم.
في روايته الثانية (خمسة أصوات) اقترب (غائب طعمة فرمان) من واقع تجربته الشخصية أكثر، فاستثمر هذه المرة عالم الصحافة والمثقفين، دون أن يغفل عن التطرق إلى أجوائه الشعبية البغدادية المعهودة…
هكذا استمر الروائي الكبير يرفد تجربته الروائية على مدى أكثر من ثلاثة عقود، مغترفاً عوالم رواياته كلها من تلك الأجواء، مجسداً بذلك ملامح البيئة المحلية التي بوأته مركزاً مرموقاً ليس على صعيد الرواية العراقية فحسب، بل على صعيد الرواية العربية أيضاً…
إلا أن تلك التجربة بقيت تمثل مرحلة روائية أولى، يعوزها ـ كما هو متوقع ـ كل ما يعوز التجارب الإبداعية المؤسسة التي لابد لها من مراحل لاحقة تزيدها ثراء وعمقاً، وذلك ما حصل في رواية (الرجع البعيد) لفؤاد التكرلي، فقد توافرت هذه الرواية على تلك المعادلة الصعبة التي هي من أهم مقومات نجاح أية رواية فذة: محلية المضمون وقد صيغت بأحدث التقنيات العالمية، فالرواية ـ كما هو معروف ـ لم تعد مجرد (ركام) من أحداث غير مصقولة تقذف في وجه الآخر كيفما اتفق، بل لابد للروائي المعاصر من (ابتكار) الطريقة الكفيلة بترتيب تلك الأحداث على وفق (معادل موضوعي) يكفل لها ذلك الانسجام الذي لابد من توافره في أية رواية ناجحة، وذلك ما تمكن (فؤاد التكرلي) من تحقيقه في روايته تلك: إذ إنه لم يكتف بمنح كل شخصية من شخصياته الروائية سماتها الخاصة بها فحسب، بل إنه بدا أميناً في كشف وعي تلك الشخصيات بحسب مستواها الفكري، فبحكم كون شخصية (أم مدحت) محدودة الوعي، ليست لها قدرة على صياغة مشاعرها بيسر قدم الروائي وجهة نظرها عن طريق (تيار الوعي غير المباشر) الذي يتيح للمؤلف توضيح ما يحتمل اللبس والغموض، في حين قدم وعي الشخص المثقف المتمثل بـ (عبد الكريم) أو (مدحت) بطريقة تيار الوعي المباشر. وبلغ تطابق الروائي مع شخصية (منيرة) حداً دفعه إلى أن يتحول في منتصف أحد الفصول من تيار الوعي المباشر إلى غير المباشر انسجاماً مع حياء الأنثى وحذرها حين تتطرق إلى أمور خاصة تحاذر التطرق إليها علناً…
كل هذه الأمور أهلّت رواية (الرجع البعيد) لأن تترجم إلى اللغة الفرنسية: إذ إنها بانطلاقها من محليتها البحت نجحت في تحقيق هويتها الوطنية، وبذلك أفلحت في الوصول إلى نطاق العالمية.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"