الرئيسية » نقد » ادب » د. عامر هشام الصفّار : ديوان “واو” للشاعر عدنان الصائغ : متواليات الحب والحرب والمنفى..

د. عامر هشام الصفّار : ديوان “واو” للشاعر عدنان الصائغ : متواليات الحب والحرب والمنفى..

قرأت له منذ سنوات الثمانينيّات في بغداد.. ومنذ ذلك الحين وعدنان الصائغ، شاعرنا المجتهد المواظب، ظلّ حريصا على الجديد الأبداعي، الذي يدهش فيه قارئه، المتطلّع لشاعره،  ليشاركه همومه ويعّبر عنها تواصلا ناضجا..
وكان الصائغ قد أصدر أربعة من دواوينه الشعرية في الأعوام 1984-1988 وبمعدل ديوان شعر في العام..وهو نتاج غزير..كما وأنتج عددا آخر من دواوين الشعر على مدى العشرين عاما الماضية، كان آخرها ديوان “الواو” الصادر العام الماضي 2011 عن مؤسسة رياض الريس للكتب والنشر. وقد جاء “الواو” بما يزيد قليلا عن 200صفحة وبما يقرب من مائة قصيدة وقصيدة..(و) قصيدة هذه عنيتها متقصّدا فعطفنا واوا بين الكلمتين..وهو هذا “الواو” الحرف المعجمي بل هو اللغة أيضا (راجع لسان العرب فيقال واو ويقال ووو..وقد يكون للهجاء..)  ..الذي تشكّل كتابة وبلون أحمر غامق على غلاف الديوان..ليسبح في واوات أخرى بعضها جاءت بلغات العالم المختلفة فأعطى الأنطباع عن حالة العطف والمعطوف عليه..وأستمرار القصيد حتى النفس الأخير..وهكذا تجد في الديوان 9 تشكيلات شعرية و6 مرايا و4 أشخاص وثلاثة كولاجات وقصيدتان بعنوان حرب 1 وحرب 2..!.
ديوان”الواو”.. الدلالة والمعاني
وأستطيع أن أجمل النظام الدلالي لديوان الشاعر الصائغ “واو” في موضوعيين رئيسيين ألا وهما:
1 . الوطن..والأنسان..
2. فلسفة وحكمة الحياة..
فلا يعدم القاريء ملاحظة الدلالة الأولى ..الوطن والأنسان في قصائد الديوان..فكيف يتجلّى الوطن للمبدع الفنان في منفاه أو غربته..؟ وكيف تنظر للوطن من بعيد..؟ وحتى أنت فيه..مغترب مطارد..كل هذه المشاعر سجلتّها قصائد “الواو” التي كُتبت كما تدّل التواريخ المذكورة في ذيل كل قصيدة، على مدى يزيد عن عشر سنوات وفي بلدان العالم المختلفة: الأوربية والأميركية والشرق أوسطية وغيرها..دلالة المنفى والتجّول في أنحاء هذا العالم..وهو ليس تجوال السائح بالرغبة الأنسانية، بل هو جزء من أضطرار المنفييّن عن أوطانهم..(يذكر الصائغ في سيرته الذاتية والمنشورة في آخر الديوان أنه خرج من العراق عام 1993..حيث تنقّل في بلدان عديدة..).
ومن أمثلة محورنا الدلالي الأول حول الوطن والأنسان والغربة نقرأ في قصيدة كأس حيث يجلس الشاعر في الحانة
( وبالمناسبة تتكرر الحانة- المكان عدة مرات في قصائد الصائغ):
كانت بغداد
خيوط دخان
تتصاعد
من أنفاس الجلاّس (أنظر ص 15)
وفي “قصيدة” يقول:
لي غربتان،
فكيف تمديّن، بينهما، الجسرَ
كي نلتقي..؟ ص19
ثم:
الليل يأخذني لشوارع برلين دثرّها الثلج
يأخذني الصحب للحان
يأخذني أبن زريق الى الكرخ..
تأخذني غربتي للقصيدة..
من أين تبدأ..؟ ص30
وفي لشبونة، يمر به طيف بغداد
شابت روحَك..
أم شبّ بك الوجدُ، لبغداد..ص42
وفي لندن في عام 2004 وفي قصيدة غربة 2 يقول:
أخذتني المدينة، لندن..
