تابعنا على فيسبوك وتويتر

إشارة : تحتفي أسرة موقع الناقد العراقي بالشاعر العراقي المبدع “اسعد الجبوري” الذي طبع بصمته المميزة والباهرة على جسد الشعرية العراقية ، ومازال وبمثابرة عزوم يغذ الخطى على طريق العذاب الآسر هذا .. فتحية له .(شاعر ومترجم من مصر )
* شاعر ومترجم من مصر العروبة
تبدأ القصيدة بقول الشاعر (أرمي جسدي في الماء) وهو سطر موزون عروضيًّا، ويتفق في وزنه مع العنوان نفسه، ويمتد نفس الوزن في السطر التالي (فأراهُ سفينة) وبعدها يتغير الإيقاع. غير أن هذا الإيقاع يعود في نفس السطر في عبارات مثل (تسعى بين منازل)، (اللؤلؤ والبترول)، (والهامور)، وكذلك في السطر الرابع (جسدي يحملني)، ومثل هذه الأمثلة كثيرة في النص من قبيل: (يتمدد في الطول)، (أعرف كيف يغرد)، (يملؤها الله)، (أنا في جسدي ماءٌ)، (بغزاةٍ مرُّوا)، (خلفي شجرٌ)، وما إلى ذلك من أمثلة كثيرة لا تقيم وزنا خالصًا، ولكن تنثر موسيقى خاصة بالقصيدة تتولد فيها ولا تتقيد بما هو آتٍ من خارجها. هذه المراوغة في الإيقاع التي تلت المراوغة في المعنى كما رأينا في العنوان تظهر لنا أن الشاعر مشاكسٌ للقارئ، ولا ينتظر من القارئ أن يتلقي قوالب جاهزة دون جهد منه في صياغتها، وما فعلُ القراءةِ سوى إعادة صياغة للنص. وهنا يتعين على القارئ الذي تدربت أذنه على الإيقاع أن يستمع إلى ما تهمس به موسيقى النص حتى وإن حاول الشاعر إخفاءها وطمس معالمها. ويتعين على القارئ أيضًا أن يتعدى حدود المعنى النمطيِّ في ذاكرته ليتساءل ويكتشف، بل ويتعدى ما يرمي إليه الشاعر أحيانًا. مثل هذه المراوغة في المعنى قول الشاعر “وسأرحل للصيد في أعالي الكلمات” والتي تذكرنا بتركيبة “أعالي البحار”، وليس على الشاعر إثمٌ شعريٌّ إن هو استخدمها في قالبها النمطيِّ وقال “وسأرحل للصيد في أعالي البحار”، والتي سيتقبلها القارئ ولا يقف عندها، لأنها توافق ما استقر في ذهنه من تركيبة لغوية. غير أن الشاعر لا يرضى إلا بمفاجأة القارئ وتعدي حاجز النمطية لديه، بل وكسره، فهو يذكره بأنه شاعرٌ، والإبحار والصيد لديه لا يكون إلا في اللغة وفي الكلمات.
إنَّ الشاعر، وهو شديد الحرص على تجديد لغته ومعانيه، لا يستنكف أن يلجأ لتراثه الإسلامي وللغته القرآنية الإعجازية في قوله (دون خوف ولا هم يحزنون) في اقتباس صريح من الآية القرآنية (ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون). هو اقتباسٌ نراه ملائمًا لمعرض حديث الشاعر عن هؤلاء الذين قضوا نحبهم غرقى وهم يجمعون المحار من أعماق البحار، فكأنهم ينزلون بلا رهبةٍ سلالمَ تأخذهم للموت المنتظر لهم، أو كما عبَّر عن هذا الشاعر بقوله: (يزرعون في المحار أرواحهم وينزلون سلالم الموت / دون خوفٍ ولا هم يحزنون). هذا التناص مع الآية القرآنية يكشف لنا شيئين: أولاً أنَّ الشاعر حريصٌ على التزوُّد من تراثه والاقتراب منه قدر حرصه على مخالفته والابتعاد عنه. ثانيًا أنَّ الشاعر فخورٌ بأجداده الذين قضوا حياتهم في صيد المحار حتى أنْ أسبغ عليهم هالة قرآنية أضافت مسحة ربَّانية على موتهم غرقى، حيث أن الآية القرآنية، والتي تكررت بعدة صيغ فمرة (فلا خوفٌ)، ومرة (ألَّا خوفٌ) وغيرها من الصيغ البلاغية القرآنية، تتحدث مرة عن الشهداء، ومرة عن الصدِّيقين، ومرة عن الصالحين والأولياء. هذه الإشارة القرآنية تظهر مدى تبجيل الشاعر لأجداده والذي يبلغ ذروته في قوله (أنا حفيدُ مملكة الجبور في البحرين). المفارقة هنا هي أنه حفيد الأمير مقرن بن زامل وليس حفيد المملكة نفسها. هذا خروجٌ لغويٌّ آخر يفجأ القارئ ويكشف له أنَّ جد الشاعر ومملكته، بالنسبة للشاعر، شيءٌ واحد، فهو تبجيل للجد وفخر من الشاعر به، أو هكذا يبدو.
القصيدة رحلة يقوم بها الشاعر عائدًا إلى أصوله وتاريخه منقبًا عن آثار أجداده وما تركوه، وكيف عاشوا، وكيف كانت نهاية رحلتهم. هي رحلة يستحضر فيها الشاعر روح جده الأمير، يبدأها بأن يلقي جسده في الماء فيتحول الجسد إلى سفينة من تراب الذي هو مادة الجسد. تصير الروح رُبَّانًا لهذه السفينة، تسكن أعاليها، وتبصر الزبد الأبيض للموج قصائد تتراءى للشاعر في رحلته. يقول الشاعر في أول قصيدته: (أرمي جسدي في الماء. / فأراهُ سفينةَ ترابٍ، تسعى بين منازل اللؤلؤ والبترول والهامور / وقصائد السراب الأبيض من خلايا الموج. / جسدي يحملني. / وما زلتُ أغوص فيه، / لأكون أنا والماء من كهرباء الظنون. / هو العمودُ / يتمددُ في الطول وفي الارتفاع. / وأنا لمبةُ الذروة). نقف عند “كهرباء الظنون” التي تصعق القارئ بفجائيتها كما تصعق ظنون الشاعر نفسه. روح الشاعر في أعلى الساري سراجٌ، ثم تصير عند الطوفان موجة (وكيف تكون النفس موجةً / يملؤها الله بالليل وبالكؤوس على مائدة التخوم). يقول الشاعر في مقطع آخر: (أقف في مرآة الخليج / لأقرأ بحر الظلمات كتاباً في داخلي. / وأرى عذاباً قديماً لم تستطع الزلازلُ محو نقاطه / من العيون والدفاتر وجدران البحر). يستوقفنا قول الشاعر أنه يقف (في) المرآة وليس أمامها، وهو تعبيرٌ يأخذنا إلى داخل هذه المرآة مع الشاعر لندرك أنها ليست إلا الخليج، فالشاعر يبحر فيه ويقرأ ما يسطره البحر في نفس الشاعر عن عذاب قديم عاناه أجداده. هذه المعاناة التي ما زال البحر يحملها وتبدو ماثلة على جدرانه! وهل للبحر جدران سوى الموج الذي يعلو كأنه جدار؟ هي صورة تذكرنا بقول امرئ القيس: (وليلٍ كموج البحر أرخى سدولهُ / عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي). هي لمحة أخرى من لمحات تأثر الشاعر بتراثه، لا الإسلاميِّ بل العربيِّ هذه المرة. يكمل الشاعر متسائلاً: (لمَ كلما لمستُ مياهاً ، / أصبحتُ باخرةً تغوص بين أرجل الموج. / وكأني منقذٌ لاستخراج تواريخ غرقى أعرفهم / أو بعضهم أو أحمل عطر واحد منهم يذكرني / بغزاةٍ مروا بنا سحبَ موت وهلاك / ليس عندي غير شبكة الريح. / وسأرحلُ للصيد في أعالي الكلمات. / خلفي شجرٌ وأسلاكٌ وألغامٌ وآلهةٌ يتصدرون موائد الأساطير. / ومعي مطرقتي لكسر الحدود في الموج / وفي التاريخ وفي البصريات .. / أنا حفيدُ مملكة الجبور في البحرين. / أشقُ الآن غرفَ الماء بصوتي مستذكراً غرقى / يزرعون في المحار أرواحهم وينزلون سلالم الموت / دون خوف ولاهم يحزنون . / تلك صورهم في جوف المياه . / خيوط سيراميك مُعشق بالأحلام. / عظامهم مراكبهم تغوصُ وتطفو. / والملحُ آخرُ ما في كؤوسهم من ثمالة الوجود). صورٌ تترى للشاعر بمجرد أن يلامس مياه البحر، إذ يتحول لا لغواصةٍ بل لباخرة تغوص! وكأن الشاعر يسافر في الزمن بمجرد أن تطأ قدماه البحر فيبحر على باخرة كما كان يسافر القدماء في القرن السادس عشر. غير أنها باخرة يمكنها الغوص بالشاعر في الأعماق بحثًا عن أجداده الغرقى، حاملاً معه مطرقته محطمًا بها غرف الموج ليرى ما تحوي من غرقى. هو يرى صورهم وعظامهم تغوص وتطفو ولا شيء في كؤوسهم سوى الملح، آخر ما لهم من ثمالة الوجود! صور متواترة لا يملك معها القارئ سوى أن يتذوق ملح الثمالة في حلقه! هذه العودة في الزمن استلزمها عودة في اللغة، فلا نجد في هذا المقطع كلمة حداثية أو عصرية باستثناء كلمة “سيراميك” والتي من الممكن جدًّا
أنها كانت مستخدمة في القرن السادس عشر جنبًا إلى جنب مع كلمة “خزف”، على الأقل بين البحارة في خطابهم اليومي، حيث أنَّ أصولها يونانية من كلمة “كيراميكوس”، إلا أنه من المؤكد أنها كمادة كانت مستخدمة منذ آلاف السنين.
انتقال الشاعر إلى عصره وارتداده من رحلته التي عادت به إلى القرن السادس عشر استلزم معها تغيرٌ في اللغة، فنجد في نهاية القصيدة في المقاطع المعنونة “هامش” مفردات مثل “زمكنة”، “البلاجات”، “الشيطلائكة”، “باطون” وكلها مفردات تعكس زمنًا غير الذي جاء منه. كما يتحول الشاعر ليصف الخليج في عصرنا هذا والذي يرى فيه: (أطلالاً ومنازلَ باطون مسلحٍ ترتفعُ ما بين النفس والكتب / الآن أرى وراقين يؤلفون الخيبةَ بأحمر الشفاه، وعمال هنود وأجانب من مختلف الأعراق يحاولون ترميمنا على الشواطئ. اللغةُ مكسورةٌ، ونحن بقاع الليل نشتعلُ على حطبٍ من الموسيقى القديمة). هذه النقلة اللغوية تتوافق مع النقلة الزمنية وتبرزها، فكأنَّ القارئ يصحب الشاعر في انتقاله بين زمنين. غير أننا نستشعر أن الشاعر لم يفقْ بعدُ من صدمة العودة من القرن السادس عشر إلى القرن الحادي والعشرين ليرى ما رأى. نلمس هذا في بعض مفرداته التي ما زالت معجونة بأنفاس الماضي مثل “أطلال”، وهي مفردة تعود للقرن السادس الميلادي، و “ورَّاقين”، وهي مفردة كانت تطلق في القرون الوسطى على الكتبة وبائعي الكتب وطابعيها، وكان السوق الذي يباع فيه الكتب يسمى “سوق الورَّاقين”. هذا التزاوج بين ألفاظ عتيقة وأخرى حداثية تعكس لنا روح الشاعر المغموسة في تراث عتيق، الكائنة في عصر حديث صبغها بصبغته، فجاءت مفردات الشاعر معبرة عن رحلته للماضي وأصالته، وعودته للحاضر العولمي الحداثي، وصدمته في الارتداد من هذا إلى ذاك. هذه الصدمة يكرِّسُها تعبير الشاعر بأنه وجد أنَّ “اللغة مكسورة”، فهي ليست اللغة التي ألفها في زمنٍ سابقٍ عاد منه لتوه! ولأنه عاد لتوِّه من الخليج، وهنا المزاوجة بين استحضار الزمان والمكان، والذي عبره عنه الشاعر بكلمة “الزمكنة”، فهو يرى نفسه وقومه في هذا الزمن العولمي الحداثي قابعين في “قاع” الليل، فالليل عند الشاعر قد تحول لبحرٍ. تحويل الزمانِ لمكانٍ اختصره الشاعر في كلمة “زمكنة”، وهي إحالة ثانية لنفس بيت “امرئ القيس” الذي أشرنا إليه سابقًا والذي حوَّلَ فيه الليل (الزمان) إلى بحر (المكان).
بعد أن ينعي الشاعر حال الخليج الآن، يستحضر مجدَّدًا روح جده مخاطبًا إياه: (أيها الأمير المرصع بماء الياقوت الأحمر .. / يا من غرفتَ البحر بملعقةٍ وشربت الموتَ. / ها أنذا أستحضر تاجكَ في شعوبٍ لا تنتهي. / أستحضركَ من منازل السحاب المتحركة. من الريح العابرة في بريد الله. أستحضرك من تربة اللغة ومن تراب النظر المتطاير فوق غلاف التاريخ. أيها الأميرُ النائم ُ تحت المطر لا تحت الشاهدة الصخرية. ذراعك لن تنخفض). هذا المقطع الصافي في لغته، المدهش في صوره وتركيبته اللغوية والإيقاعية مثل (يا من غرفت البحر بملعقةٍ وشربتَ الموتَ) وهي تركيبة ذات نغمة موسيقية عالية تحيلنا للإيقاع الذي بدأت به القصيدة. هي تركيبة شعرية رائعة لا نملك إزاءها سوى تذكر قول ت س إليوت (I have measured out my life with coffee spoons; / لقد قست حياتي
بملاعق القهوة)، فكلا من الأمير مقرن بن زامل و”ج ألفريد بروفروك” متشابهان في كيفية انتظارهما للموت. الأول يغرف من البحر بملعقة ويشرب الموت على مهلٍ في انتظار قدومه الكامل، والثاني يقيس حياته بملعقةٍ في انتظار الموت، على مهلٍ أيضًا! إمعاناً في الفخر بجده، يؤكد الشاعر لجده الأمير النائم في البحر، لا تحت الأرض، أن ذراعه، برغم الموت، لن ينخفض.
لن يمكننا الوقوف عند كل سطر في القصيدة لقراءته قراءة انطباعية توضح معناه، فهذا ليس مقصدنا من هذا المقال، إنما مقصدنا، كما ذكرنا، هو تحليل النص لنرى كيف تماوجت لغة الشاعر ومفرداته ما بين المعاصرة والاقتباس من التراث الإسلامي، وكيف تراوحت صوره بين التماهي مع الشعر العربي القديم والشعر الغربي الحديث، وكيف تمازجت موسيقاه بين همساتٍ عروضيةٍ حينًا، ونثريةٍ لغويةٍ غالبةٍ على القصيدة تعمد إلى التحرر من رتابة الإيقاع، وكيف وظفَ الشاعرُ لغته لتعبِّرَ عن زمنين مختلفين، وأثر الصدمة الواقعة عليه إثر انتقاله بينهما، وكيف استحضر جده في رحلته للبحث عن ذاته وأصوله، وكيف رأى أجداده وهم يكتسبون قوتهم بجمع المحار، ورأى معاناتهم، ورأى موتهم في تحدٍّ سافرٍ للموت في غير خوفٍ منهم ولا عليهم. وما هذه القراءة المتواضعة إلا رحلة مع الشاعر، نحلل فيها ما كتبه، لا لكي نزعم أنَّ هذا ما قصده الشاعر تحديدًا، بل لمجرد المتعة المكتسبة من الرحلة فحسب.

نبذة عن الكاتب
الشاعر سيد جودة
تخرج في كلية الألسن جامعة عين شمس متخصصاً في اللغة الصينية. حصل على منحة دراسية عام 1988-1989 لدراسة اللغة الصينية في بكين وتخرج في معهد بكين للغات. فاز بجائزة الشعر الأولي في كلية الألسن عام 1990. هاجر للصين عام 1992 واستقر في هونج كونج منذ 1993 حتى يومنا هذا.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"