الرئيسية » نقد » ادب » د. عبد العزيز غوردو* : قراءة في لازمة “تعالي لأبحث فيك عني” أو نخلة الله

د. عبد العزيز غوردو* : قراءة في لازمة “تعالي لأبحث فيك عني” أو نخلة الله

* باحث من المغرب

لن أتحدث اليوم عن موضوع(ات) كتابة تستدعي طقوسا خاصة لقراءتها.. والتفكّر فيها، تفكير تأمل ونظر وتدبّر…
لن أتحدث أيضا عن جماليات نص و/أو مناص ينكشف مذ ملامسة البصر، قبل البصيرة، له، وهو الآسر شكلا.. ومضمونا فعلا…
وأكيد لن أتحدث، ثالثا، عن تشابكات الصورة والموضوع، مما يستهويني عادة عند قراءة أولى أو ثانية، لنص أرى أنه يستحق فعل القراءة، قبل الخوض في مغامرة الكتابة عنه…
هي قليلة مثل هذه النصوص التي تكشف لي عن مفاتنها منذ قراءتها الأولى المبكرة، وتشرع لي أذرعها أن هيت لك.. ففضّني…
ما أغراني لفعل الافتضاض، ودفعني إليه دفعا، هو ما دسّه يحيى السماوي في أكف أطراسه التي عرضها علينا هذه المرة.. كيف انطلقت، أنا المتردد عادة ألف مرة قبل أن أعانق قلمي الذي لا يطاوعني غالبا إلآ بعد لأي ومعاناة ومكابدة (على رأي صاحبنا أدونيس) لأخط سطرا أو سطرين قبل أن أتوقف…
تقدح زناد البصر، مرات عديدة، مشاهد ورؤى نعتقد أننا شاهدناها من قبل، في أحلامنا، فتتصور أمام أعيننا حقيقة ماثلة، في لحظة أو موقف، فيصيح الواحد منا بزهو: لقد رأيت هذا من قبل، تماما كما يتمثل بين ناظري الآن… فهل صرت عرّافا من زمن غابر؟
هي لعبة كشف العلم الحديث عن أسرارها، وأقول “أسرار” بصيغة الجمع لأنه قد تكون لها تأويلات متعددة كلها تفضي في النهاية إلى احتمالين اثنين: الاحتجاج على أن ما رأيناه قد يكون مر معنا فعلا، كما يمكن ألآ يكون قد مر بتاتا؛ وأن الأمر لا يتعلق بتجلٍّ أو انكشاف صوفي… بل فقط بمجرد لعبة يتقنها شطرا الدماغ الأيمن والأيسر في زمن يسابق سرعة الضوء…
إن هذا الاحتجاج/المشاهدة/التخيل كما نرى يردنا إلى مسألة الدور.. وقديما قال شاعر/موجوع:
مسألة الدور جرت *** بيني وبين من أحبْ
لولا مشيبي ما جفا *** لولا جفاه لم أشبْ
في الصفحة 19، وقد عبرت قصيدتين من “تعالي لأبحث فيك عني” (عنوان الديوان الذي يقترحه علينا يحيى السماوي، ونقترحه نحن على القارئ ليقوم بقراءة على القراءة) وصرت في الثالثة، رأيت لعبة الدماغ تحدث تحت ناظري؛ فصحت: لقد رأيت هذا من قبل! ثم انكفأت على نفسي وعدت متصفحا ما قرأت من قبل.. في القصيدة الأولى والثانية…
ثم، وقبل أن أعود إلى القصيدة الثالثة المشرعة بين ناظري، قفزت إلى قصائد الديوان الموالية ألتهمها التهاما… فما السر في هذا القفز جيئة وذهابا؛ صعودا ونزولا.. على درجات السلّم الشعري؟