ما لي
أمرُّ على جسرها
فأرى نهر دجلة،
مختضبا
والنخيلات، مثقلة بالغياب..
ويقول عدنان الصائغ وهو في السويد:
أين الرصافة
من جسر مالمو..؟
وفي محورنا الثاني من النظام الدلالي لديوان “واو” والمهتم بفلسفة الحياة وحكمتها نقرأ للصائغ تشكيلات فلسفية في الكثير منها حكم وتخريجات في معاني الحياة..فتقرأ في تفعيلته الموسومة “القافية”:
أخذت الحياة
على محمل الجّد
-دهرا-
فأتعبني حالها
رأيت بكنه اليقين منازلها،
قُلّبا
يعلو المنابر جهّالُها
فغسلّتُ كفي منها ثلاثا
وأضربتُ عما تزاحم سؤّالها..ص27
ونقرأ:
حياة بيضاء.. كثيرا ما نفسدها بالأحلام ص100
ونقرأ في أنزياحاته حكمة:
أذا كان رأسك من زجاج
فلا
تناقش
الناس بالحجارة..
لغة الشعر في “واو” ومنجزها الجمالي
ولا يعجب قارئ عدنان الصائغ من سهولة اللغة الشعرية ورشاقتها وسلاستها عنده ..فهي اللغة الواضحة التي يتمتع بها ولا يصعب عليه فكّ معانيها وما ترمي أليه..وهو هذا الوضوح الذكيّ، أذا صح التعبير، مما يقّرب الشعر وبالتالي الشاعر وفضاءه الى قارئه-الهدف –الأنسان.
وهكذا نجد في لغة “الواو” التعبير بالأيحاء والأنزياح والأقتباس والمحاورة والمناجاة كأساليب متبّعة في نصوص الديوان المفتوحة..قصائد النثر..ففي السواد..دلالة أرض السواد-العراق.. يقول الصائغ:
السواد..الذي كان خصبا
صار سوادا وجدبا
ويبرز أحيانا تناقض الأفعال بمردوداتها، ففعل الرقص مثلا هو فعل الفرح والبهجة..ولكنه يربطه بالقذيفة والهلع:
يموسقني صوتها حتى ينداح
-هل تتقن الرقص
-رقّصّتني القذائف ص48
والشاعر يؤنسن الأشياء أو يشّخصها (وهو نوع من الأنزياح في اللغة الشعرية) فيحاورها:
صرخ الحجر المتألم
في وجه النحّات
-يؤلمني أزميلك
ماذا تبغي أن تصنع مني..؟
ويتقّنع الصائغ بقناع أسطوري.. ومثال ذلك:
وتمشي
ولا شيء –عوليس-
غير سراب –أثيكا-
ودمعة –بنلوب- ص65
وفي الديوان رموز دين وتراث معروفة:
يا حلاّج..محي الدين بن عربي..ومأساة الحسين وأبن زريق..
وفي عناوينه تناصات واضحة فتقرأ ..”ما لم يرد في الأمتاع والمؤانسة”، كما وتقرأ أنزياحا  “أوراق من سيرة تأبّط منفى” فيستذكر القارئ تأبّط شرا (وهو ثابت بن جابر الفهمي أحد شعراء الجاهلية الصعاليك) والشاعر الصائغ كما أعرف لا يزال يوقّع تحت أسمه بالذي تأبط منفى..أصرارا منه على الصفة التي لم يطلبها، بل وجد نفسه منغمسا فيها..دون فكاك..! ثم أنك ترى التناص مع كلمة “وحيدة” فهو أسم أول لمطربة عراقية معروفة، وهو الصفة أشارة الى الوحدة والعزلة في نفس الوقت..
يا وحيدة
يا وحيدة خليل
ما الذي بقي من هذا الوطن
بعد أن أفرغوه
من العشب والثورات والأغاني..
ولابد لي هنا من أذكّر القاريء بالمقصود بمفهوم الأنزياح في اللغة الشعرية حيث يقول الدكتور عبد الرضا عليّ في كتابه غبار السباع” والأنزياح تغيير في نسق التعبير المتوقع المعتاد الى نسق آخر يؤدي دلالة مخالفة، فهو خرق للثبات وعدول عنه الى قصد توليدي يخالف مقتضى الظاهر السائد ويخرج عنه..”.
ثم أن الصائغ في ديوانه “واو” يستعمل البياض في الصفحة ليملأه قلم القارئ-المتلقي وفكره وأبداعه بما شاء له ذلك.. ويقطّع الكلمة بحروفها..وتقطيعاته كثيرة كتقطيع حرف الباء..والذي يحسّه القاريء كتقطيع نياط القلب ص13-14.
ثم هو يرسم الكلمات دلالة القصيدة المرسومة أو المتداخلة شعرا وتشكيلا ص66. وكما في القصيدة الأولى من الديوان والمسماة “العراق” والتي طبعت كلماتها على شكل علامة أستفهام في ص13 من الديوان..وفي “الواو” الديوان..حوارات نفسية داخلية (مونولوج) وحوارات مع الآخر-الشئ والأنسان (دايلوج) مما لا تخطئه عين القاريء النبيه.

الأيقاع في ديوان “الواو”
ولا يخفى على القاريء كذلك من أن الأيقاع يعتبر مكوّنا أساسيا في الشعر العربي..وأذا كان الشاعر المعاصر قد جدّد وثوّر في أيقاع القصيدة الحديثة فذلك لم يكن ليبتعد به عن مواصلة التأثير في المتلقي وتحقيق الغايات..على أنك تجد عند الصائغ في واوه شعر التفعيلة والموزون المقفّى والنص المفتوح أو قصيدة النثر كما وأنك واجد النثر الشعري أذا جاز التعبير..
يكفي نواجه عصرنا بسياسة
التفريخ..والتفخيخ
أو بقوائم التكفير ..والتسفير
أو بمتاهة التفسير والتطبير..
وهنا يلاحظ القارئ تجانسا صوتيا بين تفريخ وتفخيخ، وتكفير وتسفير..وتفسير وتطبير..علامة على تجانس ردود الفعل عند القراءة بالأيجاب مع ما يريده الشاعر المبدع..
وتقرأ في الواو أيضا:
اي وطن –يا آلهي- هذا الذي يطفو على النفط
والمجاعات
وعلى الحضارات والأنقلابات
ويحب الصائغ قافيته المعافاة فتقرأ في “مصارحة”
وما الذي قد فعل الحكّام
والأولياء..؟
هل غيرّوا من حالنا
هل حسنّوا من وضعنا
هل أوقفوا مسيرة الشقاء..؟
“الواو” صور شعرية فريدة..
ومن الجماليات الشعرية التي تتميز بها مجموعة “الواو” لعدنان الصائغ هو مجموع الصور المرسومة دون أرباك أو غموض..وهي الصورة المتخيّلة  التي لها علاقتها بواقع الشاعر بشكل أو بآخر..فالقلب= طابع بريد ص174
والمئذنة=الجسد
ناعض
يتوسل للقبتين ص17
والحشر في ماسورة البندقية ص174
وكالصناديق تحملنا سفن
وتصّدرنا مدن..ص173
وشفاه مفتوحة..كقصيدة لم تكتمل بعد
وثمار منخورة..بالوحشة..
ثم أن الشاعر أستعمل التكرار أيضا في  بعض من قصائد “الواو” . تقول الملائكة نازك في كتابها المرجع “قضايا الشعر المعاصر” حول موضوعة التكرار: “في قصيدة النثر تكرار لا يملّه القاريء بل يشحذ فيه فكره”..ومن هذا ما تقرأه في مطر بلندن للصائغ..ص28
ولا يستغرب القاريء أذا قرأ في الديوان عن الحب والغزل وما أكثر من ذلك في هذا الجانب الحياتي..فالصائغ عاشق لا يسعه الاّ الأفصاح عن عشقه..فيكتسب عنده خصر الأنثى معناه كما تعجبه الأكتاف البضة..
وضعت على كتفها البض
ساعدي الغض..
وفي صوفيتّه الشعرية ووجهات نظره ومشاكساته تقرأ له الكثير في “الواو” مما يحتاج لدراسة خاصة تحلّل المقاصد والأساليب أستكناها للمعاني والأهداف..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *