تابعنا على فيسبوك وتويتر

مازلت منذ عشرات السنين , أبحث عن السعادة , فلم أجدها مستقرة على حال , فهي تتألق في الانبهار الأول , ثم تتوسد الاعتياد … وربما أراها مستلقية على ظهرها فوق  راحة كف عملاق فتتوثب رغبتي تواقة لخطفها .. وكلما كانت عصية على اصابعي , ازداد تعطشي واستعرت جرأتي … نحن نرقص على الطبل لأننا لم نخسر الحرب..وهو تأكيدا على استمرار حضورنا .. ورقصة الزفاف طعنة  في  صدر العزوبية.. ورقصة اليد على البطن الممتلئة, موجهة  ضد الجوع …. أنت تفرح جدا لان إحساسك قادك  الى القناعة بان  المال هو السعادة .. او الانتصار في الحرب … او الشبع او اللذة في الشراب او العلاقة مع النساء… اذن انت الذي يلقي بنفسه في المكابدة والبحث.. انت الذي اذلته اقدامه , ولف نفسه في الشرنقة التي سوف يجبر على اكلها او التكيف معها  او التخلص منها ..انت الذي اذللت نفسك هنا , والاخر هناك , وكل منا له قيده الذي يتباهى انه من صنع ارادته .
     في كثير من الحالات تخلق لنا المصادفات سعادة ولكنها هشة .. على الرغم من وجود الاحساس الفطري لدينا ان هناك احد ينتظرنا عند المنعطف ليقود ايدينا الى الجنة التي نحلم بها ,  هكذا دون ان تربطنا به علاقة عميقة انما اعماله مبنية على قاعدة   (  اعمل الخير وارميه في البحر ) ..
      وجدت سعادتي تتجدد ,حين استيقظ كل يوم فأرى نفسي مازلت حيا.. ان استيقظ كل يوم هو ليس روتين أو ممل أو مضجر بتكراره , متعة ان تستيقظ كل يوم حيا   ,هو التجديد بعينه  ان تكون على قيد الحياة , وهو الدافع الذي نتوخاه جميعا , الناس والحيوانات  على حد سواء …الذين يخوضون حربا , أو يتوسدون صدور الحبيبات .
وحين استيقظ صباحا اذهب الى الدائرة  كل يوم ,  ياللروعة !! أن اذهب كل يوم الى الدوام الرسمي !! هذا امر لا يتحقق لكل الناس , انها متعة ان أرى نفسي مختلفة عن الكثير من الناس .. وحين ينتهي الدوام اعود في كل مرة الى البيت وهذا لا يتحقق  لبعض الناس , لان بعضهم يقتل او يخطف او يموت أو يعاق  , او لا اهل لهم , ينامون في الخرائب او السيارات المتروكة اوبين طيات المزابل .. انام ساعة واذهب الى السوق  ادور على قدمي احرك ساقي لتنشيط الدم الراكد عند اقدامي من كثرة الجلوس  على الكرسي ..
استمر بالطواف على المحلات  والشوارع , ثم ارجع اتناول العشاء , في الهول , الى جانب زوجتي التي تلقي احيانا على رأسي ظلها الثقيل , وهي تفرض معرفتها بكل شئ , حادة مثل رئيس عرفاء الوحدة , الذي أرغم نفسي للابتسام اليه وهو يامرني للذهاب لانجاز الاعمال التي لايرسل معارفه اليها , من اجل ان لا يحرمني من اجازتي في موعدها المحدد .. اواضع في حساباتي انني احتاج اليه مستقبلا  .
وعلى الرغم من ذلك , فان الكثير من الناس , ليس لديهم زوجات , وليس لديهم اموال يتسوقون بها ,  بل الذي يبعث السعادة العميقة ان بعض الناس ليس لديهم ارجلا يمشون عليها في الاسواق.
ولم اكتف بذلك انما مارست التعديل في الاوقات , يجب علي ان التزم باوقات الدوام , وهذا مهم , ولكن يمكن ان اغير في الفقرات الاخرى.. بدلامن الذهاب الى البيت مباشرة , اعرج الى المقهى او المطعم  …
في نفسي رغبة لاستاجار غرفة في احد الفنادق من الدرجة الاولى ,  اقضي فيها بعض اوقاتي في خلوة لايضايقني خلالها احد , ولكن ذلك لا يختلف عن الزواج بامراة ثانية ..لقد مسك الجبن يدي واقعدني عن اتخاذ هذه الخطوة ,  فمن الممكن ان احسن علاقي بصاحب الفندق ويسمح لي بتوجيه دعوة لاحدى صديقاتي … بحثت عن تبرير منطقي للمبيت خارج البيت , لكن اكتفيت بالخروج اليومي المتكرر كل يوم تقريبا , من اجل ان لا اكون مجنونا واغير الخطوط الرئيسة لحياتي  , اريد ان اكون عاقلا, له القدرة الفائقة على التحكم بالاشكال الاخرى, لذلك قررت ان اشتري سيا رة ..  واقوم بصبغ الشعيرات البيض النافرة في شعر راسي وشاربي واحلق شعر لحيتي على الدوام …
لم اصدق ما حصل لي , انا الخجول الذي تكاد الارض  تنهش عينيه من فرط الاطراق عليها , تبعت امراة كانت تسير على الرصيف , شعور غامض ونداء خفي همس لي ان الحق بتلك المراة , وادعوها للصعود معي لاوصلها الى بيتهم ,لم اعرف شيئا عنا فقط رايتها تضحك ضحكة اثارتني … اين بيتهم لا ادري ..  من اين هي ؟  لاادري , هذا النداء والاصرار لم يقلقني .. ابتسمت وفتحت الباب وجلست على الكرسي الخلفي للسيارة , كانت تكتم ابتسامة , ونظراتها مصوبة باتجاه الزجاج الجانبي للسيارة , لم ادخل معها في أي حوار تمهيدي , او جس نبض كما يقال , او كلمة غزل اوفاحشة , قلت لها  : هل لديك مانع بان نخرج باتجاه الشارع الذي يقودنا  خارج المدينة ؟ هزت راسها مبتسمة بالنفي .
سالتها : مالمانع .
اجابت : الا تعرف ان اليوم وفاة ……
– اه … والله صحيح ….
وحين انزلتها على مقربة من دارها , كما قالت لي ذلك , لم انتظرها  لمعرفة مكان سكنها, ولم أندم لذلك , بل انها صادفتني في احد الايام , فلم اعرها اهتماما , لم تكن نفسي تواقة لاكمال ماتوقفنا عنده في  ذلك اليوم الذي صادف مناسبة دينية متميزة  , لان الركون الى افراغ الشهوة امر مقيت خالي من النفحة الانسانية الراقية .
وهي ليست المرة الاولى التي اتصرف فيها ,  بلا مبالاة , فقد التقيت بفتاة جميلة جدا ; وهكذا هي الامور تحدث لي  في الغالب , بلا تخطيط مسبق , تحدث هادئة مثل نسمة تتفتح لها رئتي دون سؤال هل النسمة برية ام بحرية شمالية ام جنوبية , للمرة الاولى عشت حالة الشبق المجنون الذي جعلني انفصل عن مدارات العالم السفلي , لانني محلق هناك في الاعالي , سحابة تنث  عطر  الياسمين ..  وحين اسلمت اشرعتي لريح النشوة معها ,  قرصت شفتي باسنانها بدلال وشعور بالحب , والاجمل من هذا , قبلتني عند السطر الاخير من تلاصقي معها , على خدي , اثارت في نفسي احساسا اعمق من القبلة على الشفاه , ومازال همسها على خدي لحد الان … وسالتني : هل ارتحت معي ؟ كان لون ثوبها خيمة فرح , وطيور حب ..اهتاجت في نفسي رغبة العودة لممارسة الرسم , فقد حلق لونه في فضاءات مخيلتي .والتصق بذاكرتي .
احسست اني منفصل عن العالم , وان اجنحة هادئة طوقتني ولفتني بريشها الناعم , وحملتني الى فردوس مجهول….وقد رايتها بعد عدة ايام , انا الذي نسيت اسمي بين ذراعيها  , اشحت بوجهي عنها , فقدمت نحوي , رافعة راسها كانها تهم بمناداتي , فلذت منسحبا في طريق مزدحم , ودخلت الى محل ضاج بالزبائن  . جلت  بنظري في الاشياء المتراصة على الرفوف الثقيلة بالمواد المختلفة .. عرجت نحو الرف الذي يحمل لوازم ومعدات الرسم , وضعت في الكيس مجموعة من فرش الرسم وعلب اصباغ زيتية ومائية ,, فقد هجرت الرسم منذ بدأت ارغفة الخبز تهرب من ايدي الفقراء … ولكني مازلت احتفظ ببعض من الورق المقوى وقطع قماش صغيرة …
.    شعرت انني جددت السعادة نفسها , الفرح نفسه , من اجل ان لا اكون اسيرا حتى للجمال , وحتى للامر الذي حرمت منه , فاني لا انغمر  واذوب فيه ذوبان الفلزات المتشابهة.. بل اذهب احيانا الى ابعد من ذلك  , اجد متعة في حرماني من الاشياء التي احلم بها طويلا, وذلك انني اهون على نفسي باني صاحب ارادة قوية , وهذا امر يرضي غروري … وان قلبي هو الذي يغير ملامح الناس والاشياء…
عدت الى البيت حاملا كيس ادوات الرسم.. استقبلتني زوجتي التي تمتص هدوئي بنبرتها المتعالية الاستفزازية : خير انشاء الله , جئت مبكرا ليس كعادتك , هل تعاركت مع أحد ؟؟
وضعت احدى الورقات تحت ماسكة الورق, وهيات اصباغي وفرش الرسم والاناء الزجاجي المملؤ نصفه ماء , وبدات ابحث في ذاكرتي عن اللون الذي مازال عالقا في ذهني ,اللون المتميز الزاهي لثوبها,  الذي اغواني لونه الغرائبي .. بدات استخدم الالوان الفردية القريبة منه وحين لم اتوصل اليه ,  بدات امزجها , كذلك  لم اصل الى ذلك اللون المطبوع في ذاكرتي , انمحت كل الالوان الا هو ,حاولت مرارا وتكرارا, لكني  تركت الرسم وعدت ثانية اليه  بعد العشاء , شئ لايصدق , لقدتبخر هذا اللون من ذاكرة فرشاتي , انتصف الليل , كانت زوجتي غارقة بين طيات الشخير, تتمايل بين امواجه , صاعدة ونازلة , وصلت الى طريق الياس , وقفت ضجرا , متعبا , يائسا , متذمرا ….  رميت فر شة الرسم , المشبعة بالاصباغ ,  في اناء الماء الزجاجي اتكأت الفرشاة ذات العصا السميكة , على حافته فانكفأ , واندلق الماء على ارضية الغرفة ,  فظهر اللون فجاة , دونما جهد , او تخطيط , هكذا هي لحظاتي المفرحة المتطايرة , انه اللون الذي ابحث عنه منذ ساعات طويلة متعبة ..وكانها هي ممددة بثوبها الانيق الجذاب , هنا في بيتي , على ارضية الغرفة , التي انام فيها مع زوجتي ..بسرعة اندفع الماء الملون الى ابعد نقطة في الغرفة , ومن فرط دهشتي رايت اللون الذي شغلني يغطي ارضية  الغرفة كلها .
صرخت دون وعي مني : لقد ظهر اللون … لقد ظهر اللون !!!                                                                             استيقظت زوجتي مذعورة من صرختي المفاجاة , صائحة هي الاخرى : مابك , مابك … هل جننت ؟؟
نظرت الى ثوب زوجتي ….صرخت في سري : ياالهي انه اللون الذي  ابحث عنه  ,الان أراه متألقا زاهيا , وهو نفس الثوب الذي أبهرني وحلق لونه الغرائبي ,  في فضاء مخيلتي , ولم أستطع الامساك به  !!! .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"