إن الأمر أشبه ما يكون بالبحث عن سرّ وشم جميل تعيد اكتشافه عند عبورك جسدا بضّا في مناسبات عدة، كما في مغامرة شبقية مثيرة، فتتساءل عن دلالته؛ أو علامة على خارطة طريق تظهر في عدة محطات تذكرك بأنك بصدد موضوع واحد في تجليات متغايرة…
“نخلة الله”، هذا ما شدني في الصفحة 19، وهذا ما دفعني للقفز على درجات سلمي الشعري… “نخلة الله” هذه مرت معي منذ مراهقتي الأولى.. وأنا لم أخطُ في واد عبقر إلآ خطوة أو خطوتين.. ثم تاهت بين ثنايا الدماغ قبل أن تعيدني/النخلة من خلاله/الدماغ إلى لعبة المتاهة المنوه بها أعلاه…
هي/ نخلة الله تعيدني إلى عنوان ديوان شعري لواحد من رواد الشعر العربي في القرن العشرين، هو الشاعر حسب الشيخ جعفر، وهو عراقي أيضا تماما كشاعرنا الفخم يحيى السماوي: أهو محض مصادفة أن يتعانق الشاعران تحت يافطة واحدة عنوانها “العراق”/ بلد النخيل← نخيل الله؟؟؟
طبعا أسالت “نخلة الله” الأولى التي صدرت منذ سنة 1969 كثيرا من المداد، وأنا لا أريد العودة لقراءة ما كنت قد قرأته منذ أزيد من ثلاين سنة، إلآ بالقدر الذي يُنعش الذاكرة بحثا عنه، ولمعاودة اكتشافه، وخصوصا بنيّة القفز من خلاله إلى “نخلة الله” الثانية للحفر في هذا التناص الجميل بين “نخلتين لله” لشاعرين عربيين كبيرين، مؤكدا أن ما أدبجه هنا هو مجرد كتابة أولى، قد تصلح لتكون أرضية لكتابة ثانية، أكثر نضجا وعمقا.
لن نكشف سرا إذا قلنا بأن للنخلة مكانتها المتميزة في شعر الشاعرين؛ بل ما لنا لا نقول في شعر العراقيين جميعا، وقد كنت كتبت في موضع آخر (فينومينولوجيا المكان)* عن ارتباط العراقيين – حتى من غير الشعراء – بالنخل، ارتباطا وجدانيا عميقا. أما الآن فلا أريد أن أتحدث عن جميع العراقيين، ولا عن جميع الشعراء العراقيين، بل عن شاعرين فقط؛ كما لا أريد أن أتحدث عن جميع النخل بصفة المطلق، بل عن نوع واحد منه هو ” نخل الله “؛ وهذا سيشرع في وجهنا من دون شك ألف علامة استفهام وتعجب لملامسة ما استغلق؟!
لكن قبل أن نشرع في محاولة فتح ما استغلق، في الشعر، لنبدأ أولا بما هو مفتوح أمامنا.. وما هو مفتوح يصر على أننا أمام شاعرين كبيرين حازا اهتماما وتقديرا، وجوائز كبرى في مسارهما الشعري.. رغم أنهما ينزويان بعيدا عن دائرة الأضواء عادة…
أيضا يصر هذا الذي ينفتح أمامنا على أن الشاعرين معا نالا حظهما/الوافر من العوز والمعاناة ولعنة المنافي.. لكنهما معا لم يفكا أبدا ارتباطهما العميق بالوطن، وبالريف، تحديدا… فهل يسهم ما انفتح هنا في حل شفرة ما استغلق هناك؟
نعود إلى “نخلة الله” المتشظية في الشاعرين، تشظي الوطن، وإلى هذا التناص الوارد عن سبق إصرار وترصد، مما يضيء الأثر الأصلي/ حسب، بانعكاس مغاير/ السماوي… يجسد التجلي بينهما معمارا شعريا بديعا في الاثنين.
في الأثر/حسب لا نقرأ، في قصائد الديوان الخمسة عشر، ترددا يصر على استيلاد “نخلة الله” في مواطن متعددة؛
في الانعكاس المرآوي/السماوي نقرأ مثل هذا الاستنبات، مما أفسح مجالا أمام البصر، قبل الذاكرة، للانتعاش كلما تجلى الغياب/ غياب النخلة، محطة أو محطتين… وبمثل هذا التردد الممتلئ تتجسد “نخلة الله” السماوية بغير ما تجسدت به “نخلة الله” الحسبية (على التوالي نسبة إلى السماوي؛ ثم حسب)؛ هي ظلت في الرحلة الحسبية شامخة في العنوان، وشبه غائبة في المفعول القصائدي؛ بينما يحصل العكس في الرحلة السماوية حيث تكرر التردد في عدد من المنعطفات؛ علما بأنه ظل غير وارد، وما كان بالإمكان أن يرد، في العنوان.
يعني ذلك أننا كنا في ضيافة قصائد “حسب” أمام مواضيع متعددة، يجملها عنوان واحد/نخلة الله؛ وصرنا في ضيافة “السماوي” أمام موضوع واحد يتجسد، ويتجدد، من خلال الخيط الناظم/نخلة الله، رغم أن عنوان الديوان يوحي بالتعدد. ففعل الانعكاس إذن يأتي من حيث كون التعدد في الوحدة، والوحدة في التعدد، ما بين عنواني الديوانين وقصائدهما.
ولأن الكتابة المركبة عن الاثنين تتجاوز موضوع هذه القراءة، فإنني سأنصرف إلى التركيز على ما انعكس في الموشور، وعزائي أن تتهيأ الفرصة لاحقا للإقدام على مغامرة تركيبية للنخلتين، أو الديوانين، ترسم لها أهدافا أكثر عمقا. وفي انتظار ذلك أشرع للسؤال، موضوع القراءة، مجالا للانبجاس: هل نحن، في ديوان السماوي، حيال كتابة شعرية تسعى لأن تجد مادتها اللاحمة في الذاكرة البصرية، قبل اللغوية، وأكيد الرؤيوية… لتعجن المتعدد في واحد؟
قطعا قد يكون هذا التأويل واهما على اعتبار أن الشاعر قد دسّ بين منحنيات ديوانه قصائد لا تتردد فيها اللازمة إياها/نخلة الله، مما يجعل سؤالنا غير ذي معنى؛ لكن ألا يكون هذا الفعل نفسه جزءا من اللعبة، لعبة الإخفاء، حتى نتوهم أكثر بأن ما توهمناه حقيقة هو عين الوهم، وأن العكس هو الصحيح… أو أن كل ما نفتح له مساحة، للمساءلة، هنا لا يعدو أن يكون مجرد وهم في وهم!
لا داعي لأن نذكّر بأن أجمل ما في النقد أنه يشرع نوافذ قد لا ترد على ذهن الكاتب أصلا ( كما كان يحلو لسارتر أن يردد)، وهذا يشفع لنا بأن نشرع نوافذنا قدر المستطاع، مادام أن القراءة تسمح بالإفضاء إلى مثل هذا التأويل…
أطلت “نخلة الله” بسعفها منذ مطلع القصيدة الأولى/”حكاية التي صارت تسمى”؛ ثم ترددت فيها في مناسبات أربع؛ كما أطلت في آخر بيت من القصيدة الثانية/”إسراء”؛ وفي ثلاث مناسبات في القصيدة الثالثة/”كل دروبي تؤدي إليها”؛ ومرة في الرابعة/”قناعة المضرّج بجمر العشق”؛ ثم اختفت على خفر في القصيدتين، الخامسة والسادسة، قبل أن تعاود الظهور في “إنها السماوة.. فادخلي آمنة مطمئنة…” (القصيدة السابعة)، في مناسبة يتيمة؛ ومثلها في القصيدة الموالية/الثامنة: “فيضان”؛ وبعد غياب في المحطتين المواليتين عاودت نخلة الله الظهور بقوة، في مناسبتين، في “تهويمات تحت ظلالها” (القصيدة رقم 11)؛ ثم، وقبل أن تدخل عالم الصمت المطبق ظهرت في خواتم القصيدة الثالثة عشرة/”المتماهيان”؛ وفي ما بين القصيدتين (11 و 13) حدث غياب (مفخخ في اعتقادنا) حيث لم تظهر نخلة الله في القصيدة رقم 12 “هواك الفرد”، كما لن تظهر في قصائد الديوان الموالية… فهل هو غياب عن سبق إصرار؟
وجب أن ننوه، بعد هذه المتابعة الإحصائية، إلى ورود النخل (بصيغة المفرد أو الجمع) في مناسبات عديدة أخرى في الديوان، إلا أنه لم يقترن باسم الجلالة فلم نعمد إلى إحصائه هنا، علما بأنه كان بإمكان الشاعر أن يقرن بينهما (النخل واسم الجلالة) إلآ أنه لم يفعل، كما لو أنه يأبى إلآ أن يمعن في إقصاء نخلته.. نخلة الله، وهو في خاتمة رحلته!
لكن، وبعد ما نثرناه من علامات استفهام أو تعجب حول هذا الغياب، ألا يضل الغائب فعلا حاضرا في أذهاننا، وبالذات أثناء غيابه، ربما أكثر من تردده أثناء الحضور؟
هذا ما يحصل معنا جميعا، ولكل منا مناسباته التي تذكره به، بحيث لا يحتاج الأمر إلى إقامة البرهان عليه.. لأننا نحن برهانه وقرينته.. فنحن المنبع والمصب.. المصدر والغاية، في النهاية!
الواحد/المُتكثّر، و/أو الحاضر/الغائب هو ما ترشدنا إليه نخلة الله في الديوان: عدد من القصائد تشكل جسد الديوان، لكن من خلال اللازمة إياها نقف متسائلين: هل نحن فعلا حيال قصائد متعددة أم محض قصيدة واحدة، جاءت بعناوين متعددة؟ ثم إلى ما يشير حضور اللازمة في قصائد (إذا افترضنا أنها قصائد بصيغة الجمع بناء على تعدد عناوينها) وغيابها في أخرى رغم تماهي الموضوعات الشعرية في الديوان كله؟ هو الذي جاء مفردا للقلب مساحة واسعة على غير العادة في دواوين السماوي السابقة، وبنَفَس واحد متدفق؟ وإن كان القلب نفسه يغدو مجرد مطية للقفز إلى مواضيع أكبر، حتى من الوطن، في مواطن أخرى من الديوان؟
هي ثنائية الواحد/المتعدد.. والحضور/الغياب، القوية إذن، تجسدها هنا اللازمة/نخلة الله، مُحيلة على قصائد الديوان الخمس والعشرين كما ارتضاها صاحبها، ومحيلة على قصيدة واحدة بعناوينها الخمس والعشرين كما نقترح نحن على القارئ، دالة على الوطن حينا، وعلى الحبيبة والشاعر أحيانا.. وفي الإحالة على الحبيبة إحالة على الوطن.. وعلى الشاعر أيضا…
وبعد: فما الوطن والحبيبة والشاعر.. ونحن… إلآ شيء واحد، ترسمه القصيدة، وتعمل على تكثيفه بكل ما أُوتيَتْ من قوة ومن ترميز؟
***
وأنا أطوي غلاف الديوان/”تعالي لأبحث فيك عني”، وأضعه إلى جانب دواوين شاعرنا الفخم/السماوي، في أحد رفوف مكتبتي الصغيرة، أثار انتباهي أنه بدا هزيلا بينها، والهزال هنا لا يعني هزال معنى ومبنى، بل هزال العاشق السقيم الذي اكتوى بنار التجربة، تجربة العاشق الكظيم الذي لم يكتب سطرا إلآ بعد لحظات احتراق وتأجج قصوى. وأكيد أن دسّ “نخلة الله” بين مفاصله وأضلعه، هي علامة على وصول التجربة الشعرية عند السماوي منعطفا رمزيا جديدا في منجزه المعماري الذي يغري بالمتابعة، والمتابعة المجهرية تحديدا.. شرف لا تدعيه مثل هذه القراءة العجلى…
***
* ( فينومينولوجيا المكان –  ما لم يرد عند باشلار -) مطبوعات الهلال / وجدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *