تابعنا على فيسبوك وتويتر

دخلت العيادة مريضة، 35 سنة،مع زوجها إلى العيادة متشحة بالسواد وتبدو مهمومة ومكتئبة.
الطبيب (ط): أهلاً وسهلاً
المريضة (م): اهلاً دكتور
(ط): ممكن أن اتعرف على حضرتك قبل أن تشرحي لي حالتك؟
(م): أسمي فاتن…هـ… وعمري 35 سنة…
(ط): تبدين حزينة؟
(م): نعم…واطرقت وبصوت خفيض وبألم … توفى والدي قبل اسبوعين…. تعرفه انت…
(ط): مَن هـ …م… نعم نعم اعرفه “يبدو على الطبيب التأثر”رحمة الله على روحه الطاهرة،أسف لم أحضر فاتحته.
(م): شكراً جزيلاً دكتور، نعرف انك مشغول كثيراً ومعذور عن عدم حضور الفاتحة.
(ط):تفضلي، مم تعانين؟
(م):اعاني من الم الصدر “وتشير إلى اعلى منطقة الثدي”
(ط): أكملي….
(م):نعم…الم ينخسني من هنا وينتقل إلى كتفي الايسر ويشع إلى يدي حتى منطقة الرسغ…… واشعر بحسرة تتلجلج في صدري………” عند الشرح يبدو أن الالم ليس بالشديد لأن مخارج الكلمات وتلميحاتها لم تؤكد الألم القلبي المنشأ: من خلال تجربتي الشخصية ارى أن ألم الذبحة الصدرية يتميز بتلميحات تكاد تكون مشتركة بين المرضى ترتسم على وجوه المرضى حينما يعبرون لفظياً عن الألم، الجدية المفرطة في الوجه والتأكيد غير اللفظي على الالم من مخارج حروف الكلمات ونبرة الصوت”
(ط): نعم واضح، أنه ألم في منطقة الصدر وارغب ان اتأكد هل هو قلبي المنشأ أم لا؟هل لديك امراض اخرى: داء السكري، فرط الضغط ….أخرى؟ وهل احد من اخواتك مصابة بهذين المرضين؟
(م):  أخي غايب مصاب بالسكري.
(ط): أعرف أن اخوك مصاب بالسكري لذلك سألتك عن حالة اخواتك، وبالمناسبة أرغب أن أرى غايب.
(م): صار، سأخبره عن رغبتك.
(ط):وظهر الفحص البدني ونتائج الفحوص المختبرية فحص تروبونين (Troponin test)وتخطيط القلب سليمة، لذلك لخصت الحالةعلى أنها ناتجة عن المعاناة الحزن…فاتحة … اجهاد… وترتبط بوفاة والدها الذي توفى قبل اسبوعين بالجلطة القلبية المفاجأة.
كثيراً ما يزورني احد اقارب المتوفى ويعاني من آلآم تشابه الحالة التي توفى بها أقاربه مثل مريضة تعاني من آلآم الثدي بعد وفاة اختها المصابة بسرطان الثدي وهذه الحالة من ألم الصدر  التي توفى والدها بسبب الجلطة القلبية وحالة المريضة التي توفى خالها بسبب تشمع الكبد وراجعتني لأنها تعتقد أن مرضها ناتج عن اضطراب الكبد.

بعد يومين زار اخوها غايب الطبيب وجرى الحوار الآتي:
غايب شخصية مرحة تتخلل حديثة نكات وضحك مستمر. ومصاب بداء السكري وله منهج خاص بالعلاجونادراً ما يراجع الطبيب  ولا يتفق مع البرنامج العلاجي الذي نضعه في العيادة.
(ط): أهلاً غايب البقية بحياتك ورحمة الله على والدك الطيب. كلفت نفسك وشكراً على زيارتك.
(غ): والله لا ننسى فضلك، لقد كنت معالجاً للوالد لسنين طوال. “يبدو عليه الحزن الشديد”
(ط): لا شكر على واجب، والحقيقة أني رغبت برؤيتك للتعرف عن قرب كيف توفى والدك واللحظات الاخيرة التي عاشها..
(غ):ساشرح لك الحالة بالتفصيل: تعرف أنه مصابة بداء السكري قبل أكثر من 20 سنة وهو ملتزم بالعلاج ويتراوح السكر في الدم بين (100-170) ملغم، ولم يرتفع إلا نادراً. ويتناول العلاج بانتظام ولكن في السنوات الاخيرة عانى من ذبحة صدرية ويتناول بعض العلاجات ولا يتمكن من الاستغناء عن حبوب الانجسيد عند الاجهاد لاسيما عندما يشغل مولدة الكهرباء البيتية. وفي تلك الليلة المشؤومة، كان الوالد بصحة جيدة وتناولنا العشاء بشكل طبيعي وبعدها تبادلنا اطراف الحديث وذهبت لبيتي قرب بيت والدي ونمت. وايقظتني زوجتي في منتصف الليل وتقول ابوك تدهورت حالته”موزين” استعجل. وسريعا ركبت السيارة ووضعته جنبي وقد تمكن من الصعود لوحده السيارة. وانطلقت بالسيارة كأنني مجنون وهمت سيطرة الحرس الوطني ان تطلق علّي النار. وقدرت الحالة انني لا استطيع أن اصل إلى المستشفى …. وتعرف نحن في القرية وتبعد حوالي 30 كم عن اقرب مستشفى …. فضلاً عن مخاطر سيطرات الجيش والشرطة بالمرور خلالها بعد منتصب الليل وحالة حضر التجوال لازالت سارية في بغداد. لذلكبحثت عن مضمد عله يفحص والدي ويساعدني. وفي هذه الاثناء لحقني اخي ولديه سيارة حديثة ومبردة ونقلناه من سيارتي إلى سيارته ولكن لا اعرف كيف، وطرقنا باب احد المضمدين لحد ان نكسره ولم يفتح الباب لنا. رجعنا إلى مضمد آخر وجس نبض الوالد وقال البقية بحياتكم. حينها غشي علي لفترة وجيزة وبعدها قفلنا راجعين إلى البيت.عم البيت العويل والبكاء والملف للنظر شدة الصدمة والتأثر التي ابدتها والدتي تجاه المصاب. قبل سنة، تأثرت والدتي كثيراً بوفاة أخوها أبو سعيد وظننا حينها أن حزنها كان شديداًولكن عند المقارنة بدا تأثرها اشد لزوجها.
(ط): كيف؟
(غ):تعرف ان والدتي مصابة بداء السكري وفرط الضغط وتدخن، بعد وفاة والدي تضاعف عدد السكائر التي تدخنها واهملت حالتها الصحية وبدا عليها الحزن الشديد بدرجة مضاعفة عند مقارنتها بحزنها على شقيقها. وذلك لأن علاقتهما كانت خاصة جداً: تصور دكتور كان والدي يلبس أمي حذائها ويهتم بحالتها الصحية أكثر من اهتمامه بحالته الصحية، حيث يراجع عدد من الأطباء للإطمئنان على صحتها ويكون كريما وحينما نلح عليه أن يزور الطبيب يقول لا أنا في صحة جيدة ولا يريد أن يثقل كاهلنا بأعباء مالية اضافية. عاشوا حياة وئام لمدة أكثر من 40 سنة.
(ط): صحيح، حينما يزوران العيادة  كثيراً ما كنت امزح معه واقول يكفي ابو غايب. لقد مللنا منك دع ام غايب ترجع إلى اهلها لقد نلت وطراً كبيراً منها ولا تتمكن ان تخدمك لحد الآن وهي تحتاج إلى رعاية خاصة وانت لا تستطيع ذلك. حينها يشرئب ويغضب وكأننا سنسحبها عنوة عنه ويقول “لا دكتور نحن نعيش سوياً ونموت سوياً” وأنا اضحك من كل قلبي لانفعالاته البريئة.
(غ): ابتسم قليلاً … صحيح ما تقول…
(ط): أنقل تحياتي وعزائي إلى والدتك وانشاء الله أخر الاحزان.
(غ): شكراً دكتور وبارك الله بك.

التعليق
اود أن اركز هنا على أن رعاية الطبيب ينبغي أن تمتد بعد وفاة المريض إلى عائلته. وإن تمكن أن يحضر مراسيم الفاتحة أو يواسي عائلة المريض بالتلفون ويستغل المقابلات اللاحقة بالكلام عن المتوفى لتقليل انفعال الحزن والكآبة. وان هذه الدقائق التي يقضيها الطبيب مع ذوي المتوفى لا تعوض بثمن عندهم. ويشعرون أن الطبيب مهتم بالجانب الانساني مثل اهتمامه بالجانب الطبي مما يوثق العلاقة المستقبلية فيما بينهما. كما ان وضع العائلة بالجو الذي عاشته في المحنة والتركيز على التفاصيل الدقيقة من المعاناة وإظهارها للسطح مناقشتها والتفاعل الجاد معها تعطي للعائلة أن محاولاتهم العلاجية انصت إليها وقيمت من خبير، حينها تقلل بعض الشعور بالتقصير والذنب الذي يعتري ذوي المتوفى لمدة طويلةمما يقلل حجم المأساة عندهم.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"