تابعنا على فيسبوك وتويتر

 

الأستاذ المبدع عز الدين المدني

* دكتوراه في علم اجتماع المسرح
المقدمة
شاع فن الممثل الواحد في مسارح الوطن العربي منذ منتصف الثمانينات، ولم يكن له غير كنية حلى للبعض دعوته بالمونودراما. لا لشيء إلا لأنه قادم من الغرب رغم أن فن كهذا في الغرب يدعى” ONE MAN SHOW ” في الغالب . كما يدعى فن مسرحي آخر بفن “TWO MAN SHOW ” وهكذا . فلم يكن لون “المنودراما” غريباً على المسرح العربي ففي الستينيات شاع تقديم مسرحية أغنية التمّ لتشيخوف تمثيل وإخراج سامي عبد الحميد. وأخرجت على أغلب المسارح العربية باسم مسرحية من فصل واحد، بين ممثل متقاعد، وعامل مسرح منصت. وتبعتها مسرحية يوميات مجنون لغوغول… ورغم أن هذه الأخيرة تتعرض لحياة مجنون يتذكر تسويغ لفعالية التمثيل الفردي إلا أنها هي الأخرى مسرحية ذات لون لم يكن بديلاً في المسرح الغربي . فقد جاء ضمن العديد من الأساليب والتنويعات ليس من أجل  التشييع لهذا اللون، ولكن كظاهرة جمالية تقتضي الضرورة خوضها لا تعميمها . ولذلك مسوغات منطقية تتعلق بالدرجة الأولى بجماعية المسرح كفن اجتماعي هادف. لا يمكنه نقل مضامينه من غير العمل الجماعي سواء خلف الكواليس، وما قبل فتح

مسرحية جلجامش لسعدي يونس عام 1993

الستارة. أو على المسرح.
ومن ثم  وصلنا هذا اللون عند التعرف على فن الأفاغارد، أو ما أطلق عليه الناقد مارتن إيسلن بمسرح العبث، كانت البداية مع مسرحية الشريط الأخير لصموئيل بيكت من إخراج أحمد المفرجي .. ومسرحية الأيام السعيدة: كان الذي يشاهد مسرحية من هذا النوع يبتئس مسبقاً لعلمه بأنه قادم لعمل لن يجد فيه الكثير مهما كان الممثل مبدع، ومشهور . غير أن من قدم هذا اللون لم يرتهنوا إلى تقديم هذا النمط لوحده، ولم يتوقفوا عنده فقط بل كتبوا الكثير غيره، وتزخر المسارح العالمية بكافة الأساليب المسرحية، ولم تعتبر مسرح المونودراما النمط الوحيد، وأخذوه على علاّته، إنما وظفوه بما يتلاءم والوضع الحلمي لهم.. كعادتهم التي تختلف عن عاداتنا في التقليد، والجري وراء مثل واحد أوحد.
فلما شاعت المهرجانات المسرحية العربية منذ بدايات السبعينات وبخاصة مهرجان دمشق للفنون المسرحية، بدأت تعم هذه الظاهرة وقد ابتدأها التشكيلي المغربي عبد الحق زروالي بمسرحية رحلة العطش بشكلها المتهافت، لأنه استسهل العمل فكتبها، ومثّلها ونفذًها بكل متناقضاته، وتخبطاته، لكن الدكتور سعدي يونس قدم مثالاً هاماً لكيفية نقل ملحمة، أو جزء منها من خلال ممثل واحد، جاءت في عرضه لمسرحية بعنوان غلغامش عرضت في مهرجان قرطاج لعام 1985، استخدم الأقنعة والستائر، وتبديل النبرة في الصوت لكي يجسد التباين بين شخصيتي غلغامش، وصنوه إنكيدو، ولربما يكون محق في هذا التجسيد لأن بعض الدراسات الحديثة تؤكد بأن إنكيدو ليس سوى صنو غلغامش، أو الآخر فيه (2).
وقد عزا البعض هذا التوجه إلى نمط مسرح الممثل الواحد لمؤثرات التباعد العربي، وكثرة الحروب المحلية، وبخاصة الحرب اللبنانية كأسباب علقوا عليها معضلة انتشار مسرح الجماعي، لكننا لم نجد في لبنان إلى القلة القليلة التي تعاملت مع أسلوب المونودراما. بل أن كثير من الأعمال التي أنتجت إبان الحرب كانت قوية وجماعية كأعمال زياد الرحباني، وريمون جبارة “حيث ساهم بمسرحية صانع الأحلام في قرطاج 1985″، ويعقوب شدراوي، وروجيه عساف “شارك في مسرحية الخيام بدمشق 1984″… فعلى الرغم من أن الحرب اللبنانية المقيتة التي كانت قد فرقت حتى أعضاء الفرقة المسرحية الواحد بالحواجز التي كانت قد وضعتها المليشيات، ومجرد التفكير بالمرور بالحاجز يعني مجازفة كبيرة قد تكون نهاتيها الموت، ومع هذا كانت عروض المسرح اللبناني مستمرة، ومتواجدة حتى في المهرجانات أثناء أصعب ظروف الحرب . وبهذا نستطيع أن ننفي حجج البعض عن ضيق وعدم إمكانية جمع الممثلين في كل الظروف، ومنها تعلّق الفنان بارتباطات مع أجهزة فنية أخرى كالإذاعة والتلفزيون، والسينما .
فعلى الرغم من تصور البعض من غير المختصين أن بامكان الممثل الواحد أن يقوم بالتعبير عن كافة المشاعر، والنوايا، وعكسها للمشاهد برؤية جماعية فإنهم مخطئون وعلى درجة كبيرة من الوهم . فإبتداءً من مؤلف النص .. فإن ما يجري ليس أكثر من لوي عنق المادة والحدث والشخصيات، وجعلها تنبثق من ذكريات فرد مهما أراد المؤلف خلق تبريرات لها . ولكنها بالتالي سوف تظهر على المسرح محسوسة، ومرئية ولا يبقى سوى أن يقوم ممثل واحد بتقديمها . أو أن يقدمها أكثر من ممثل . وفي مسارح عديدة يعمد الكثيرون للعكس، فهم يطوعون نصًا لرجل واحد إلى الجماعية فيقومون بإبراز رؤاه بشكل مجسد من قبل ممثلين بلحم ودم . وليس في ذلك إلا نوع من تنويع مستوى الأداء وعدم حصره في قابلية واحدة مهما ابتكرت، وكانت على درجة عالية من الإتقان . ومع هذا فنحن ليس ضد هذا اللون لو اتخذ لنفسه مكانته المناسبة في التقديم، واستوجبته الضرورة.
ومع هذا استهوت الفكرة بعض كتاب القصة، ومنهم من سبق أن كتب للمسرح الجماعي بشكل متناسق مع نفسه، فقد جلبت المونودراما مع ظهورها في بدايات الثمانينات كثير من الأسئلة. يتعلق غالبها في الخشية على جماعية فن المسرح الذي هو أهم مميزاته، فهل عجز المسرح العربي عن التفاف في مجموعات عمل لعرض متوسط. أو كبير؟ وهل يعجز المسرح العربي عن هذا العرض رغم كل المعوقات؟ باعتقادنا أن ذلك لا يتعلق على العموم بهموم المسرحيين من حيث ضيق الحال، وعدم توفر الفرص لتلاقي مجموعة كبيرة أثناء التدريبات التي تعتبر عصب الفن المسرحي، وكل فن.
إن التأكيد على كون أن هذا اللون يجب أن يسود، لكثير من المعوقات التي تطرأ على المسرح العربي، ومنها قلة الكلفة، وسهولة التنقل، وبالتالي يسر التمرين، وما إليها تبدو غير مسوغة للخروج بهذا المسرح لمستوى تعميمه كظاهرة خطيرة في المسرح العربي على اعتبار هذا اللون بديلاً جاهزًا عن جماعية المسرح فلكل منهما طابعه، ولونه، ومكانته . ولا يمكن أن يحل أحدهما مكان الآخر. بل يمكن أن يترافقان مع غيرهما من الأساليب في لحمة حركة مسرحية عريضة.
وهكذا يكون لنا الحق في تعريف اللزوميات، واللاحجج . فمن أين أتى مسرح المونو دراما؟ أو مسرح الممثل الواحد إذن؟ إن  مجرد الرجوع الواعي من أبسط مفكر وباحث مسرحي لن يبتعد كثيرًا عن ألوان فنون الحكواتية في الرواية، سبق لبرتولد برخت أن استفاد من معطياته ووظفه في مسرحه. فالحكواتي لو قدّم على مسارحنا العربية فإنه بالتأكيد سوف يتخذ حرفة أقدر على الفهم سواء من قبل المشاهدين. أو الممثلين لأنهم على الأقل سوف يعكسون ظاهرة تربوا عليها. لكن الفكرة راقت لكثير من  الذين الصحفيين الذين يودون ادلاء دلائهم في كل حدب وصوب من هؤلاء الذين يسمعون بالشيء، ومن منتصفه، فيعتبرونه إجازة لمقالة يكتبونها، وليس لديهم من أدواتها غير بعض المصطلحات التي يسيئون استخدمها مكانًا، ومعنى.
وهذه علة ابتلى بها القاريء العربي خصوصًا من هؤلاء الذين يبيحون لأنفسهم ما لا يكون لغيره في الحديث عن أي شيء ما دام يجلس على كرسي زاوية يكتبها، وينطلق من أحد أركانها المظلمة بالطبع. فهل يجوز للرسام أن ينقد في الشعر. ممكن لو كان شاعرًا متميزًا، ويجوز له أن يتذوّق لو سؤل، ولكن أن يفتي وينظّر ففي ذلك سفاهة كبيرة علينا التصدي لها كل في حقله، ولتعلمنا في بلادنا هذه التربية، وكنا نخشى حتى الكتابة في موضوعتنا ما لم نكن متأكيدين من صواب، وأهمية، وريادة ما نقدمه . منطلقين من مبدأ “قل شيئاً. أو اصمت” فالصمت حكمة ولهذا الذي ننقده هنا جوانب سلبية كبيرة على مناحي كثيرة فكريًا وجماليًا، ليس على القارئ الباحث في الكتب، والمراجع الأخرى، وإنما فقط على القارئ الذي ليس له مرجع غير الجريدة اليومية، ولا حتى تلك الدورية الأسبوعية، والشهرية . وهذا ما يشوب بعض زوايا صحفنا ممن يقبضون رواتبهم، وما عليهم غير ملء الفراغ، بمادة أفرغ .
بعد هذا التقديم؛؛ تعالوا لنرى ماذا فعل عزالدين المدني المؤلف المسرحي المختص بنقل التراث العربي للمسرح، وقد وجد ضالته في تراث بعيد في التاريخ العربي، يحمل نفس التوجه، ويتحمل نفس النقل إلى المسرح، لعله بذلك قدم درساً غير مسبوق لمن يتنطعون في الكتابة بهذا اللون.
درس من معلم
فقد تصدى المبدع عز الدين المدني لكتابة مسرحية التربيع والتدوير، من خلال الحكاية الواردة في أديبات الجاحظ، وهو نص آيل للمثول إلى المسرح، لأنه متضمن على كل مقومات نمط الممثل الواحد، أو أسلوب الحكواتي في سالف الزمان، هو حكاية تنطوي على شكوى العبد الفقير إلى ربه تعالى أحمد بن عبد الوهاب رئيس ديوان الإنشاء والعلامة إلى الخليفة الواثق بالله العباسي .
إن عز الدين المدني يتعامل مع نصوصه المسرحية التراثية من خلال عدة اتجاهات تجريبية، يفتح من خلالها نوافذ لاحتمالات الاستقاء من التراث، وبالأشكال المنقولة من عصرها إلى هذا العصر .. وفي مسرحية التربيع والتدوير التي تعتمد على بطل فرد، هو إحدى شخصيات الجاحظ بأسلوب الحاكي الروائي .. والممثل الفرد، الذي يقف أمام الحضور لعرض قضية تأزّم منها، أو معضلة عانى منها، أو مسألة ذات أبعاد متعددة تعرّض لها .. وهنا يعطي عز الدين المدني الإشارة للمسرحيين العرب بأن فن الممثل الواحد هو فن عربي إسلامي قديم .. لم يجهد المسرحي العربي نفسه في البحث عن هذا النمط، ومتابعة فنونه القولية “الحكائية، والحركية” . بل وكان إلى وقت قريب جداً غير ملتفت إليه حتى جاءته الرسالة من الغرب، فانتشر كالنار في الهشيم، وصار ينمو ويتورم بكل مثالبه المستوردة، ومنها على وجه الخصوص اعتباره لون هام، ولسهولة التنفيذ شاع، وعام حتى طغى على أعمال بعض الفرق المسرحية فصارت لا تقدم إلا هذا اللون، وقد تركت المسرحيات الجماعية العنصر الأهم في العملية المسرحية .
بهذا يحق لنا أن ننبه إلى خطورة الانجرار إلى استقطاب هذا النمط ما لم يكن هناك حاجة ملحة له، لأنه عامل يهدم الجماعية في التعامل المسرحي، وفي بيان العملية المسرحية .
المهم أن عز الدين في هذا العرض يتعامل مع نص أجزاؤه الأولية مختصرة، ولكن فكرته هي التي أوحت للمؤلف بهذا العمل .
والعمل هو أحد أنواع المشاكاة التي تقوم على إقامة دعوى ضد بطل لكنه غائب عم الحضور، والشاكي هو الحاضر، وهو هنا البطل أحمد بن عبد الوهاب الذي يقول في مقدمة شكواه :
أحمد : شكوى العبد الفقير إلى ربه تعالى أحمد بن عبد الوهاب رئيس ديوان الإنشاء
والعلامة للخليفة الواثق بالله العباسي أيده الله، يرفعها يعين باكية دامية هتافة
وبفؤاد مفجوم مهموم يقطر لوعة، وأسى وحسرة وأسف إلى رب العالمين العادل
المنصف الحاكم الحكيم الرحمن الرحيم بعبده المظلوم أحمد بن عبد
الوهاب، ويرفعها كذلك إلى مجالس المظالم ورئيسهم سيدنا ومولانا الخليفة .
خليفة رسول الله “ص”، أيده الله تعالى في الأولى والآخرة ليزيل بسيفه الباتر
القاطع عن رعيته المطيع أحمد بن عبد الوهاب الظلمة والغمة، ويرفعها أخيراً
إلى كل مؤمن غيور على دينه ودنياه من كل ظالم دجال، وكل كافر خبيث
محتال والله المستعان وحسبي الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير
وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب
العالمين آمين .
وقد قسم المؤلف لوحات ومشاهد المسرحية إلى عناوين تفسر الموضوعات المتضمّنة لكل مشهد وأحداثه .. باسم أحمد بن عبد الوهاب . وتبدأ بعنوان “يصلي” ثم يليه عنوان “يبتهل إلى الله” يردد فيها أحمد دعاءه إلى ربه، ويقتبس صلوات تعينه على بلواه، وشكواه، ونجواه . وفي العنوان الثالث “في طريقه إلى مجالس المظالم” يقول :
أحمد : أتردد منذ أسبوع على المجالس، ولا أحد يستمع إلى شكواي ! لا حول ولا قوة
إلا بالله العلي العظيم، منذ أسبوع وأكثر من أسبوع، وأنا أتردد على مجلس
المظالم حتى أهملت شؤوني ! أتردد على مجلس المظالم لأن لي ثقة بمجلس
المظالم، لأن لي ثقة مطلقة بقضاة مجلس المظالم، لأن لي ثقة عمياء بأحكام
مجلس المظالم، حيث يعلو الحق ولا يُعلى عليه، إلى آخره .
ويظّل أحمد بن عبد الوهاب يسرد مظالمه التي ينسبها إلى في البداية إلى جهة غير معلومة، ولكنها تعني الجهاز الإداري الحكومي، في الوقت الذي يمدح الحاكم خشية أن يصيبه مكروه، وبهذه الموازنة يكون راضياً من داخله هو على الأقل، على أنه يقول كل شيء، ولكنه لا يمس أحد جهراً، ومستنيراً بما يمكن أن يفيده مجلس القضاء فيقول :
أحمد : وأنا طالب حق يا مجلس المظالم ! أنتظر طوال الأسبوع على أحّر من الجمر،
ونفسي تقول لي : يا ابن عبد الوهاب، لا تتعجل، إن العجلة من الشيطان، سيأتي
دورك، لا محالة، تمهل، إن عاجلاً، أو عاجلاً، لا بد ! لا أسمح لنفسي بأن أصرخ
في وجه القضاء، ولا بأن أبجّل شخصي على الناس، معاذ الله ! فالأول بالأول، ثم
الثاني بالثاني، ثم الثالث بالثالث .. إذن أترقب دوري من الفجر إلى العشاء بكل
امتثال .. “إلى آخر” (1\ ص103).
وفي عنوان “أمام باب مجلس المظالم” يحتج أحمد بن عبد الوهاب على الضوضاء والجلبة التي يراها .. فيأمر الناس بالانتظام، والتفرق متعجباً من وجود غيره متجمهراً أمام الباب، ويستغرب من تراكم الناس الذي يعني أن هناك قضايا متراكمة على مجلس المظالم . فأين القضاة .. ثم يسأل الأشخاص الوهميين فرداً فردا عن قضاياهم، ويجيب عنهم فيقول (1\ص104):
أحمد : أنت، ما هي قضيتك ؟ تخاصمت زوجتك مع جارتها فلطمتها ؟ وهل هذه قضية ؟
وأنت غشك الخباز ؟ هذه قضية تافهة .. وأنت الآخر .. “إلى آخره” .
ويقوم عز الدين المدني في هذه المحاورة الفردية بتصوير الجمهرة من خلال تعامل الشخصية المحورية مع الآخرين يجدر بالممثل حُسن تشخيص الفوارق بين شخصيته والأدوار التي تقابله في كل مرّة .. وعندما يسمع لشكواهم، وهمومهم، ومعاناتهم، والفوارق التي بين كل منهم، وبين قضيته .. لا يجد نفسه إلا ويطرح هو الآخر شكواه في قضية يفصلها المؤلف في عنوان “بين الناس” يستهلها أحمد بن عبد الوهاب بالقول :
أحمد : هجاني يا ناس ! النجدة، النجدة، النجدة يا ناس، والله، إنه هجاني ! الحقوني !
نعم، هو الذي هجاني، وبسهامه رماني ! أبكي وأنحب، فمن يمسح دموعي ؟
ماذا صنعت حتى تهجوني ؟ “إلى آخره” (1\ ص104).
ولما لا يجد من يقف إلى جانبه، أو من يستجيب له، أو يتعاطف مع ما طرحه، فالحق معهم، لكل منهم أمره، وشأنه الذي يشغله عنه، وكل يحسب أن قضيته هي الأولى، والأحّق والأجدر بأن يكون الحكم فيها أنصف من غيره .. فيقوم أحمد باستعطافهم، واستلطافهم، والتوسل بهم أن يسمعوه، ومع هذا لا مجيب فيحاول استفزازهم بمشاكاة هامة عن طبيعة القضاء وتراكم القضايا (1\ ص104):
أحمد : أيعجبكم تراكم القضايا ؟ أراضون عن غلاء المعاش ؟ انصروا العدل ! طالبوا
الحق .. أبكي، أبكي .. اللهم فرقه كما فرقني ! اللهم افضحه كما فضحني،
وشتمني، وثلبني، وسبني، وعيرني .
وفي عنوان “أمام الخليفة رئيس مجلس المظالم، ومستشاريه القضاة” يقف أحمد بن عبد الوهاب لكي يشكيه بلواه وقد استجار به لأنه الإمام العادل الُهمام .. يتبعها بصفاة التكريم والتبجيل وخواص العدل والإنصاف . ومنها ينتقل أحمد بن عبد الوهاب إلى شرح قضيته من خلال نفس العنوان . فيقول (1\ ص 105):
أحمد : أبسط قضيتي .. قضيتي بسيطة، على جانب وافر من البساطة، فيها الكثير من
التبسيط . لا أطيل عليكم إذ أني أحب الاختصار في كل شيء، والإيجاز في
الخطاب . يفعل غيره هذه الفضائع والشنائع ؟ الجاحظ ! إذن ذلك القصير، ذاك
القميء جداً، ذاك القزم جداً ! القبيح، الدميم، الكريه، السمج، والعياذ بالله ..
ويتبعها بتلوين أقبح الصفات لأجزاء جسد الجاحظ، فيتفنن بإعطاء أسوأ الوصف لعيونه شكلاً، وطبيعة، فيقول :
أحمد : من حلُم منكم بسكان كوكب المريخ، بعيونهم المرعبة الشنيعة ؟ تصوروا أن
عيونهم عظيمة، بل هي أعظم وأهول مما تصورتم ومما تتصورون، مستديرة تامة
التدوير، مقببة ناتئة القبة، يابسة أيبس من الصخر .. لا حظوا أيها السادة .. “إلى
آخره” (1\ ص108).
ويستمر أحمد بن عبد الوهاب في تقاليب الصور في وصف عين الجاحظ حتى يقول :
أحمد : ومن الغريب، نعم، ومن الغريب أنها ترسل شعاعاً أخضر في الليل، عافانا الله
وإياكم من المناظر القبيحة ! تلك هي عين الجاحظ ! ولولاها لما كان الجاحظ !
ذلك أن الجاحظ كله عين في أول الأمر، عين مريخية في آخر الأمر ! أفهمتم ؟
وتحت عنوان “يفاخر الجاحظ” يصف أحمد بن عبد الوهاب مكانته هو بنفسه، ويفاخر من مبدأ المفاخرة القديمة لكي يتنطع إلى شخصية الجاحظ، ويستنفزه بقصد إثارته وسحبه إلى مشادة قد تحسم الأمر بينهما . وينعطف أحمد بن عبد الوهاب إلى ما كان والده هو يصفه بالجميل، ولا يكلفه، أو يناديه، أو يحببه إلا بكلمة الجميل، ولكي يزيد مفاخرته يورد المثال الآتي (1\ص108):
أحمد : أتتذكّر يا جاحظ ؟ ماذا أتذكر ؟ لا بد أنك تتذّكر ! أتتذكر تلك المرأة التي
جملتك إلى صانع المصوغ، وأنت حائر من أمرك، وأنت تسألها، وتلح عليها في
السؤال : تريدين مني ماذا يا مليحة ؟ وصلت بك إلى دكان صانع المصوغ، ثم
دفعتك نحوه وهي تقول : يا صائغي إلى هذا الوجه ! إنه من سكان المريخ ! ..
أحب أن تنقش لي على الخاتم الذي ابتغيه وجهاً مريخياً كهذا الوجه ! أتتذّكر
كيف كنت في غفلة عن قبحك وبشاعتك ؟ ثم تأتي اليوم لتفاخر أحمد بن عبد
الوهاب في أناقته ورشاقته .. “إلى آخره” (1\ص109).
وفي عنوان “يجيب على أسئلة الخليفة” يطلب الخليفة من أحمد بن عبد الوهاب أن يصف الجاحظ بدقة أكثر، فيستجيب أحمد بعد أن يفّسر معنى الوصف والدّقة لغوياً، وعندما يدخل عنوان “يصف الجاحظ” يقوم أحمد بتشبيه الجاخظ باللحم القديم، والعظم المسوس، والأعصاب الفالتة .. وغيرها من الجاسات، وإذا ما انتقل إلى مقاييس جسد الجاحظ يصوره بأبشع، وأغرب المقاييس، من قصر في الطول، وضخامة في العرض، وشكل من سلالات الزواحف (1\ ص110):
أحمد : هو في علم الحياة، خلية تعطلت عن التجدد، فركدت، وتجمدت، واهترأت
بحكم تقادم الميلاد . وهل تعلمون أيها السادة، والسيدات أنه عاصر نبي الله
شيتاً، وسبق نبي الله نوحاً، وعاش الطوفان ! إذن كله تجاعيد، إذن كله جلود،
إذن كله تكاميش، وتكميشات ! والنتيجة أن الرجل لا يملك شعرة واحدة . بل
شعره مستعار، وقد لصقه على دماغه ووجهه وذقنه بالصمغ . ! بل أسنانه جميعاً
مستعارة . باختصار ! فمه مستعار، وأنفه مزوّر، وكلّه مرّيف !
وفي عنوان “يتحدى الجاحظ” يقول أحمد بن عبد الوهاب :
أحمد : لئن ربعتني يا جاحظ، فإني سأدوّرك، لئن ثلثتني، فإني سأخمّسك، وأسدسك،
وأسبعّك .. “إلى آخره” .
وفي عنوان “يجيب ثالثة على أسئلة الخليفة، ومستشاريه القضاة أعضاء مجلس المظالم” يقوم أحمد بن عبد الوهاب بتقليد كلام المجلس (1\ص112):
المجلس : هل انتهيت ؟
أحمد : لم أنه ! وكيف أنهي ولم آخذ بثأري ؟ بل سأواصل، سأواصل، سأواصل .
المجلس : صرنا نعرفه كما لو كان حاضراً بيننا ..
أحمد : لا تعرفونه . لا ! دعوني أحدثكم عن أبيه !
المجلس : لا تحدثنا عن أبيه !
أحمد : عن عمه !
المجلس : لا تحدثنا عن عمه، ولا عن خاله !
أحمد : دعوني أحدث الجمهور عما يقوله علماء الوراثة في الجاحظ ! كان والده يبيع
السمك والقرنيط في بطاح المدينة .. لا تقاطعوني !
المجلس : لا .. لا .. نحن نريد منك أن تقدم لنا شخصك .
ويصر أحمد أن يسير فيما هو عليه، ولا يريد من المجلس أن يقاطعه، ولا الجمهور، فيصف عائلة الجاحظ فرداً فردا، رجالاً، ونساء . وينتقل إلى مؤلفات الجاحظ فيعتبرها لا شيء لأنها من البديهيات .. ولأنه هو أحمد بن عبد الوهاب متواضع، ومنضبط، يجد في هذا مبرر أن يحكي عن نفسه في عنوان “يقدم نفسه” فهو مؤدب يعتذر إذا ما بدر منه أي حماس في غير محله . وهو معروف في التواضع، وليس مثل الجاحظ . فهو ليس بحقود مثله . بل عاقل، ومهذّب، خجول لا يتعدى على أحد . ويحذّر من غضب العاقل لأن قلبه أبيض مثل الحليب رغم ما جرى له مع الجاحظ . ورغم التفاصيل التي ذكرها فإنه يعود من جديد إلى أيام الصبا في علاقته مع الجاحظ حيث ولدت خصومتهما منذ ميلادهما، والفارق بين أسرتيهما . ومنها ينعطف أحمد بن عبد الوهاب إلى وصف عائلته منتقلاً إلى جده في عنوان “يقدم جده، ثم والده، ثم يقدم نفسه ثانية” .
ولا يجد المؤلف ثغرة، أو مكان لا يدقق فيها سواء في شخصية الجاحظ من خلال ما يعرضه أحمد بن عبد الوهاب، أو من خلال أحمد لنفسه. وكلما غالى البطل في وصف الآخرين، كلما وصل في النهاية إلى وصفه لنفس من خلالهم، أو من خلال المحصلة التي يستخلصها . ويعتني المؤلف أيضاً في التنبه الكبير إلى خاصية التعامل مع الجمهور، وعلاقة الممثل معه، ومن خلال توجيه الحوار إليهم، أو الاعتذار منهم، أو قطع فقرة يؤديها لكي يعتذر عن التطويل . وهكذا حتى يصل أحمد بن عبد الوهاب إلى شرح الحادثة التي جاء من أجلها . فيقدمها تحت عنوان “يشرح أمره وشأنه” فيشير إلى مواقيت عمله، وأجره، والضرائب التي يدفعها، والضمان الاجتماعي، والفوائد على الديون، ومصروفاته الشهرية للخدم والطعام, والملابس والالتزامات الاجتماعية حتى يصل أحمد بنا إلى ما يتبقى له من نقود في نهاية الشهر . ثم ينتقل إلى وصف حال وظيفته في عنوان “يصف وظيفته” فيبدأ يوصف المكتب لوناً، وحجماً، وأناقة، والإضاءة أمام الباب وقد وقف حاجبان تحت كل واحدة منها، ولأنه يحب الدقة والنظام فقد أمر أحمد الخطاط بكتابة شعار علّقه في صدر مكتبه يدعو للالتزام بالنظام والدقة والانضباط. ويصف أحمد نوع الخط والحبر والورق الذي يكتب فيها، وكيف ولكن يكتب الخطابات الموجهة لكل أنحاء العالم، وكيفية إرسالها بعد ختمها بأجود أنواع الشمع . وعند كتابته لموضوع الرسالة فعلى أحمد أن يختلس لنفسه خلوة لكي يحرر الخطاب بالدقة المتوخاة واصفاً أجزاء الرسالة من المطلع وحتى الخاتمة، مروراً بالديباجة .
ثم يعود أحمد وكأنه تذكّر من جديد الجاحظ لكي يعيره ويشنعه في عنوان “يهجو الجاحظ ويفاخره”، فيهجوه مرّة بعد مرّة . لا ليصف الجاحظ هذه المرّة، وإنما ليذكره بمن يهجوه .. أيهجو من تقع على عاتقه أعباء الدولة ؟ فكتابات أحمد  أكثر من حجة، ووثيقة، وتاريخ تدرسه الأجيال، حتى ينتقل إلى جوهر الخصومة يقدمها هي الأخرى في عنوان “يشرح الخصومة بينه وبين الجاحظ” فيقول(1\ص124):
أحمد : هذا الجاحظ الوصولي الخبيث ذهب إلى صديقه الوزير أحمد بن عبد الملك
الزيات، وطلب إليه أن يتولى رئاسة ديوان الإنشاء والعلامة . وبما أن الوزير لبّى
طلبه توهم أنه يقدر على افتكاك منصبي، لكن لا يعرف الجاحظ إني أخبث
وأقدر على فضح دسائسه ومؤامراته الدنيئة . فوجهت زوجتي إلى أخيها حاجب
سيدنا، ومولانا الخليفة فحادثته بدسيسة الجاحظ الخبيث . فدخل الحاجب فوراً
على سيدنا ومولانا الخليفة وحدثه بدوره عن دسيسة الجاحظ الخبيث فما كان
من سيدنا ومولانا الخليفة أن دعا الوزير على الفور ووبخه أشّد التوبيخ، وحذّره
من مغبة العودة إلى مثل هذه الدسائس . وأخذ الوزير ينظر إليّ شزراً، وأنظر إليه
شزراً . وبعد مضي شهور على الفضيحة أصدر هذا الدساس كتابه التربيع والتدوير
مزقه الله إرباً، إرباً يا جاحظ أنت منافق دساس ؟
وفي الرجوع إلى أصل الفضيلة يقوم أحمد بن عبد الوهاب بعبور الأزمان في عنوان “يصف نفسه، وطبقته عبر الزمان والمكان” من خلال العبور حدود الأزمان، وكأنه حالم يسترجع التاريخ بذاته لذاته عبر العصور والتواريخ . فمن زمن البابليين ثم إلى الغساسنة، ومروراً بالملوك العرب، عابراً الخريطة الجغرافية من اليمن إلى القيروان مرّة، ويرى نفسه وراء السهول حيث تقوم سمرقند، فيتخيل حروب تيمورلنك . ثم يتداعى إلى عهد الفراعنة وبلاد الرافدين فيحفر في المرمر تشريع حمورابي، ويدخل سراديب قصور المماليك حيث تطير الحمائم البيضاء بين القاهرة، ودمشق .. ويظل أحمد يحوط في هذه الدنيا التي يعرفها المؤلف، ولا يلوي على شيء إلا لكي يستخرج منه فكرة، ومعنى، وموقعة، واسم .
وينصح أحمد في عنوان “ينصح الجاحظ” يتوجيه ملاحظات أخيرة قبل أن ينسحب لكي يعطي المجال لمجلس المظالم في التشاور، والحكم الأخير .. لكنه يضيف ما يدعي بأنها كلمة موجزة واحدة، مخاطباً الجاحظ لكي يفضح جهله، لأنه هو الآخر قد تغنى بالإنسان التوّاق إلى التمام، والكمال .. وفي العنوان ما قبل الأخير “يصلي” يدعو أحمد بن عبد الوهاب ربه ويستغفره .. وفي العنوان الأخير “؟ ..” يقول :
أحمد : كان في مستطاعي أن ألقي عليك ألف سؤال لأنهم خزنوني بألف سؤال في كل علم، وفي كل فن، وخزنوني بألف ألف جواب في كل علم وفي كل فن .. أنت إنسان ضعيف .. أنت إنسان صغير .. أنت إنسان حقير .. أنت إنسان جهول .. أنت إنسان جهول “يكررها مرات عديدة قبل أن تنتهي المسرحية، بإسدال الستارة، أو بالتعتيم، أو بخروج الممثل” .
وبعد فماذا كان يريد عز الدين المدني في هذه الحوارية الأحادية .. حوارية الرجل مع أفكاره، حوارية الرجل مع الآخرين، وبخاصة هنا حوارية أحمد بن عبد الوهاب مع الجاحظ أولاً .. ومع من يمثل مجلس المظالم عبر أمكنة مختلفة، وأزمنة متعددة، وبالعكس، ومن خلال مئات الناس.
لقد أراد عز الدين المدني هنا أن يحقق غرضين اثنين هما .. طرق أبواب نمط مسرحي صعب، تعرض من خلاله إلى موضوعة شائكة، ليست بالبال .. أفيعقل أن تخرج إحدى الشخصيات من بطون التاريخ لتحاكم مفكر، وتشتكيه؟ فماذا يا ترى حقق عز الدين المدني في هذه المسرحية، وهذه التجربة .. إن ما سعى إليه هو درس لتعليم الجهلة، والمتنطعين لنمط الممثل الواحد “المونودراما”، ولعل هناك أجوبة أخرى جاءت بها هذه الدراسة، ربما تعرفتم عليها!
(1)    نص المسرحية أخرجه للمسرح المخرج المصري الفنان المتميز سمير العصفوري، وقام بأداء دور عبدالوهاب الممثل أحمد ماهر، شاهدناها على مسرح بورقيبة في تونس العاصمة إبان انعقاد مهرجان قرطاج الدولي للمسرح عام 1987.
(2)    راجع دراستنا بعنوان البحث عن إنكيدو في ملحمة غلغامش، نشرت في موقع ينابيع العراق في 25\5\2011 وما قبلها، كذلك في موقع القصة العراقية، وهي دراسة مرفقة بنص مسرحية هبوط وصعود إنكيدو الصادرة عن مركز الحضارة العربية بالقاهرة 2006.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"